رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت18- 24شعبان 1422هـ الموافق 3- 9 نوفمبر 2001
العدد 1501

وتد

التبرع من جيوب العاطفة!

نشمي مهنا

التبرع عمل إنساني راق، يترجم فيه “المال” جزءا من لغة المشاعر والعاطفة والتآخي مع الآخر، في مصابه الأليم، لا يجب أن تختلط بتلك الأموال عملات زائفة من تسجيل لمواقف سياسية، أو مداراة لخواطر شعبية فائضة عن الحد، أو خوفا من شيء ما··

ظلت جماعاتنا الدينية تتبرع لسنوات طويلة بجزء من حصيلة صناديقنا للشعب الأفغاني، وبأجزاء أخرى الى عصابات الحشيش/ الدينية التابعة لها هناك، والمتناحرة مع منافسيها الحشاشين الآخرين على حكم أفغانستان (الآن تأكد المشككون أن الطالبانيين “يحلون” تجارة الحشيش بدليل أن سفراءهم في الكويت يتوسطون بلا خجل في قضايا “المساطيل”!)

واستمرت حكومات الكويت المتتالية بتبرعاتها السخية الى الشعب الأفغاني، ولكن - على خلفية ما شاهدناه على شاشة تلفزيون الكويت بنقله الحي، المباشر لحملة التبرع الضخمة - نتساءل: ماذا استجد على ساحات الحرب الأفغانية، حتى تستنفر حكومة الكويت جهودها، وأموالها، وأموالنا، ومشاعرنا بإعلان تلك الحملة··؟! فالتبرع الكويتي كان ولا يزال، والحرب دائرة منذ سنوات وما زالت، واللاجئون هم اللاجئون على حدود باكستان منذ سنوات!

كل ما هنالك أن البعض لا يحركه منظر الدم الأفغاني حينما يسيل بأيد أفغانية، يتغاضى عن مشاهد القتل، والذبح، والمجازر، في صناعتها “المحلية”، وتأخذه العزة، والكرامة والشهامة (بعيدا عن الشفقة والرحمة) إن تدخّل “غريب”!

سكاكين الذبح حينما نحزها على رقاب بعضنا·· رحيمة، وسلاحنا حينما يمطر صدور إخواننا·· رياحين، وقنابلنا (الطالبانية) حينما تقطع أشلاء شاه مسعود·· عتاب رقيق، كل ذلك نقبله وقد لا ينتبه له أحد منا، وهو على مقربة من مهرجان الذبح،·· كل ذلك·· بشرط ألا يشاركنا به غريب!

حملة التبرع الكويتية “الحية” المتلفزة، تترجم بلغة المشاعر الى أخطاء لا تحصى، فيختلط عند البعض التبرع بمعناه السامي، للشعب اللاجئ، الى حملة تبرع بالعواطف، والتأييد “لبن لادن” وحركة طالبان!

يصعب الفرز، والتمييز، حتى وإن صرح البعض - شفاهة وعن غير قناعة عقلية - بأنه يدين إرهاب طالبان ويؤيد شعباً أعزل·· ففي فورة المشهد التبرعي، المدعوم بصور الأطفال اللاجئين - التي تتقنها أكثر قناة “الجزيرة” - لا يمكن إلا أن تتزعزع القناعات بـ “ضرورة شن حرب على كهوف الإرهاب”· برغم أن المشاهد التلفزيونية هي لمخيمات قديمة، بليت على الحدود، هرب أهلها منذ سنوات عن جحيم الحرب الأهلية·

شبيهة بمشاهد وفيات الأطفال في العراق، التي “تمنتجها” وتجيد إعدادها قناة الجزيرة، وهي في أساسها لحالات وفيات طبيعية، بنسبها وأمراضها المتفشية منذ قرون، ولا دخل للحصار فيها·

التبرع - كما قلنا - عمل إنساني، إلا أنه يختلف بأهدافه، ودوافعه، وطرق عرضه، وتوجيهه لصالح طرف ضد آخر، فالولايات المتحدة الأمريكية نفسها تتبرع بـ %60 من إجمالي التبرعات العالمية لأفغانستان، أي أنها أكثر من تبرعات الدول العربية والإسلامية مجتمعة، إلا أن لها فهما خاصا للتبرع، جعلها في لحظة كارثية (11 سبتمر) تتقبل تبرعات (كمشاركة وجدانية من صور التعازي)، ودفعها هذا الفهم - بعد ساعات - الى رفض هذا التبرع حينما  أضاف له صاحبه الأمير الوليد بن طلال شروطاً، وتذكيراً، ومنة·

***

نفهم كيف تتغير بعض الدلالات لأعمال هي في الأساس إنسانية بحتة مثل التبرع، ويتحول إعلام بعض الدول، وتتبدل مشاعر تتقبل أن تقتل بيد الشقيق ولا تقبل أن يغير الغريب منكرا “إرهابيا”، لكن كيف لنا أن نستوعب تغيير الفتوى خلال شهر فقط؟!

الشيخ يوسف القرضاوي وفهمي هويدي مع ثلاثة علماء آخرين، أصدروا فتاواهم بجواز انضمام مشاركة الأمريكي المسلم لقوات جيش بلاده، حتى وإن أدى ذلك إلى قتل أخيه المسلم· توقيت الفتوى جاء بعد كارثة 11 سبتمبر (وكان علماؤنا على “براد”)، وحينما قامت القوات الأمريكية بمطاردة بن لادن وشن حربها العالمية على وكره في أفغانستان انقلبت الفتوى··

الآن تراجع القرضاوي ومن معه عن مضمون فتواهم، لأنهم لم يتوقعوا أن تشن أمريكا حربا على “إخوانهم” في أفغانستان، خصوصا وأن القرضاوي لم ير دليلا بعد على إدانة بن لادن!!

 nashmi@taleea.com

طباعة  

إضاءات
 
شعر
 
قصة قصيرة
 
اصدارات
 
في تجربة تكشف الاستبداد الخفي بحرية الإنسان
“أوفقير” تخرج من “حدائق الملك”··· تنفض عن جسدها التربة

 
كلمات في رثاء الراحل خالد سعود الزيد
خواطــر وذكريــات مع الأديب الراحل خالد سعود الزيد

 
خبر ثقافي