كتب المحرر الثقافي:
وجهة نظر أمريكية ظهرت غداة تفجيرات 11 سبتمبر، تقول بضرورة إلقاء اللوم على الأنظمة العربية الحاكمة ومسؤوليها، في زرع الحقد والكراهية تجاه الأمريكان، حينما كرست وما زالت، هذه الأنظمة تلك المشاعر في سبيل دغدغة عواطف جماهيرها العربية، “وترقيع” هزائمها الذاتية، أو “تنفيسا” للجماهير عن غضبها، وتوجيهه الى عدو أجنبي/ خارجي·
وتؤكد وجهة النظر (الجديدة) في حمأة انفعالات الشعب الأمريكي وبحثه عن سر كراهية الشعوب العربية والإسلامية له، وانتشائها بكوارثه، أن تلك الأنظمة بدت الآن كناكرة للمعروف الغربي (الأمريكي على الأخص) حينما تناست العون الذي قدم للمسلمين في الكويت، والبوسنة وكوسوفو وغيرها من البلاد التي عانت من الكوارث الطبيعية أو الحروب الأهلية·
ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أنه قد آن الأوان لكشف خداع هذه الأنظمة، وفضح خطابها “السري”، الذي اعتادت على تقديمه تحت طاولات الزيارات الرسمية أو المفاوضات أو المعاهدات الثنائية، فلم يعد من المقبول سماع مثل تلك الخطب التحريضية المسايرة لآراء الغوغائية في الإعلام العربي، في الوقت الذي تقوم به جيوش غربية بمناورات عسكرية مشتركة على أراضي وبحار تلك الدول، وترفض - وجهة النظر تلك - أن تستمر أمريكا في قبولها “للمصافحات الغبية”، حينما تمد لها الأنظمة العربية يدا، وتطعنها باليد الأخرى “الإعلامية” التحريضية·
إعلام تحريضي
الآن بدأت تترسخ وجهة النظر الغربية / الأمريكية هذه، بل وتزداد حدة، ونبرة، خصوصا بعد أن شهد العالم خلال الأيام الماضية، ما قامت به قناة “الجزيرة” القطرية، كأداة إعلامية فعالة ونشطة من دور تحريضي، أخذت به دور الناطق الرسمي لـ “بن لادن” وقاعدته الإرهابية·
لا تغني عن “الجزيرة” تبريراتها بنقل وجهة النظر الأخرى، أو التفرد الإعلامي بنقل أحداث الحرب، ومواكبة تطوراته عن قرب، هذا “القرب” الذي أثار أكثر من علامة استفهام!
فـ”الجزيرة” هي القناة الفضائية الوحيدة التي سمحت لها حركة طالبان بالتواجد على أراضيها وفي عاصمتها والمدن الأخرى، ناقلة على الهواء مباشرة أحداث الحرب، وتصريحات “طالبان”، بل والدخول في أماكن عدة كالمستشفيات والهيئات وإجراء اللقاءات مع الأهالي و”المجاهدين”!!
وعلى مدى الأسابيع الماضية، بسخونة أحداثها، لم ير المشاهد العربي نقلا موضوعيا في ساحة الحرب الأفغانية، بقدر ما استمع وشاهد الرأي الطالباني الأوحد، مساندا ببرامج أخرى حوارية، تصب جميعها في الهدف المعد لها، لتلهب مشاعر العامة، وتصور لهم خيالات لحرب دينية مقبلة يشنها عليهم الغرب الكافر·
فضيف ممل ومكرر كثيرا كعبد الباري عطوان (له عويل في كل مأتم)، يطل مجددا رافعا راية الجهاد الإسلامي خلف بن لادن، كما رفعها وما زال خلف النظام العراقي، ويدعو بشكل صريح الغباء الى استغلال الأحداث الجارية لحل القضية الفلسطينية، ليربط بينها (كقضية عادلة) وبين الإرهاب، ويقر ويعترف على شاشات الجزيرة بضرورة اللجوء الى الإرهاب، كحل عربي إسلامي وحيد، لا يوجد سواه!
