بعد يومين من الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، اتصل بي أحد الأصدقاء مذعورا· فقد سمع أحد أقربائه على سبيل الاحتمال من مسؤول رفيع في مكتب التحقيقات الفيدرالي أن هناك خطرا أشد كارثية بكثير يوشك أن يضرب نيويورك· سألته: نووي؟ فقال وكأنه يعرف: “أو بيولوجي”· وكانت الطريقة الوحيدة لإنهاء مكالمته أنني وعدته بالتحقق من صحة الشائعات وهذا ما فعلت وأنا مرتبكة· وقد حصلت على إجابتين من شخصين ذوي منصبين رفيعين وكانتا متطابقتين: لم أسمع أي شيء، ولن أفعل شيئا سخيفا، لكن بعد الثلاثاء·· من يعرف؟”
يقدم كتاب “الجراثيم: الأسلحة البيولوجية وحرب أمريكا السرية” الذي ألفه ثلاثة مراسلين قدامى من “نيويورك تايمز” هم جوديث ميلر، ستيفن انغلبرغ ووليام برود أسباباً معقولة لعدم الاستخفاف بهذه المعلومة· فهو يروي قصة الأسلحة البيولوجية ومكافحتها، وذلك باستعمال البيوغرافيا (السيرة الذاتية) والسرد التاريخي لإلقاء الضوء على القضايا وجعلها في المتناول· لهجة الكتاب منذرة نوعا ما، لكن بفضل عناية المؤلفين في جمع أجزاء الكتاب وعرض القضية، فضلا عن شعورنا الجديد بما يمكن أن يحصل الآن، فإن القراء المرتابين ربما يجدون صعوبة في النوم بسهولة بعد أن يقرؤوه·
تصنيع الأسلحة البيولوجية هو أسهل بكثير من تصنيع الأسلحة النووية وأشد فتكا من الأسلحة الكيميائية· والسيناريوهات الأسوأ تتصل بنشر “جراثيم عملاقة” مهندسة وراثيا هي فتاكة ومعدية وغير قابلة للمعالجة وعلى نحو ما يشير المؤلفون، ذلك يمكن أن يحصل بطريقة خفية: “فقد لا يكون هناك مسرح (جريمة) يمكن أن يتوجه إليه الخبراء· وفي الإرهاب الجرثومي، فإن أول المستجيبين هم الأطباء والممرضون، أما الدلالة الأولى على حدوثة فهي وصول المرضى الى غرف الطوارئ” وأي شخص كان على اتصال بالمريض في فترة حضانة الجرثومة ولو عن غير قصد قد تنتقل إليه العدوى أو ينقلها· فكيف يمكن أن يكون الخطر؟ فوباء الانفلونزا لعامي 1918 و1919 قتل عشرين مليون شخص أي أكثر بكثير ممن ماتوا في الحرب العالمية الأولى·
يفتتح المؤلفون الكتاب بوصف أول استعمال واسع النطاق للجراثيم من جانب الإرهابيين على التراب الأمريكي أي نشر “جرثومة السالمونيلا في مطاعم السلطة في ولاية أوريغون عام 1984 من جانب اتباع بهاغوان شري راجنيش· وكان الجانب الأشد هولا في ذلك الحادث، الذي سمم 751 شخصا، هو وجه الشبه الكبير بينه وبين الهجوم بغاز الأعصاب في مترو طوكيو الذي شنته طائفة “أوم شينريكيو” (الحقيقة المطلقة) بعد عقد من ذلك· فكلا الهجومين شنه اتباع داعية لديانة غريبة كان يتزعم من مكان مجهول منظمته الغنية، وكلا الهجومين كان عبارة عن عملية صغيرة لاختبار الطريقة والأسلحة، لكن كلا الهجومين أخذ السلطات على حين غرة·
