بقلم: عبدالمحسن تقي مظفر
“فقدت الكويت يوم الجمعة 12/10/2001 ركنا بارزا من أركان الشعر والأدب والثقافة والبحث العلمي والأدبي والتاريخي الجاد··
فقدت خالد سعود الزيد”·
تحدثت في الأسبوع الماضي عن خواطري وذكرياتي مع الأديب الراحل خالد منذ بدء معرفتي به في عام 1958 الى أن تفرقت بنا السبل لسنوات ثلاث أو أربع· ثم كان لنا أن نلتقي معا من جديد في عام 1962 على درب طويل من الود والأخوة، أشار إليه خالد في إهداء أحد كتبه الي في عام 1981 بأنه درب”مودة قديمة، لم تزل تتجدد صعدا”· ويا له من تعبير رقيق دقيق عن علاقة أعتز بها طول عمري·
في أواخر صيف 1962 تم ترشيح عدد من الموظفين من إدارات حكومية مختلفة للالتحاق بمركز الإحصاء الدولي في بيروت لمدة سنة، يتدربون خلالها على الأساليب الإحصائية لتمكينهم من تولي مسؤوليات في هذا المجال في إداراتهم·· وكنت أنا والأخ خالد مرشحين من قبل وزارة البريد والبرق والهاتف (وزارة المواصلات الآن) لهذه الدورة الدراسية· وكان الاختيار قد وقع علينا لذلك من قبل المرحوم إبراهيم يوسف العبدالرزاق، مدير البريد في ذلك الوقت·· وقد كان إبراهيم العبدالرزاق من خير من عرفتهم من رؤسائي في العمل في جده وإخلاصه وحبه لعمله وتفانيه فيه وحماسه·· رحمه الله رحمة واسعة فقد كان لنا أخا وصديقا وفيا أن توفاه الله، وكان المرحوم إبراهيم العبدالرزاق كذلك محبا للأدب والشعر والتاريخ وكانت لنا معه حوارات جميلة فيها حيث كنا نلتقي في مكتبه في الساعة الأخيرة من الدوام الرسمي في الوزارة·· وما زلت أذكر منه ذلك البيت من الشعر الذي كان يردده في بعض المناسبات متمثلا:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
وكان لنا معه خلاف في ذلك·
على أي حال كانت سعادتنا عظيمة أنا وأخي خالد في أننا سوف نكون معا في بيروت عاصمة الجمال والثقافة العربية في ذلك الوقت·· وكنا نرسم معا في أذهاننا ما سوف نكتسبه هناك من معرفة وما سوف نستمتع به من جمال· كنا في ذلك الوقت شابين دون الخاسة والعشرين، خيالاتنا واسعة وآمالنا عريضة·
وأنا استذكر تلك الأيام الغابرة الآن فإنما لكي أعرب عن اكباري واجلالي وافتخاري بروح الإيثار العظيم وخصلة الصدق في المودة والأخوة اللتين ظلتا تأسراني لسنوات طويلة·· قلت إننا كنا سعيدين أيما سعادة برحلة بيروت والسنة الجميلة التي سوف نقضيها فيها معا·· ولكن الذي حدث بعد ذلك هو أن المرحوم الأستاذ أحمد اللباد مدير البعثات في ديوان الموظفين أبلغنا أن واحدا منا فقط قد قبل·· وكان ذلك المقبول هو خالد·· وكان وقع الخبر علي مؤلما·· وكذلك على خالد·· وجرى بيننا حديث طويل حول الموضوع·· وكان خالد مصرا على أن يذهب الى ديوان الموظفين لكي يتنازل عن مكانه في الدورة البيروتية لي·· ولم يكن ذلك ليرضيني أو يسعدني·· ولكني ضعفت أمام إصراره وضعفت أمام رغبتي الملحة في السفر·· إيثاراً منه وأنانية مني··
ذهبنا معا الى مكتب أستاذنا المرحوم أحمد اللباد في ديوان الموظفين·· وأحمد اللباد - بالمناسبة - كان يعرفني منذ كنت تلميذا في مدرسة النجاح وكان ناظرا لها·· فوجئ اللباد بذلك الإصرار من خالد على أن أذهب أنا الى بيروت ويبقى هو·· ذلك خلق كريم يطرب له كل ذي حس رقيق·· فما بالك بمرب فاضل مثل اللباد؟ لم يتمكن أحمد اللباد - بكل مقدرته - من إقناع خالد بالعدول عن رأيه·· وفي ختام حوار طويل بينهما· وأنا أتابع وأراقب وتنتابني مشاعر شتى، اقترح اللباد أن يذهب خالد مع وعد مؤكد منه بأنه سوف يسعى مع المسؤولين في مركز الإحصاء الدولي في بيروت لقبول عبدالمحسن كذلك·· وسأله خالد بلهفة: وهل ذلك يمكن يا أستاذ؟؟ قال اللباد نعم فلنا طريقتنا في ذلك·· بدا على وجه خالد سرور عظيم فسارع بقوله·· تمام·· ليذهب عبدالمحسن إذن الآن وليكن مسعاك لقبول خالد·· ولا أستطيع أن أنسى هذا الموقف من خالد أبدا··· سمو في الخلق وإصرار على إيثاري عليه·
لم يجد اللباد حيلة أمام هذا الموقف·· وكان لخالد ما أراد·· جرت الاتصالات مع بيروت·· وتمت الإجراءات لذهابي أنا·· على أمل أن تجري اتصالات أخرى لذهاب خالد كذلك فيما بعد··
يوم ودعت خالداً في مكتب البريد قبل سفري الى بيروت بيوم·· نزلت دمعة من عيني لا تزال تحرق جانبا من وجهي كلما ذكرت ذلك الموقف النبيل من أخي العزيز خالد سعود الزيد يرحمه الله··
على أمل اللقاء بكم في خواطر وذكريات أخرى مع الفقيد الراحل·