آخــر حلــم
منى الذكير
تمددت “سبيكة” فوق الفراش القطني الخفيف تنتابها الحمى وتئن من صداع عنيف وفي السويعات التي تستعيد بها الوعي لا تكف عن البكاء والاستغفار:
- يا رب اغفر لي، واحفظ سري، وأمتني ميتة طاهرة·
جلست الأم بجلبابها القديم وقد ارتدت فوقه ثوب زري أسود شفافا ليس به أثر للزري المذهب الذي سمي به، كان طويلا تجر أذياله وراءها حين تسير وعندما تدخل المطبخ المترب ترفعه الى منتصف وسطها وتربطه بإحكام، رائحة الطبيخ تفوح منها وهي تلتصق بابنتها الشابة الممددة أمامها:
عين وأصابتك·· لا إله إلا الله، عين ما صلت على النبي··
- “سبيكة” هل تسمعينني يا أميمتي··
وربتت على جبينها، فتحت “سبيكة” عينين سوداوين ذابلتين، ودموع تتعلق بطرف هدبيها الكثين·
- أمي سأموت، سامحيني على كل شيء·
- لا تخشي، شيئا، وماذا فعلت في دنياك يا مسكينه، الله يغفر لك ولنا··
“ماهر”·· عبق الحب يسري في أدراج روحها، كما نسمة المساء فوق سطح بيتهم في ليالي الصيف القائظة، تاهت نظراتها الى خارج المكان حيث تلتقي من تحب·
جلست أختها الصغرى قرب رأسها تجدل شعرها الكثيف وقد برقت عيناها دهشة لا تعرف ما يدور حولها، لماذا هذا الاستسلام الذي يبدو على أمها، وتلك التعاسة تلف والدها، مسحت العرق فوق جبين “سبيكة” التي ارتسمت ابتسامة رقيقة فوق شفتيها·· كم تسابقتا لارتقاء السلم الحجري، تمدان الفرش القطنية فوق السطح عصرا، وتضعان المساند لكل أفراد الأسرة، قبل حلول الظلام·· “سبيكة” تهبط السلم وحيدة، ظلام، شعرت ببعض الرهبة·· لا·· إنها لا تخاف ستذهب لماهر ستجتاز السكة الضيقة الفاصلة بين بيتيهما·
- ماذا حل بأختي يا أمي؟ ما كانت تشكو من شيء لنأخذها الى المستوصف·
- لا يحتاج الأمر الى ذلك، لقد جلبت لها من العطار مجموعة من أعشاب سأغلي بعضا منها وأسقيه لها، وستشفى إن شاء الله، أبي، وكان أبوها قد جثا قربها، مسن ناحل أكلته السنون والغوص على اللؤلؤ في تلك البحار المظلمة، وشظف العيش والبعد عن زوجته، كان يغيب أكثر من ستة أشهر في العام، ويعود وكأنه لم يغب يوما هكذا تعامله والدتها ويشعرهم هو، كان إزاره الكالح يطل من تحت دشداشته المصغرة، وكم حاول أخوها “مساعد” أن يدفعه لاحتذاء نعال اسوة بشباب الحي، ولكنه رفض بإصرار وسار حافيا كعادته، تأوهت “سبيكة” فجزع والدها··
- ابنتي اسم الله عليك، قل أعوذ برب الفلق “سبيكة” ماذا تحسين يا صغيرتي؟
- الصداع يا أبي يكاد يفجر رأسي··
همهم الأب، حسبي الله ونعم الوكيل، واخذ يمسح جبينها براحته الخشنة ويتمتم بآيات قرآنية دب على أربع حتى استقام واقفا وخرج من الغرفة·
أين “مساعد” لم تره غير مرة واحدة، وقف فوق فراشها صامتا، أحست لبرهة بنظرة حقد في عينيه، ارتجفت وغرقت في لجة الحمى·
“مساعد” الولد الوحيد وكثيرا ما نهر أبوها والدتها لتكف عن تدليله حتى لا تفسده ترك مدرسته وصار يتسكع في الطرقات يغازل بنات الحي، ويأتي آخر الليل تفوح منه رائحة غريبة، ضربته أمه يوما، وحين سألنها نهرتهن· جلست ابنة خالتها “دلال” قربها تسقيها بعض مرق اللحم الساخن:
- يا الله “يا سبيكة” ليس بك مكروه، فقط تتدلعين·
ابتسمت “سبيكة” بشوق، فهذه رفيقة طفولتها وملجأ أسرارها، كم سردت عليها حكايات عن زميلاتها في المدرسة، التي حرمت منها سبيكة مبكرا عندما رأت أمها أن جمالها بدأ يلفت الأنظار، وصارت الجارات يلمحن برغبتهن لأن تكون سبيكة زوجا لأحد أبنائهن·
