تغطية سنجار محفوض:
أكد الأديب الدكتور خليفة الوقيان أن الصراع الفكري الذي تشهده ساحتنا المحلية لا يحل بقرار سياسي، أو باستمالة السلطة السياسية لترجيح كفة أحد طرفي الصراع، إنما هو في حقيقته اجتياح فكر متزمت تشكلت ملامحه خلال العقود الثلاثة الأخيرة لإزاحة فكر مستنير تمتد جذوره في تربة الكويت إلى ثلاثة قرون، لذا فالحل لا يتأتى إلا من خلال إعادة ثوابت تلك الثقافة المستنيرة والتخطيط المتأني لاستعادتها·
كما قال في محاضرته التي كانت بعنوان “الجهود الثقافية المبكرة في الكويت” والتي نظمتها اللجنة الثقافية في ديوانية الراحل سامي المنيس إن المجتمع الكويتي لم يكن في يوم من الأيام متزمتاً كما أن سكان الكويت لم يكونوا من البدو الرحل كما يتوهم في ذلك بعض العرب حين يتكلمون عن هذه المنطقة·
وأشار إلى أن الكويتيين حين جاؤوا إلى الكويت من مناطق متعددة كانوا متحضرين وبسبب رغبتهم بالابتعاد عن بؤر الصراع القبلي والطائفي والعرقي استقروا في هذا البلد ليعيشوا فيه بأمن وسلام وبصورة متحضرة·
وأضاف أن النموذج الكويتي لم يكن مرغوباً به من قبل القوى المتزمتة منذ أن نشأ في هذه المنطقة حيث تعرض لمواجهة حربية وفكرية من قبل حاملي الفكر المتزمت القادمين من خارج الكويت ممن كانوا يؤذون أهل الكويت بكثرة الممنوعات والتحريم للأشياء التي لا يجوز تحريمها كما هي حال هذه الجماعات اليوم·
وكان قد بدأ الوقيان محاضرته بإشارته إلى أن الحديث في موضوع الثقافة قد يبدو غريبا أو هادئا بالقياس إلى الموضوعات الساخنة التي تطرح عادة في هذه الديوانية إضافة إلى أن الحديث عنها قد يبدو بعيداً عن القضايا السياسية الملحة والساخنة والتي يفترض أن ينصرف إليها الاهتمام، إنما حقيقة الثقافة هي كل شيء، وأنها بوابة الدخول إلى مجمل قضايانا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، مشيرا إلى أن محنتنا ومشكلتنا الأساسية التي نعاني منها الآن ليست سياسية بل ثقافية، والحديث في الثقافة يطول ويتشعب لأن الثقافة هي كل شيء يتصل بالإنسان من عادات وتقاليد ومعتقدات وأنماط حياتية وإبداعات وإنتاج مادي ومعنوي والحديث فيها (بالثقافة) هو حديث عن كل شيء، ولأن الحديث بهذه الصورة متعذر عمليا لأننا لا نستطيع أن نتحدث في كل شيء لأن الوقت محدد اقتصر الحديث على شكل برقيات وعن جزئية محددة ومعينة وفي إطار زمني معين أتناول من خلاله الإنتاج والعطاء الثقافي في الكويت مع بيان طبيعة توجهات هذا العطاء حتى فترة الثلاثينات·
وتساءل د· الوقيان عن سبب انشغال الكويتيين بالاهتمام بالثقافة منذ وقت مبكر (عام 1682) وقال إن هذا الانشغال يعود إلى ثلاثة أسباب “طبيعة السكان، والموقع، والنظام السياسي”·
طبيعة السكان
وفيما يتعلق بطبيعة السكان أوضح أن البعض يتوهم أن السكان في هذه المنطقة مجموعة من البدو الرحل هاجروا من مكان ندر فيه الماء (أو الكلأ) فجاؤوا يبحثون عن الكلأ وهذه المقولة غير صحيحة، فالكويتيون الذين جاؤوا إلى الكويت من مناطق أخرى هم ناس متحضرون ابتعدوا عن مناطق وبؤر الصراع القبلي والطائفي والعرقي وما شابه ذلك وبحثوا لهم عن مكان آمن يعيشون فيه بصورة متحضرة بعيدة عن الصراعات· فمنطقة الهدار التي هاجرت منها أكبر هجرات العتوب تقريبا في مطلع القرن الثامن عشر ليست صحراء بل هي مدينة عامرة· والمؤرخون والباحثون في الجغرافية ذكروا أنها مدينة عامرة· وفيها حصون وقلاع وحين أشاروا إلى أحد حصونها والمسمى حصن (صبحي) وقيل في ذلك إن صبحي هو جد شهير لآل الصباح ونتيجة لصراع العتوب مع عمومتهم هاجروا من هذه المنطقة··
