شعبان السيد
لو لم يحسب لهذه القصة سوى أنها نقلتنا منذ بدايتها الى هذا الجو الغرائبي الغائم الذي تظلله الكآبة وتكتنفه الوحشة، فإنها تكون قد حققت نجاحا كبيرا على طريق الرسالة التي يتوخى الفن - بعمومه - أن ينجزها، آخذا بناصية المتلقي الى ما هو أبعد من واقعه المنغمس في الثرثرة اليومية بتفاصيلها الصغيرة، متجاوزا به خطوط الحقيقة التي هي دائمة المرارة في حياة كتب علينا أن نحياها مسافة شبه صفرية بين نقطتين إحداهما آتية من مجهول والأخرى ذاهبة الى مجهول!
ما كادت القصة تبدأ بجملتها - المفتتح - “وحيدة تركتني وسط هذا الخراب···”، حتى ارتفعت الستارة، في صورة مباغتة، عن مشهد عاصف من “المناخ” القاسي والمتوحش والمرعب في وقت معا فكأن هذه العبارة بكل ما حملته من تقريرية ثقيلة، وبما تضمنته - استدعاء - من الذاكرة الجمعية “النسائية” العربية من عويل منتحب عند فقدان عزيز، أو غياب ركن من أركان العائلة، كأنها تصافح القارئ بمنشور للحزن أو إعلان للحداد سرعان ما يتحول الى صراع غير متكافئ بين غضب الطبيعة العارم وامرأة وحيدة يقتلها الهلع وهي تفتش - عبثا - عن نقطة ضوء في سراج قنديل تعصف به الريح واليأس، أو عن قطرة من الدفء حشرجت في حلق موقد يقضي حشاشته (!) في جوف كوخ متداعي الجدران، يسبح بدوره، في “ظلمة تلف الكون بسواد حالك”!
وبهذا السواد الحالك الذي يلف الكون ويلف معه القارئ الذي لم يمض مع القصة بضع ثوان حتى تقطعت أنفاسه وأحس بأنه يحمل فوق ظهره جبلا من الكآبة الخانقة (التي قد يحبها البعض من الذين يشعرون بأن العالم أصبح أكثر تفتتا مما ينبغي!)··· أقول بهذا السواد الحالك الذي أغرق المتلقي في أعطافه أغلقت الكاتبة المشهد الكابوسي، كما تصنع البطلة في الفيلم السينمائي حين تخرج بعيينها من المشهد المحيط، ناظرة الى بعيد··· الى خارج “الكادر”، لتدلف مباشرة الى المشهد الثاني، آخذة بقارئها - الذي تقطعت أنفاسه منذ هنيهة - الى لحظات من التذكر بعيدا عن الخراب السابق!
تتذكر الكاتبة··· تجتر أحداثا وطقوسا حميمية للقاء الأول الذي خرجت من رحمه قصة الحب التي جمعتها بالبطل الغائب للقصة! ولكن - ويا للأسف - حتى هذا المشهد الذي تستدعيه الكاتبة من الماضي البعيد كأنما لتنتصر به، ومن خلاله، على وحدتها وخوفها، وقد اختارت أسلوب المخاطبة (للحبيب) كأنها تستحضره حقيقة أمامها ليؤنس وحدتها، هذا المشهد الدافئ تأبى الكاتبة أن تنهيه إلا بعبارة أخرى أقرب الى العويل والانتحاب على فقيد: “تركتني وحيدة حتى الألم·· وحزينة حتى الموت”!
ولأن الكاتبة قد اعتادت الاحتفال بذكرى اللقاء الأول مع الحبيب، لا تستطيع الآن مقاومة الرغبة التي اندلعت داخلها لممارسة الاحتفال في صورة خاصة، برغم غياب الحبيب من ناحية، وبرغم بشاعة المشهد الخارجي من الناحية الأخرى· لكنها تقرر الذهاب الى المقبرة!
طويلة هي الطريق الى المقبرة، يزيد من طولها العتمة السوداء، والريح المجنونة والأمطار الغاضبة··· ولكن البطلة تتلفع بعزيمة الأنثى حين تجرفها لحظة حنين الى حب ضاع بعد أن ألهب كيانها كله بدهشة الولادة من جديد!
هذا الحب الذي ملأ أعماق بطلة القصة كشفت عنه - ثانية - رغبتها العارمة في تذكر تفاصيله وهي في طريقها إلى المقبرة، كأنما وجدت الكاتبة في هذا الاستدعاء المتكرر لمشاهد الحب الدافئة معادلا نفسيا يعيد التوازن الى هذا الكيان المحطم كلما تجهمت مظاهر الطبيعة الغاضبة التي هي - بدورها - معادل موضوعي لأحاسيس الهزيمة والإحباط واليأس والخوف المطبقة على البطلة وملأت عليها دنياها، فلم تجد إلا أن تغمس ريشتها في هذا “الحبر النفسي” وترسم على لوحة الوجود عتمة ومطرا وعواصف وشياطين!!