ليس إلا بعد سنوات عدة، تكشفت التفاصيل الكاملة المحيطة بحادث أوريغون· فالمحققون نسبوا سبب الحادث في البداية الى التعامل غير النظيف مع الأغذية، حسب ما يوضح المؤلفون، لأنهم انجروا الى السبب الأكثر احتمالا للمرض فكما ورد في الكتاب، كان الإرهاب البيولوجي بالنسبة الى العلماء الأمريكيين احتمالا مستحيلاً أو غائبا·
من العلماء الذين استدعتهم السلطات للتحقيق في حادث أوريغون وفترة هجوم هذه الطائفة المذكورة، كان بيل باتريك وهو أحد أعمدة برنامج الأسلحة البيولوجية في الولايات المتحدة· وقد استعمل المؤلفون رواية باتريك كما روايات علماء بيولوجيا آخرين مثل جوشوا ليدر برغ وماتيو ميكسيلوسون لرسم أطر ذلك البرنامج بدءا من بداياته خلال الحرب العالمية الثانية مرورا بالتراجع عن الحرب البيولوجية الهجومية من جانب ريتشارد نيكسون وانتهاء بالتركيز على الدفاع إبان العقود الأخيرة للحرب الباردة· والقصة مليئة بالمعلومات المهمة· فمن كان يعرف أن الهجوم البيولوجي الذي شنته الولايات المتحدة كان ضد جالمار شاخت رئيس البنك المركزي الألماني في عهد أدولف هتلر؟ لكنه يصف فقط جانبا ثانويا واحدا من المواجهة الكبرى للقوة العظمى·
غير أن الأسلحة البيولوجية تقدمت في التسعينات لتقترب من وسط المسرح· أحد الأسباب كان صدام حسين الذي لم يكتف بمواصلة تطوير جميع أنواع أسلحة التدمير الشامل إنما رفض أن يتخلى عنها بعد هزيمته في حرب الخليج· وقد أظهرت الكشوف الإعلامية بشأن نطاق برنامج الأسلحة البيولوجية العراقية كم كان يسهل الإفلات من القيود الدولية، فاضطر المسؤولون (الأمريكيون) الى إعادة النظر في تدني استعداد القوات الأمريكية للتصدي لمثل هذه الأسلحة· وقد شهدت الأيام الأولى لحرب الخليج لحظات عصيبة على شاكلة “أن نحو ستة جنود بريطانيين يتمركزون قرب خطوط الجبهة ظهرت عليهم أعراض شبيهة بأعراض الانفلونزا”· لكن ما كان معتقدا أنه خطر تبين أنه غير ذلك بدلا من الانتراكس، تبين أنه مجرد انفلونزا·
سبب آخر للقلق هو موسكو· فقد أكدت التحقيقات في مطالع التسعينات قطعيا أن انتشارا مفاجئا للانتراكس في مدينة سفردلوفسك (يكاتر لينبورغ الآن) السوفييتية عام 1979 تبين أنه عائد الى حادث عسكري، فقد انشق عالم أسلحة روسي رفيع المستوى يدعى قناة جان علي بيكوف عام 1992 وهرب بمعلومات لا تقدر بثمن، أما الزيارات التي قام بها أمريكيون لمنشآت سوفييتية سابقة فقد كشفت برنامج أسلحة بيولوجية هجومية غير شرعي وحجمه مخيف· ذلك أن غراما واحدا من جراثيم الانتراكس يمكن أن يقتل عشرات الناس، وفي ذروة نشاطه كان بإمكان البرنامج السوفييتي أن ينتج 4500 طن متري كل سنة مع الجدري القاتل وفيروس ماربورغ ونسخة محسنة وراثية لجرثومة الموت الأسود·
معظم هذه المعلومات صار عاديا بفضل كتاب “الخطر البيولوجي” الذي ألفه المنشق الروسي الذي يدعى الآن كين علي بك، والتقرير المذكور لـ “نيويورك تايمز” لكنه مخيف على الرغم من ذلك· فالقارئ يجول على مختبرات متهالكة حيث تم تحسين أشد العناصر فتكا وتحويلها أسلحة· ويقول الكتاب: “في أحد المحاجر كانت تتراكم مئات الأقفاص الصغيرة، وفي غرفة أخرى هناك قفص بحجم الإنسان ـ (يقال إنه) للقرود القريبة من البشر، والقرود التي بحجم الإنسان (····) وهذه الحيوانات ماتت منذ أمد بعيد، لكن رائحة معروفة لدى البيطريين عن عالم الجراثيم الحربية ما زالت تلتصق بالجدران - وهي مزيج من رائحة المواد الكيميائية الحارقة المبيضة، والغبار وروث الحيوانات والموت”·