أيادٍ خفية
هذه العجلة الإعلامية الضخمة المحملة بالتجهيل، ودغدغة مشاعر العامة، بعناوين مخادعة من “جهاد” و”حروب دينية” وتحريض على أمم وحضارات أخرى، أخذت تديرها بخبث أيد خفية، في شبه “الجزيرة” العربية القريبة منا، لم يع مسؤولوها خطورة دورها على مستقبل عالمنا العربي، فبين ادعاءات “التفرد”، و”الاختلاف”، و”الضغط السياسي” أو الانتقام، و”السبق الإعلامي”، وإعطاء الحريات، وسماع الرأي الآخر، ضاعت الحقيقة الكامنة في نفوس معدي “القناة” و”مثقفيها”!، والغائمة في أعين مسؤوليها بعد أن كثفتها - ان أحسنا الظن - نشوة النصر الإعلامي·
يقول محمد جاسم العلي (مديرها العام)·· “شاركنا القنوات الغربية في صنع الأحداث، وأصبحت لدينا قناة عربية تنافس في صناعة الأخبار، فالقناة الوحيدة التي بثت بدء الحرب وتطوراتها على الهواء مباشرة”·
ويقول رئيس مجلس إدارة “الجزيرة” الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني إنها: “تقتنص السبق الصحافي أيا كان مصدره”·
فهل ما تقوم به القناة القطرية هو في واقعه سبق صحافي، أم “تشويش” للعقل العربي وتشويه لمبادئ السلم والحياة المدنية، أم انحياز سافر لحركات الإرهاب··؟
هل هو تصفية لحسابات سياسية مع أقطار عربية، أخذت لبوسات مطاطة مثل الدفاع عن حرية الرأي الآخر، وحق الاختلاف كما يقول رئيس مجلس إدارتها “إننا حريصون على المهنية والصدقية، واحترام الرأي والرأي الآخر”؟·
مؤسسة يتيمة للحريات
ماذا بشأن الدول العربية التي أصابتها سهام “الجزيرة” غير الطائشة، إذ إن مدلولاتها وتتابعها يدل على تخطيط مسبق، وتنفيذ لسياسة إعلامية مدروسة لدرجة أن البعض يرى أنها قد أعدت في المطابخ السياسية التابعة لوزارة الخارجية القطرية·
في الوقت الذي يفتخر رئيس مجلس إدارة “الجزيرة” بمشاغبات برامجها وتقصدها “أدى الى كثير من المواجهات بين القناة ووزارات الإعلام في أكثر من بلد عربي”·
وهل بالإمكان إقناع المشاهد الراصد والمتابع أن تلك “القنابل” الإعلامية التي درجت “الجزيرة” القطرية على رميها في وجوه الأنظمة العربية وشعوبها لم يكن وراءها سوى الحرص على ضرورات الاختلاف، و”الرأي الآخر”! وتوسيع دائرة الحريات، وانسجاما مع خطى “دولة المؤسسات” التي تتبعها دولة قطر·
يشكك الكثيرون بتلك الدوافع والتبريرات وهم يرون خلو ساحة الدولة الشقيقة (قطر) من أولويات العمل المؤسسي بشكله “الديمقراطي” المتعارف عليه، من مجالس برلمانية، وحركات وأحزاب سياسية، وصحافة حرة، ومؤسسات مدنية ضاغطة في ساحات العمل السياسي، فمقولة أن “الجزيرة” هي “وسيلة إعلام توفر هامشا من الحرية في العالم العربي” أو “لبنة في بناء دولة المؤسسات”، لم تقنع الكثيرين الذين لم يروا سواها كمؤسسة “حريات” يتيمة!