وتناول الوقيان في حديثه شهادات لبعض الرحالة الأوربيين كـ “الويس بيلي” الذي زار الكويت عام 1865 وقال عن مجلس يوسف البدر: “لا أعتقد أن هناك جنتلمان انكليزيا يمكن أن يكون ودودوا ومضيافا مثل يوسف البدر ومع أن الشيخ يوسف البدر متشدد جدا في أمور الدين فقط سمح لنفسه أن يقرأ عن الديانات الأخرى·
أما الرحالة الأمريكي لوشر حين زار الكويت سنة 1886 امتدح المدينة بنظافتها الفائقة كما مدح نساء الكويت وقال إنهن مشهورات بصناعتهن ومهارتهن في جميع الأعمال اليدوية كالحياكة والغزل والنسيج” كما قال لوشر عن مائدة حاكم الكويت آنذاك لقد نسق على مائدتنا طقماً فضياً جميلاً لأدوات الأكل المصنوع في أوروبا·
وكذلك قال الرحالة الهندي “كوستنجي” عن مضيفه عبداللطيف العبدالجليل مدير الجمارك في ذلك الوقت “يتميز مضيفنا بكونه راقيا في أسلوب حياته ويفضل العيش بطريقة عصرية وتوجد في بيته حجرة للاستقبال مؤثثة وفقاً للطراز الانكليزي وتحوي أرائك ومقاعد مريحة وطاولات وألبومات وأيضا جهازاً حديثاً للحاكي وموسيقى وقد دهشنا من فخامة حجمه وبين د· الوقيان أن ما سبق الإشارة إليه هو صور من الحياة الكويتية التي كانت عليها حال الكويتيين في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وهي صورة ثقافية عن طبيعة حياة المجتمع الكويتي آنذاك·
وأكد الوقيان أن الكويتيين بدؤوا في إرسال البعوث إلى الخارج ليس كما تذكر الآن في مراجعنا أي في عام 1924 بل البعثات بدأت تتجه إلى مصر من عام 1853 منوها إلى أن المبعوثين آنذاك عيسى بن علوي - ماجد بن سلطان - والشيخ أحمد الفارسي والشيخ مساعد العازمي الــــذي تعلــــم بالإضافة إلى الفقه والدين التطعيم وقام بتطعيم أهل الكويت والبحرين وأنقذهم مـن الأوبئة عـام 1853·
موقع الكويت الجغرافي
وقال د· الوقيان إن الحديث عن طبيعة السكان يطول وإذا انتقلنا إلى طبيعة الموقع نجد أن الموقع بحكم فقره دفع الناس إلى ركوب البحر وأوضح أن البلدان الواقعة على البحر تختلف عن البلدان في الداخل لأنها تتصف بالانفتاح والتسامح والقبول بالآخر والاستفادة بما لديه·
وأضاف أن المنطقة هذه كانت ممرا للقوافل والسفن التي كانت تحمل بضائع الهند وتنزلها في كاظمة، ثم تنقل على ظهور الجمال إلى حلب ومن ثم إلى أوروبا· مشيرا إلى أن دور المنطقة “شمال الكويت وكاظمة بالتحديد” لم يتوقف إلا في فترات قصيرة، حتى أن الشيخ صباح الأول حين تفاوض مع (البارون كنبهاوزن) رئيس الوكالة الهولندية في جزيرة “خرج” طلب مبلغاً من المال لم يوافق عليه البارون واختلف الاثنان، وكان مطلوبا من الشيخ صباح أن يحمي القافلة المتجهة إلى حلب والمكونة من 5 آلاف بعير وقال الشيخ صباح الأول للبارون كنبهاوزن “إنك تجامل هؤلاء الغرباء على حسابي وإن العلاقات بيننا قائمة منذ أمد طويل”·
والشواهد في ذلك كثيرة ومما هو معروف أن السفن الكويتية جالت المحيط الهندي وذهبت إلى الهند وشرق آسيا كما سافر الكويتيون إلى روسيا لنقل بعض البضائع وسافر الكثير من الكويتيين إلى طوكيو ومنذ الثلاثينات منهم من سافر إلى أمريكا لتسويق تموره التي تنتجها بساتينه في الفاو·
وأقام عدد من الكويتيين خارج الكويت وتشكلت جاليات في الهند وإندونيسيا ومناطق أخرى، وقال د· الوقيان إن ما هو مؤكد أن الكويتيين الذين أقاموا هناك استفادوا من الاطلاع على ثقافات هذه الأمم·