إذا كان العراق وروسيا قد أظهرا خطورة برامج الأسلحة الوطنية، فإن أحداثا أخرى في التسعينات، بدءاً من تفجير مركز التجارة العالمي ومبنى الفرد موراه الفيدرالي في أوكلاهوما الى هجوم طائفة “أوم شيتريكيو” على مترو طوكيو حملت الى البلاد (الولايات المتحدة) الخطر الآتي من الجماعات الصغيرة، ففي غضون بضع سنين، كان المسؤولون الأمريكيون من الرئيس بيل كلينتون ومن دونه مشغولين جدا بكيفية حماية قواتنا المسلحة وعامة الناس من هجوم بيولوجي·
لكن على الرغم من الجهود الكبيرة ومليارات الدولارات المصروفة على المشكلة، لم يستطع لا الجيش ولا عامة الناس الاستعداد للتعامل مع هذه الأزمة الخطيرة، ذلك أن برنامج تطعيم الجيش ضد الانتراكس يبدو أنه أشبه بإجراء أخرق، أما برامج النمذجة فتظهر كيف أن استعمال الأسلحة البيولوجية ضد المدن الأمريكية فتظهر أنها ستحدث فوضى عظيمة· حتى مدينة نيويورك، التي أرسى مكتب إدارة الطوارئ فيها معيار كيفية الاستعداد فهي معرضة للاجتياح إن حدث أي من هذه السنياريوهات المرعبة حقا·
إذن، كيف يمكن التصدي لمثل هذه الحالة الطارئة الخطيرة إنما غير المرجحة؟ بعض الناس يستبعد بكل بساطة حدوثها· فالمؤلفون ينقلون عن ضابط في الجيش ما قال عن الحرب البيولوجية أن الولايات المتحدة ترى ذلك باعتباره خطرا لكننا لا نريد التعامل معه أو رسم خطة حربية، كان ذلك صعبا جدا، هذا مفهوم نفسيا، فالولايات المتحدة لم تكن لها قط أي إجابة بشكل ما العمل بشأن الأسلحة النووية في حال إخفاق الردع النووي، لكنها استطاعت أن تخرج من الحرب الباردة بهذه الطريقة أو تلك، وقد نكون محظوظين الآن، وقد يسمح لنا مزيج من الوقاية والردع والاستخبارات جنبا الى جنب مع الصعوبة الموروثة في الأمراض الحربية للأسباب أن نعيش عقوداً أخرى من دون أن يمسنا أذى· لكن من الحكمة أن نفكر في ذلك باعتباره قضية تأمين وأن تتخذ خطوات لخفض الخلاف وتقليص العواقب في حال حدوث ما لم نتوقع·
إن الخطوة الأعظم فائدة تتمثل في أن نطور بصورة جذرية نظام الصحة العامة والرقابة الوبائية الذي يشكل واحدا من بضع وسائل متوافرة للتعامل مع هجوم بيولوجي (وهذه خطوة قد تكون لها فوائد أوسع نطاقا) وهناك إجراء معقول يتمثل في توثيق برامج التعاون بشأن خفض المخاطر مع روسيا وذلك لمنع تسرب المواد والخبرة البشرية من الترسانة السوفييتية السابقة· غير أن هذه العلاجات تميل الى انتزاع كثير من الكلام وقليل من العمل عندما تكون الأموال قليلة والمانشيتات الصحافية كثيرة·
(نيويورك تايمز)
بقلم روز جدعون
مديرة تحرير الشؤون الخارجية