الطريق الى المقبرة إذن طويلة··· بل مرعبة، ولا يقلل من طولها ورعبها أنها ليست طريقا حقيقية تمر عبر الأشجار المحطمة والعتمة الدامسة، بل ربما يزيدها من الرعب والطول أنها طريق متخيلة تمر عبر تلافيف المخ وزوايا النفس المهشمة ومنعطفات الروح المهيضة البائسة···· لكن بطلة القصة بالرغم من ذلك تصل في نهاية الطريق الى باب المقبرة، وكأن قوة خفية هي التي دفعتها دفعا للانتصار على مشاق الرحلة الليلية، لتجد نفسها وجها لوجه، في لحظة لقاء - مستحيلة - مع الحبيب/ الشبح وسط “طقوس” من اللا معقول جسدته الكاتبة نفسها في عبارة “كيف رأيتك وعرفتك في الظلام؟ لست أدري!”· ويبدأ الحوار بين البطلة وحبيبها··· وينتهي في دائرة مفرغة من العبث المفعم بالإحباط، فهو أشبه بحوار يجري بين اثنين من عالمين مختلفين· فهي تقبل عليه مندفعة، فيما هو بارد برودة العقل وحياده! تطلب منه أن يشاركها في الاحتفال بحبهما المنكسر، فيتهمها بخداع نفسها والإصرار على المعيشة في الوهم··· تتوسل إليه أن تبقى معه في عالمه هذا العجيب الغريب، وألا تعود ثانية الى عالمها الذي يسوده موت من نوع آخر، فينهرها قائلا: “بل ستعودين الى مكانك···· كل إلى مكانه”! حوار أقل ما يوصف به أنه جرى بين عاطفة متأججة ومنطق فولاذي·· بين حياة طافحة بالمتناقضات وموت ينعم بالاستقرار الجليدي لليقين! إنه بين الأنثى بعنفوان غريزتها ورغبتها التي لا تكف عن التطلع الى مواصلة الحياة وإخصابها، وبين الرجل الذي - ربما - لا ينشغل إلا بلحظته، مفرغا علاقته بالمرأة من فلسفتها الحقيقية! من أجل هذا كان لا بد أن ينتهي الحوار يائسا دائرا على عقبيه عائدا الى نقطة البدء، لتنهزم البطلة، بعد أن اصطدمت في نهاية الطريق بجدار أفقي! فلا تجد عزاء إلا بافتعال مشهد حميم بأن جعلت حبيبها - ربما تخيلا - يبثها بأصابعه “حنانا وإشفاقا يرفض لسانه الإقرار بهما”· وهو مشهد فيه من العودة “النوستالجية” الى ما لا يمكن تحققه أكثر مما فيه من الواقع· بل إن هذا المشهد نفسه يعزز الغرائبية التي سادت لقاء المقبرة من البدء للمنتهى· فالرحلة تمت داخل دهاليز النفس، وليس خارجها··· والمقبرة إنما هي صندوق الذكريات، أو “حافظة اللاوعي” التي تلجأ إليها البطلة كلما افتقدت الحبيب، أو أطبقت على ضلوعها وحشة الحياة! ولكي تكرس الكاتبة من لا معقولية هذا المشهد، لجأت الى إنهائه بأن جعلت هذا المارد العملاق في المقبرة ينتزعها من بين يدي الحبيب/ الشبح في قسوة بالغة، ملقيا بها خارج المقبرة، موصدا من دونها الباب الكئيب··· من هذا المارد يا ترى؟ لو كانت المقبرة حقيقية لقلنا إنه كبير الموتى الذي يتفقد المقبرة، ويراقب الزيارة، وينظر في أحوال الأجساد الهامدة أو الأرواح المطوفة··· لكن ماذا لو كانت المقبرة هي تلك النقطة البعيدة الغور في قاع النفس التي تكبت عندها الرغبات وتتكسر الأحلام وتتصارع حولها الآلام المنسية والآمال المجهضة؟ أيمكننا إذن أن نقول إن هذا المارد ما هو إلا سلطة العقل التي قمعت - في نهاية القصة - البطلة الحالمة، أو هو - في لغة أخرى - الأنا الأعلى الذي يكبت في المرء عواطفه الجانحة، أو تطلعاته غير المرضي عنها؟
تعود البطلة من المقبرة خاسرة الرحلة، وحضن الحبيب، لتمر من الطريق نفسها، الخراب نفسه والحطام المتناثر هو هو···· تدخل الى الكوخ··· الموقد ليس به سوى الرماد البارد·· القنديل يلفظ أنفاسه الأخيرة، كأنما تعود الكاتبة لتغلق على نفسها وعلى القارئ الدائرة التي ابتدأتها بالخراب، لتنهيها أيضا بالخراب··· بعد أن تكون قد “أسرت” بنا في هذا الليل الكئيب في رحلة سريالية تغص بالأفكار والأحداث وحتى الأشخاص الذين هم ينتمون الى عالم ما وراء الواقع أشد بكثير مما ينتمون الى الحياة والواقع·
لقد وعدتنا الكاتبة/ البطلة بأنها سوف تعود الى زيارة المقبرة في اليوم التالي····
إنه إصرار المرأة حين تحب··
ورغبة الأنثى حين تستجيب لنزعتها في العطاء الأمومي الدائم·· وقدرة للكاتبة على التسامح جعلتها تنسى بين سطور قصتها أن تخبرنا عن هذا الحبيب الشبح·· أهو مات فعلا··؟ أم هو الذي أماتها؟
هذه القصة تيار دافق من القتامة اللذيذة يندفع تحت الجلد، راسما في حبة القلب ارتجافة الصراع بين الحب والألم، بين الواقع والرجاء·· بين غريزة الموت وغريزة الحياة·