النظام السياسي
وعن طبيعة العامل السياسي قال إن النظام السياسي في الكويت يختلف عن سواه من الأنظمة المجاورة وأضاف إن الحاكم والمحكوم جاؤوا معا إلى هذه المنطقة وهم الذين اختاروا حاكمهم، حيث شاعت الشورى منذ تأسيس الكويت وقال إنه في عهد الشيخ مبارك الصباح حدث تجاوز لنظام الشورى وواجهه الكويتيون في أساليب معارضة معروفة، منها هجرة تجارة اللؤلؤ ومنها إعلان معارضة طلاب المدارس لسياسته ولاتفاقية 1899 مع الإنكليز ومنها رفضهم لمساعدة الشيخ خزعل حين طلب منهم مساعدته···
وقال إن الرحالة الذين مروا في الكويت عبر تاريخها أشاروا إلى أن طبيعة النظام شبيهة بالنظام الجمهوري وهناك خريطة نشرها (جونستون) الذي عاش في الفترة ما بين 1803 - 1871 تحمل اسم جمهورية الكويت ومن المؤكد وضع كلمة جمهورية لأنه سأل عن طبيعة النظام على أنه يقوم على أساس الشورى فسماها الجمهورية وهناك عدد من الرحالة أشاروا إلى أن النظام ديمقراطي في الكويت حتى أن مدحت باشا التركي يقول:
“لم تكن الكويت تابعة لحكومة” وأراد ناظم باشا إلحاقها بالبصرة فرفض أهلها ذلك لأنهم تعودوا عدم الإذعان للتكاليف والخضوع للحكومات فهم شبه جمهورية·
وأوضح أن هذه الإشارات تنبئ بتطور الفكر السياسي وتطور الحس الثقافي عند الكويتيين حين بدؤوا في التعامل مع الكتاب منذ فترة مبكرة كما بدؤوا التعامل مع الفنون منذ فترة مبكرة أيضا·
استعرض د· الوقيان في محاضرته ثلاثة محاور مهمة (طبيعة السكان والموقع الجغرافي للكويت، والنظام السياسي) واستطاع أن يقدم تأريخاً وتشخيصاً عميقاً لمواطن الخلل، الظاهرة على سطح ساحتنا المحلية، والأخرى التي يغلي بها قلب الوطن، ليصل برؤيته إلى أن الأصل في الصراع الدائر ثقافي في الأساس·
لذا اختتم د· خليفة الوقيان محاضرته القيمة بتشخيص دقيق لمعالجة محنة التزمت والتطرف واستطاع أن يتملس مداخل للحلول حينما قال:
إن المدخل لمعالجة المحنة التي نعاني منها اليوم ممكن الدخول إليها من مداخل عدة مثل المدخل الثقافي والاجتماعي والتربوي وليس من المدخل السياسي فقط مشيرا إلى أن التاريخ يعيد نفسه الأمر الذي يدفعنا للرجوع إلى الماضي لنعرفه ونفهم الحاضر ونخطط للمستقبل·
وأضاف نحن موعودون في مطلع كل قرن بهجمة عنيفة لتغييب النموذج الكويتي القائم على الديمقراطية والتسامح والانفتاح مؤكدا أن المطلوب لصد هذه الهجمة هو الإعداد الفكري·
وأوضح أن البعض يظن أن مشاكلنا ممكن أن تحل من خلال قرار سياسي أو بمقابلة هذا المسؤول أو ذاك بغرض إقناعه بأن ترفع الحكومة يدها وتأييدها لهذا التيار أو ذاك إلا أن هذا الفهم غير صحيح· إذا ما أردت أن تزعزع فكرا ما فيجب أن تزعزعه بفكر بديل وأن تقوم بعملية إحلال لفكر بدل فكر آخر·
وأشار إلى أن الفكر المستنير هو الذي قاد الكويت منذ نشأتها وإلى فترة قريبة حتى بدأ بعدها يحل فكر آخر اجتاح ليس الكويت أو المنطقة العربية فحسب وإنما العالم الإسلامي أجمع مؤكدا أنه إذا ما أردنا أن نحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه فالمطلوب هو أن نولي الجانب الفكري القدر اللازم من الاهتمام·
وقال د· الوقيان إن في الكويت صراعاً بين ثقافة عمرها ثلاثة قرون وثقافة عمرها ثلاثة عقود مشيرا إلى أن الانتصار لثقافة الثلاثة قرون يأتي من خلال إعادة ثوابتها والتخطيط المتأني السليم الذي لا يؤتي ثماره بين ليلة وضحاها·