علي حسين الفيلكاوي
“حدائق الملك” عبارة عن شهادة تقطر بدم الحياة على عصر مضى عصر ربما سوف يستمر يتكون أو يندثر، يوجد أو يختفي، هنا أو هناك بصورة أو بأخرى، مشاهد حقيقة دونتها بأنفاسها بخلاصة تجربتها فاطمة أوفقير زوجة الرجل الثاني والساعد الأيمن للملك الحسن الثاني أو هي كما توحي سيرة حياتها السيدة الأولى أو امرأة تشبهها الملكة·
الأسطورة الشخصية
“حدائق الملك” نتاج تجربة إنسانية مثيرة ومريرة تتسم بالعمق وتمر في ما وراء الشعور الإنساني تتجسد من خلالها حدة النقيضين ومفاجأة التحول الدراماتيكي على مساحة الزمن المتحرك الممتد منذ 1925 مرورا بفترة الاستقلال 1956 حتى يوليو 1999 وفاة الملك الحسن الثاني ومثل كل الشخصيات العظيمة تخلق لنا ومثل كل الشخصيات التي تنظرها أعمالا عظيمة تخلق لنا “فاطمة أوفقير” أسطورتها الشخصية فتتحدث عن مرض الطفلة وحيدة أبويها والتي حين رآها الدكتور “جبلي” قال “لن يمر عليها هذا الليل وهي حية” مر الليل ولكنها لم تمت تحدت المرض أو الموت وانتصرت، كبرت وكانت هناك طرقات خافتة على الباب لرجل بثياب بيضاء اسمه “أوفقير” وهو حينئذ مرافق لآخر مفوض فرنسي مقيم في المغرب والذي سيصبح فيما بعد مرافقا عسكريا للسلطان “محمد الخامس” وهي حين الطرقات الخافتة فتاة في الرابعة عشرة من عمرها عرض عليها الزواج، وافقت وكانت حصيلة هذا الزواج ستة أولاد وتسعة عشر عاما في السجن وحياة مطرزة مضرجة مليئة بالأحداث المتقلبة حيث الصعود في مدارج السلطة والوصول الى نعيم جنانها والهبوط المريع الى “حدائق الملك” التي لم تكن سوى الجحيم متمثلا بسجون رهيبة منعزلة بصمت في الصحراء تفتح أبوابها النارية للداخل الذي لا يخرج إلا هشيما يدفن دون اسم أو ربما بلا جسد·
السلطة، بن بركة، انقلاب 72
استطاع “أوفقير” أن يحظى بثقة “محمد الخامس” والعمل معه على ترتيب شؤون المملكة بُعيد الاستقلال - 56 - وفي عهد ابنه الملك الحسن الثاني ازدادت هذه الثقة وأصبح وزيرا للداخلية ولاحقا وزيرا للدفاع وعلى امتداد تلك الفترة الزمنية كان يتفاوت دور فاطمة أوفقير في البروز والهبوط على واجهة الأحداث فهي تصف لنا كيف نقلت صناديق الأسلحة في سيارتها للثوار وهي تتحدث عن التقائها المتكرر “ببن بركة” وعن اصطحابه عدة مرات سرا الى منزلها للتداول مع “أوفقير” بشأن الاستقلال وبالطبع كان الرجلان على طرفي نقيض ولكنهما على الأقل متفقان تماما على ضرورة تحرر البلاد من المستعمر الفرنسي، كانت “فاطمة أوفقير” إحدى أكثر النساء المقربات الى القصر وهي ابنة العرش واستطاعت أن تنقل التاريخ الخبيء لما وراء أسوار القصر وما تدور به من خصوصية في الحجرات الملكية، استطاعت أن تصور لنا عهدا ملكيا من الداخل ردهات وحدائق لفتها ستائر الغموض والكتمان، أما في الشق الآخر من مجرى التاريخ العام فلم تضف شيئا مهما أو هي لم تشأ ذلك ففي قضية اختفاء “بن بركة” مثلا لم تقل أكثر من محاولة تبرئة “أوفقير” وهي المحاولة ذاتها في غموض موت الملك “محمد الخامس” هي تصف أهم حدث سوف يغير مجرى حياتها ويقلب كيان أسرتها رأسا على عقب “نحو الساعة الثامنة صباحا دخل السائق يوقظني:
- سيدتي، سيدتي··
- ما الأمر
- سيدتي، الجنرال
- ما للجنرال؟
- مات الجنرال
ففي عام 1972 وجراء انقلاب فاشل قام به “أوفقير” بينما الملك “الحسن الثاني” يحلق بطائرته تبعته إحدى الطائرات العسكرية محاولة إجباره على الهبوط ومن ثم اعتقاله، إلا أن عملية الانقلاب تفشل وحسب الرواية الرسمية ينتحر “أوفقير” وفاء للملك وتكفيرا عن خيانته، بينما أعلن الطبيب الفرنسي الذي عاين الجثة أنها مزقت بخمس رصاصات “لقد مات أوفقير مثل أي كلب” على حد تعبير “هيكل” أما “أريك لوران” في كتابه “ذاكرة ملك” يكتب على لسان الملك الحسن “لقد ورثت هذا الرجل ولم يكن لي أي علاقة شخصية به” مات الرجل القوي في النظام ووزير الداخلية والدفاع والذي لم تكن للملك (أي علاقة شخصية به) بعد ذلك بدأت رحلة التعذيب والسجن المنعزل وراء تلال النسيان على مدى العشرين عاما القادمة ومحاولة رهيبة دائبة لشطب ومحو أسرة بريئة بأكملها·
السجن·· الهروب