شريط بن لادن
عودة الى تغطيات قناة “الجزيرة” لأحداث الحرب الدائرة على الساحة الأفغانية، وموقفها من حركة طالبان أو تبنيها له، فقد تفاجأ المشاهدون على المستوى العربي والعالمي بترويج القناة لخطاب العنف والتعصب الإرهابي، حينما عرضت الشريط المصور لخطاب بن لادن، ومساعديه “الظواهري” و”أبو غيث” الذين وجهوا بكلماتهم تهديدا واضحا، وجريئا، للولايات المتحدة والى جميع دول العالم المساندة لها في حربها ضد الإرهاب·
وقسّموا في خطاباتهم العالم الى “فسطاطين” أهل كفر، وأهل إيمان، واعترفوا بكوارث الإرهاب التي ارتكبوها في نيويورك وواشنطن، ودعوا الى مواصلة ما بدؤوا به على أيدي “كوكبة” من الشبان المجاهدين!!
ألهب مضمون الشريط حماس مراهقي الأمة العربية والإسلامية وصدور العامة بعد أن قلب الباطل حقا، والإرهاب جهادا، ونقل رسالة (نداء) تبرعت بتوصيله “الجزيرة” الى تلك الشريحة، والمتعاطفين معها، أو من حاملي العداوات للسياسة الأمريكية، مما حرك المظاهرات التأييدية في كثير في العواصم العربية والإسلامية·
وبتلك “الخبطة” الإعلامية الشريط، شوشت قناة “الجزيرة” على بعض المفاهيم السياسية، والدينية المعتدلة، التي لا ترى بمثل تلك الأعمال الإرهابية حربا لتحرير أراضينا المحتلة في فلسطين، أو جهادا·
ولكي يستقر هذا التشويش المتعمد، لم تستضف “الجزيرة” أيا من علماء الدين، أو أهل الافتاء، أو من المحللين السياسيين الذين عرفوا باعتدالهم، ورؤيتهم المختلفة عن آراء معدي برامج “الجزيرة”·
لماذا الكويت؟
منذ نشأة الجزيرة العام 1996 بدأت حربا إعلامية على الكويت (دولة وحكومة وشعبا)، وبشكل هستيري دعا الكثير من المشاهدين والمتابعين لبرامجها المختلفة و(الشيقة بالفعل) الى الشك في دوافع تأسيس هذه الفضائية، وما إذا كانت قد أنشئت خصيصا لمحو آثار “أم المعارك” عن وجه النظام العراقي؟ أو لتصفية “ثارات” وعداوات أخرى سياسية خفية؟
يعتقد كثير من المشاهدين العرب بضرورة وجود قنوات فضائية تعمل على توسيع “فضاء” الحريات في الوطن العربي، وتناقش هموم مواطنيه، دون الخضوع لرقابات وزارات الإعلام الحكومية، وقيودها المعهودة، بل ويفضل الكثيرون انتقاد السلطات، وكشف جوانب القصور لرفع الظلم عن عاتق المواطن، دون مجاملة لنظام أو سلطة عربية “شقيقة” أو أخرى “صديقة”، لكنهم يتفاجؤون في كثير من برامج “الجزيرة” بسهام حاقدة معدة باتقان توجه الى الشعوب نفسها، ففي أحد البرامج الحوارية يتجاوز المقدم حدا باتهامه الشعب الكويتي بتعذيب إخوانهم الفلسطينيين في أوائل أيام التحرير من الغزو العراقي، ويتمادى بقوله الى أن الكويتيين قد أذابوا أجساد الفلسطينيين بـ”براميل الأسيد”، مما دفع مجموعة من المواطنين الى رفع قضية أمام المحاكم في حق مقدم البرنامج الحواري، والذي أدى أخيرا الى إغلاق مكتب قناة الجزيرة في الكويت بحكم قضائي نظير مطالبات بالتعويض·
وهنا يثار تساؤل عن “كيف يجرؤ مقدم أو معد برنامج على مثل هذا الاتهام الخطير في حق شعب إن لم يكن قد لُقِّن هذا الدور، أو سمح له ببث أحقاده على الهواء مباشرة؟
فهل صحيح أنهم “حريصون على المهنية والصدقية واحترام الرأي والرأي الآخر”؟