دخل “مساعد” فجأة نظر لابنة خالته، ناداها قفزت نحوه التصقت به وعيناها مفتوحتان على مداهما، كلمها بطريقة آمرة يبدو وكأنه سيطر عليها تماما كررت نعم، نعم، ترك الغرفة فجأة·· “سبيكة” كانت تناديها بصوت واهن·
- “دلال”·
- نعم يا “سبيكة” ودنت منها·
- راح أموت يا دلال أشعر بذلك، هل تذكرين رسائل “ماهر”؟ خذيها وقطعيها، أنها هناك في الصندوق الخشبي تحت الملابس، لا أريد أن أموت وأخلف ورائي ذكرى سوداء، لا أريد لأمي أن لا تترحم علي عندما تتذكرني، هيا اسرعي· سرحت “سبيكة” لأول يوم رأته فيه كانت تقف خلف شق الباب ترصد المارين في شارعهم لتبدد الوحشة عنها عندما تخرج أمها لتوصل الخبز والمعجنات التي تصنعها للجارات، مقابل أجر يعين الأسرة في حياتها ووالدها يذهب للقهوة يجلس مع أصحابه الشباب، وأختها تذهب للدراسة مع ابنة الجيران·
لقد أخرجوها مبكرا من المدرسة لتتزوج ولكن قلبها شط بعيدا حينما وقعت أنظارها على جارهم ماهر، أبيض كما لم تر مثله من قبل، أشقر الشعر، له شارب أصفر لامع، شيء يفوق أحلامها، كان طويلا ممشوقا·
أحبته بكل قلبها، كانت تنتظر حضوره من عمله كل يوم في ذات الوقت، وقد تنبه لها سريعا، صار يتأخر قليلا قبل أن يدخل بيته ويرسل لها ابتسامة جذابة·· تجعل قلبها يكاد ينخلع من مكانه·
طالت الأيام وهي لا تمل النظر الى وجهه الفاتن الذي يختلف عن كل الوجوه المحيطة بها تلك الوجوه الكالحة المتعبة، وتلك العيون السوداء الباهتة، أما عيناه فشيء مختلف، جميلة صافية، لا تستطيع تحديد لونهما الحقيقي·· فاكتفت بالنظرة البعيدة تجعل القلب يرتجف كعصفور تاه عن طريق العودة الى وكره·
تقلبت “سبيكة” وذكريات رقيقة تنعش قلبها، ذات يوم اقترب كثيرا عند بابهم كانت حركة شجاعة منه شكرته عليها بأن منحته ابتسامة ساحرة من ثغرها فتعلقت عيناه بها وكاد يقع·
لم تقو على الكتمان فحكت “لدلال” كل شيء كانت سعيدة ولديها شعور أنها مقبلة على حياة جديدة وأنوار تشع من بعيد حاملة لها ميعادا ليس لها عهد به، والآمال تملؤها بشوق مبهم·· وتلك السويعات هي العمر بكل متعة المتاحة لها·
دخلت “دلال” تسبقها ضحكاتها المرحة، قبلت خالتها ثم جثت قرب “سبيكة” التي جلست وسط الحوش وقد حلت شعرها الطويل فكللها وتساقط حولها على الأرض مثل شلال أسود مسحور، كانت تمشطه ببطء ونظراتها تهيم وراء حلم رائع، المذياع فوق رف خشبي، أغنية عاشقة تنطلق منه (قومي ارقصيلي، وانزعي البوشيه، خليني أروي ظامئي العطشان) همست “دلال” هيا لغرفتك لك معي شيء، جرت خلفها وهي تجدل شعرها كان قلبها قد أحس أن الرسول يحمل بشائر السعادة··
مدت “دلال” يدها وانتزعت رسالة مطوية من صدرها، اختطفتها “سبيكة” ضاحكة ثم قبضت عليها بيديها ووقفت صامتة تتنفس بقوة، وقد تصلبت رقبتها فبدت طويلة خمرية اللون·· وجهها مستدير مكلل بشعر أسود وقد اتسعت عيناها فبدت كظبي نافر وظهر جمالها بصورة مخفية، ذلك الجمال الوحشي وليد الطبيعة البكر البوهيمية الموشاة بألوان براقة، كانت ترتدي ثوبا أحمر قانيا نصحتها أمها أن ترتديه أول أيام العادة الشهرية لاعتقاد قديم، كان يلتصق عند صدرها المتوثب، ويلتف حول خصرها الناحل، وينساب طويلا متسعا الى قدميها، كان الحب قد كرسها ذلك اليوم اسطورة للعشق·
قبلت الوريقة ونشرتها قرأت·· حبيبتي فجأة صرخت ولفت حول نفسها برشاقة التفت جديلتها حول رقبتها هل سمعت·· أنا حبيبته··
لبرهة ارتسمت ابتسامة باهتة تحمل بعض الحسد على شفتي دلال، لماذا لا تجد من يكتب لها مثل هذه الكلمات العاشقة، طردت ذلك الخاطر سريعا، فهي حقا تحب “سبيكة”·
صارت “دلال” مرسال الغرام بينهما، يوما سألها “ماهر”:
- لماذا تركت “سبيكة” المدرسة؟
- إنها جميلة وخالتي تخشى عليها النظرات الفضولية، وتعدها للزواج من رجل غني·
صدم “ماهر” لم يفكر قبلا بمثل هذا الاحتمال وبدت له كحلم، أو سراب جميل كتب يسألها أنه يريد الزواج منها فهل من أمل؟ لقد سمع من أصدقائه أنهم لا يزوجون غريبا، من بناتهم؟ فما يصنع؟
شهقت “سبيكة” بالبكاء، تحبه حقا، تحس أنه قدرها، وأن قلبها لا يتسع لسواه وإن تزوجت غيره من الرجال فهي كمن تقترن بوحش، الحياة بدونه لا معنى لها، وتدري أن لا أمل هناك، “مساعد” ثار غاضبا عندما أسكن “أبو فهد” هؤلاء العزاب في المنزل المقابل لهم تألمت وعافت الطعام كنوع من الاحتجاج، غير المعلن، لاحظت أمها نحولها، قالت ضاحكة:
- لا تقلقي ستتزوجين قريبا·· أم صالح·· ستحضر لتخطبك لابنها، هم أغنياء وأصحاب حملة “حج”·
صرخت دون وعي لا أريد الزواج ليس الآن ثم اقتربت من أمها:
- أمي تصوري “دلال” تقول إن عندهم فتاة في المدرسة من عائلة كبيرة تزوجت من شاب ليس من أهل الديرة··
- ماذا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قامت القيامة أين أهلها تلك القهرة؟ هكذا صاحت أمها، سكتت سبيكة مقهورة وسارت الى غرفتها واجمة··
صرخت من الألم الذي لا يطاق·
- الحقيني يا أمي سأموت··
اندفعت أمها بهلع·
- ابنتي؟
وضمتها بقوة لصدرها تخشى أن تفلتها فتذهب بعيدا·· تشعر أنها النهاية·· نظرات ابنتها الغائمة تنبئ بذلك سالت دموعها·
جاء والدها يتعثر بطرف إزاره يطل في وجهها، لأول مرة يخشى الموت الذي يفترس أجمل أبنائه، كان في سفينة الغوص وعندما يموت أحد رفاق الرحلة يسارع هو ليغسله ويلفه بقطعة بيضاء، ثم يفلته من فوق راحتيه، فينزلق الى الماء ويغوص، الآن يتشبث بابنته·· سبيكة لن يدعها تغوص مثلهم·· كفاه تطبقان على كتفيها بقوة يريد أن ينتشلها من اللجة·· ابنتي·· ابنتي·· وسقطت قطرة دمع فوق جبينها الساخن·
شهقت شهقة خافتة، سريعا غاص الى الأعماق تذكر يوم انقطع به الحبل التف الحبل حول عنقه، حول كتفيه، حول ذراعيه، اخطبوط أسود يعتصره، انتزع المشبك من أنفه، عب الماء يختنق، يد تحيطه ترفعه الى الأعلى ضياء ·· هواء·· يمددونه فوق سطح المركب الشراعي، أيد كثيرة تتلمسه·· شهق بقوة ردت به الروح··
“مساعد” يقف لاهثا، عيناه محملقتان، وجهه جامد، أخي·· ترى هل علم بالأمر؟ نظر الى “دلال”·· ندم·· هل أخبرته؟ سيكرهني الى الأبد·· لن يسامحني·· خرج·
جثت أختها عند قدميها كالهرة الصغيرة، أمها تتلمس جبينها الساخن، بكف فيه آثار طحين، يلسعها كقرص خرج لتوه من الفرن، ستبقى تلك الحرارة·· تلسع قلبها الى الأبد، ولن تشعر بعد الآن بحرارة التنور··
“ماهر” “ماهر”·· يبتسم لها تلك الابتسامة الوضاءة·· دنا منها انحنى يقبل جبينها الملتهب··· يرفع رأسه وينسحب بهدوء، عجبا كيف دخل، كيف استطاع·· اختراق كل تلك السدود، أم تراها رقدت استيقظ في العصر الذي طالما حلمت به؟·· الحب·· الحب··
برقت عيناها بضوء رائع، سكن وجهها فازداد جمالا·· ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة عذبة·· وتحول فمها الى برعم صغير فاتن، نظراتها تنطلق الى البعيد·· تذكرت أمها ذلك الجليب في بيت أبيها قبل أن تتزوج أبا “سبيكة” حين كانت لم تزل فتاة يافعة، تسحب الماء بدلو قديم، تشرب، وتطل بخوف في غياهب الجب، ليس هناك غير الظلام، عميق غامض، ثم·· انطلقت صرخة مدوية، علم “ماهر” الخبر، ماتت جذور الحياة، وانغلق باب العشق الى الأبد، امتدت أصابع مرتجفة وأسدلت الجفنين الحبيبين·