رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت18- 24شعبان 1422هـ الموافق 3- 9 نوفمبر 2001
العدد 1501

كلمات في رثاء الراحل خالد سعود الزيد
خواطــر وذكريــات مع الأديب الراحل خالد سعود الزيد

بقلم: عبدالمحسن تقي مظفر

“فقدت الكويت يوم الجمعة 12/10/2001 ركنا بارزا من أركان الشعر والأدب والثقافة والبحث العلمي والأدبي والتاريخي الجاد·· فقدت خالد سعود الزيد”·

تحدثت في الجزأين السابقين عن بدء معرفتي بخالد في عام 1958، يوم عملنا معا في مكتب البريد، ثم التقائنا معا من جديد في عام 1962 عندما جرى ترشيحنا لدورة تدريبية في الأساليب الإحصائية في بيروت، وما رافق ذلك من أمور أظهرت لي منذ وقت مبكر ما أكبرته فيه من روح الإيثار العظيم وخصال الصدق في المودة، وكان ختام ما سبق، وداعي له في مكتب البريد قبل سفري الى بيروت بيوم واحد، ودمعة تنزل من عيني لا تزال تحرق جانبا من وجهي إجلالا لخلقه السامي وموقفه النبيل·

في مركز الإحصاء الدولي في بيروت كنا ثمانية من الكويت ضمن مجموعة من الشباب العربي من عدد من الأقطار العربية· وكان خالد قد انضم إلينا بعد حوالى أسبوعين أو ثلاثة من بدء الدراسة· وكانت بيروت تبدو لنا في ذلك الوقت - وهي لا تزال - مدينة جميلة، وكان لبنان يسحرنا بجباله وأنهاره ووديانه وأشجاره·· وعالمه المختلف عما نعرفه·· عالم من الحرية والجمال لم نألفه من قبل إلا فيما نقرأ أو نسمع·· وخواطري وذكرياتي مع العزيز الراحل في لبنان كثيرة بحيث أنها تتزاحم على ذهني الآن وأنا استذكرها، محاولا بيان البعض منها·· ذلك البعض الذي يرتبط بخالد الزيد إنسانا وشاعرا وصديقا صدوقا·

أكثر ما يلح على ذهني الآن هو ذلك المنزل الذي سكنا به فترة من الوقت في عمارة سكنية تملكها أسرة مسيحية كريمة·· بدأت علاقتنا معها علاقة مستأجر بمالك· ولكننا بعد أيام قلائل أصبحنا جزءا من تلك الأسرة الكريمة يرعانا كبيرها “الأستاذ ميشيل اللبكي” كما يرعى أبناءه·· ونشأت بيننا وبين ابنه بسام علاقة ود ومحبة وأخوة، وبفضله عرفنا كثيرا من مواقع السحر والجمال في لبنان·· فقد كان يأخذنا بسيارته الصغيرة الجميلة الى تلك المواقع·· وأذكر كم كانت سعادتنا معه في تلك الأيام وهو يرينا مغارة جعيتا، وسهل البقاع، وملتقى النهرين، وسيدة لبنان في حاريصا وغيرها من المشاهد الرائعة· والحق أن حلقة الوصل الأولى بذلك الشاب اللبناني الكريم كانت تتمثل في اثنين هما خالد سعود الزيد وعلي الراشد الرباح شقيق الفنان الراحل سعود الراشد·· رحم الله الثلاثة·

في تلك الأيام كان خالد يقرأ الكثير في الأديان السماوية والمذاهب·· وكان شغفه بالمعرفة كبيرا·· وفي تلك الأيام - حسبما أعلم - بدأ خالد قراءة الكتاب المقدس للمرة الأولى·· وكان يعجبه كثيرا أن يقرأ لنا أجزاء من نشيد الانشاد في العهد القديم لما فيها من شاعرية وجمال·· أما أنا فكان اطلاعي على الأنجيل والتوراة يعود الى سنوات سابقة حيث كنت أذهب الى مستشفى الإرسالية الأمريكية في الكويت والتقط فيها كتبا ومطبوعات مسيحية كثيرة·· ولكن تذوقي للجانب الشاعري في نشيد الانشاد كان بفضل خالد·· ولعل ذلك الإطلاع المبكر على كتب الآخرين زرع في فكرنا أنا وهو الكثير من التسامح وتقبل الرأي الآخر واحترام المعتقدات التي قد لا نتفق معها·

ومن الشواهد التي تظهر شغف خالد بالمعرفة ورغبته في التعرف على معتقدات الآخرين، لقاء خالد في ذلك الوقت مع العلامة الشيخ محمد جواد مغنية·· كان خالد قد قرأ عنه وقرأ له كثيرا مما كتب، ذهبنا معا - وكنا ثلاثة أو أربعة - الى شارع بشارة الخوري في وسط بيروت وخالد يلح في السؤال عن مكتبة الشيخ مغنية، وعندما التقينا به - باهتمام كبير من خالد ودون اكتراث من غيره - رحب بنا الشيخ الوقور كل الترحيب·· وكان في غاية التواضع معنا ونحن شباب صغار·· وطلب منه خالد أن يسمح بقليل من وقته للحديث معه متى ما كان ذلك مناسبا له·· قال الشيخ مغنية·· الآن·· وليس أنسب من الآن·· وسارع إلى إغلاق مكتبته ومضى معنا الى حيث نسكن وكان الوقت بعد المغرب بقليل·· أذكر أننا قدمنا للشيخ المتواضع في ذلك اليوم الخبز والشاي والعنب·· ومكث خالد معه وقتا طويلا يسمع منه ويحاوره·· أما نحن الثلاثة فقد أصابنا الملل بعد ساعة من الحديث فاستأذناهما وتركناهما وحيدين وذهبنا الى السينما لمشاهدة فيلم ما زلت أذكره وهو فيلم قصة الحي الغربي westside story· عدنا بعد انتهاء الفيلم وكان الوقت قبيل منتصف الليل بقليل·· ولدهشتنا وجدنا خالدا والشيخ لا يزالان في حوار وجدل دون عجز أو ملل·· ذلك كان خالد في توقه الى المعرفة وجده في السعي إليها وصبره الطويل في تحمل عناء البحث والدراسة·

ولخواطري وذكريات مع الأديب الراحل خالد سعود الزيد بقية آمل أن يتاح لي نشرها

طباعة  

إضاءات
 
شعر
 
قصة قصيرة
 
اصدارات
 
في تجربة تكشف الاستبداد الخفي بحرية الإنسان
“أوفقير” تخرج من “حدائق الملك”··· تنفض عن جسدها التربة

 
وتد
 
خبر ثقافي