ملابس سوداء، رشيشات، همهمات مخيفة، حصار حول المنزل، في الداخل ذعر طاغ، مشاعر ترتجف فقط، ترقب··· اقتحام·· في لحظات كان التحول المفاجئ من الحربة الى الأسر، من قمة السلطة وترفها الى قاع القهر وحرمانه، أسرة بأكملها تحشر في موكب كئيب تتجه وخلال 30 ساعة نحو الصحراء في الاتجاه نحو “حدائق الملك” التي لم تكن سوى تلك السجون الملكية المعزولة في غياهب الفناء وعلى مدى تسعة عشر عاما خارطة البؤس والشقاء في رحلة التعذيب والتجول بين المعتقلات من “أسا” وهي بلدة في أقصى الجنوب على مقربة من الحدود الجزائرية ثم “أغدز” العودة الى معتقل “أسا” مرة أخرى ثم الانتقال الى سجن “تاما جت” والتحول الى معتقل “بير جديد” الرهيب ذلك السجن الذي سوف يمكثون فيه عشر سنوات أخرى طوال هذه المدة تصف “فاطمة أوفقير” تفاصيل الحياة اليومية في أقسى حالات النفي والانعزال “لم نتواجه منذ ثماني سنوات، لكنني لم أر طوال تلك السنوات بناتي والآن لم أعرفهن تركتهن فتيات وها هن أمامي نساء لقد تحولن تماما ومما تؤكده “فاطمة أوفقير” اتساع حدود الطاقة الإنسانية وجذوة انطلاقتها اللامحدودة من خلال إحساسها المؤكد بمكامن الخطر واكتشاف مدى قدرة الكائن البشري على التحمل حين يجبر على العيش في ظروف قاهرة، لقد كابدت وأسرتها أقسى حالات الوحدة والتعذيب النفسي وجابهت تقلبات الزمن المريعة لقد شاهدت ضمور أطفالها، حاولت الانتحار بيد أحد أبنائها رسمت على الجدران دموع فنائها مشت فوق مسامير انهياراتها أكلها الجوع شربها الظمأ لمست فقدان الإحساس بنبضة الحياة وعرفت بطريقة فريدة وبإحساس مثير للإعجاب كيف تشعل ضوء الأمل في كائنها البشري متحدية قبضة الظلام والاستبداد خلال تسعة عشر عاما من رحلة التغييب القاتل والضغط المتواصل من العرش ورموز السلطة لإبقائها في حيز الانعزال والتحلل تدريجيا الى النهاية في الخواء· كل تلك العزيمة والتوهج الإنساني دفعا أبناءها للتمسك بالحياة ومحاولة الهروب الناجحة تلك المحاولة التي تشبه معجزة الخروج من أرض الفناء والعودة الى الحياة مرة أخرى· محاولة الهروب تلك تصفها بتفصيل ابنتها “مليكة” في روايتها “السجينة”·· لقد استطاع أربعة من أبنائها الهروب والاتصال بأحد الصحافيين الفرنسيين بعد ذلك خرجت القضية الى الصحافة العالمية وتحت وطأة الضغط العالمي والإحراج الدولي لم يجد الملك “الحسن” بدا من الاعتراف بالجريمة الإنسانية وإطلاق سراح أسرة “أوفقير” التي سجنت على مدى تسعة عشر عاما وحطمت تحت أقسى الظروف وأعنف أنواع التعذيب·
العودة الى الحياة
لم يكن ليظهر هذا الكتاب الذي يعد شهادة صادقة على عصر اتسم بالصلافة والشراسة والموت دون اسم لولا رحلة التعذيب والسجن المنعزل الذي لاقته أسرة “أوفقير” والذي يكشف جزءا بسيطا من ظلامية استبداد أنظمة القهر العربية، لقد قيض لهذه الأسرة معجزة النجاة من سجون التسلط الجائر والفناء الأكيد، ولا شك أن هنالك الآلاف من الأبرياء في الزوايا اللامرئية من وطننا العربي انتزعت أرواحهم في مقاصل السجون الانعزالية والآلاف الذين ينتظرون مصيرهم المحتوم ودورهم للدخول الى نسيان الموت والتمــــدد في ظـــــلام القـــبور بسكون وصمت دون ضوضاء وبلا اســـــم إذ حــــين إزالـــــة سجن “تزمامارت” - 1991 - خرج جميع من تبقى على قيد الحياة وهم حوالى عشرين من ستين معتقلا بظهور معوجة وأجسام قد ضمرت لأنهم عاشوا سنوات عدة مثنيين بسبب ضيق زنزاناتهم فكم “تزمامارت” فوق أرضنا العربية ···! وما الإنسان وفكره بعد الخروج من ذلك الجحيم···! وماذا ستكون ردة فعله تجاه مجتمعه والعالم···! جزء مهم من تجربة “فاطمة أوفقير” تتركز في الوعي الإضافي الذي تسببت به فترة الاعتقال بل إن الإدراك الواعي الذي تمتلكه الآن في النظر الى الآخرين، الحياة بشكل عام، إلينا بشكل خاص، نتاج تلك الفترة وتلك اللاحياة التي قضتها في عزلة السجن هي الحياة الحقيقية التي شكلت خلاصة تجربتها، التسعة عشر عاما ولدتها بطريقة مركزة خلقتها بعمق لا محسوس، وقناعات لا تهتز، وإيمان لا ينضب تخلص “فاطمة أوفقير” بصفاء وصدق “برغم كل ما تعرضت له، أبقى شديدة الولاء للملكية، كل ما أتوق إليه الآن هو أن أقضي شيخوخة هادئة، ارتويت من كل شيء، لا أريد أن ألعب أي دور، لكل كائن بشري رد فعل على طريقته، وأنا لست من الصنف الذي يستعطف لإعادتي الى المركز الذي كنت أشغله، كلا، قلبت الصفحة·· وداعا وشكرا”··