من حديث الشيخ “العيدروسي”!
نشمي مهنا
من يتذكر منا الشخصية الكاريكاتيرية للملا “العيدروسي”؟!
في الستينيات والسبعينيات وفي فورة الإبداع المسرحي والتمثيلي التلفزيوني أجاد الفنان القدير محمد جابر شخصية رجل الدين “العيدروسي”، خفيف الظل، بنكاته الظريفة، وضحكاته المميزة، فعلقت تلك الشخصية بذاكرتنا لأننا لم نتعود على ظرافة “شيخ”، أو خفة دم ملتح!
أعادنا الشيخ محمد العوضي منذ أيام الى “العيدروسية” إنما بغير ذلك الظرف والفكاهة التي نعرفها، لأن نكاته جاءت بغير محلها، وتوقيتها، وسياقها، حينما شارك في برنامج “أولى حروب القرن” على شاشة شبه “الجزيرة” الفضائية، التي ما زالت “تجتر” تخريفات الحروب الصليبية، والإرهاب الأمريكي الواقع على أبرياء أفغانستان، وبطولات بن لادن!
ظهر علينا العوضي بتحليلات جديدة لا تخطر على بال أحد، توصل فيها الى أن “روح الحرب الصليبية” ما زالت كامنة في العقل الغربي، بالرغم من زوال العداء بين الديانتين (الإسلامية والمسيحية)!
ويستشهد العوضي - لتأكيد رأيه “بصليبية الحروب” - بمقولة المستكشف الأوروبي فاسكو ديجاما بعدما توصل “لرأس الرجاء الصالح” فقال - ديجاما - إنه باكتشافه “خنق جغرافية العالم الإسلامي وينتظر سحب الحبل فقط على عنق الإسلام”!
ولا ندري لماذا يعيد مشايخنا وكتابنا - العوضي كمثال - تلك الخرافة/ الفزاعة، ويلوحون بها في عيون جماهيرنا العربية، بعد أن حُنّطت تلك الادعاءات في مقابر التاريخ، ولم يبق منها سوى أوراق صفراء حفظت كعلوم تاريخية تشير الى عصور وأحداث··
ماذا لو أضفنا للشيخ العوضي مثالا آخر غير “فاسكو ديجاما” وأعدنا عليه كلمات الجنرال الفرنسي “اللنبي”، حينما “فتح” أرض الشام، فوقف بكبرياء على قبر صلاح الدين الأيوبي قائلا “الآن انتهت الحروب الصليبية”!
هل هذا دليل يضاف الى مقولات (لا تحمل أي معنى)، وكلمات بدلت معانيها ودلالتها في عصرنا الحاضر·
دعنا نقيس حجم الحقيقة، بين مقولتين، باعدت بينهما أزمان، طرفها الأول مقولة الجنرال “اللنبي” منذ أكثر من نصف قرن، وطرفها الآخر كلمة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، فالجنرال الأول تحت نشوة انتصاره العسكري (قد يحمل أحقادا شخصية لدين الإسلام)، لم يمكنه زمنه (الاستعماري) الجديد، من قطف ثمار حروبه الصليبية (إذا افترضنا صدق مشاعره الشخصية)·
ولا دليل أبلغ على أن تلك الكلمات لم تكن سوى سهام طائشة، تضلل الهدف (الاستعماري) وخالية من المعنى إلا القراءة الصحيحة لصفحات التاريخ، والتأمل فيما آلت إليه العجلة الاستعمارية (الغربية) بعد ذلك، والتساؤل: هل شغل الغرب (العلماني) في تلك الفترة الاستعمارية بمحاربة الأديان لصالح مسيحيته أم سعى لقطف ثمار أخرى (مادية)؟ هل شرَع الجنرال “اللنبي” بعد نزوله عن قبر صلاح الدين الى “تبشير” شعوبنا العربية المحتلة، وأقام المقاصل لمعتنقي الديانات الأخرى، تلك المقاصل والخوازيق التي جربتها الشعوب العربية في العهد الإسلامي العثماني! نعم قتل المستعمر الأوروبي، وذبح، وسجن، وعذب لا لحساب دين إنما لضمان استنزاف خيرات البلدان المحتلة!
وماذا بشأن المجاهدين والمناضلين المدافعين عن بلاد الشام، وهم من أبناء ملة الجنرال “اللنبي” فأغلب مؤسسي الحركات القومية منذ انتفاضها في وجه المستعمر الأوروبي (هكذا يصنف لا المسيحي) هم من مسيحيي العرب؟!
إن تابعنا رصد تلك الأزمان، للوصول الى مقولة “بوش” لا نرى أي “حطب” ديني اشتعلت به حروب الغرب على أراضينا، سوى “الذهب” و”المادة” فقط!!
فمصطلح “الحرب الصليبية” الذي جاء على لسان بوش في أحد خطاباته، تزحزت معانيه القديمة، وأخذت دلالات أخرى جديدة لا علاقة لها بأصل “الكلمة”، أو كما ذكر المستشار الأمريكي المشارك في برنامج “الجزيرة”، أن ايزنهاور استخدم هذا “المصطلح” في حروب تحرير أوروبا من الفاشية في أربعينيات القرن الماضي·
بين “المقولتين” أزمان، واختلاف، وصلة تؤدي الى المعنى نفسه، وهو أن “اللنبي” قالها حقدا في زمن “جديد”، عجول يلهث وراء ماديته، لم يمكِّن الجنرال من تحقيق “تفاهته”، لذا فهي كلمات فارغة!
ومصطلح “بوش”، الذي تحول معناه، واعتذاره خوفا من سوء فهم عربي / إسلامي، افرغ كلمة “الصليبية” وأهداف الحرب الدائرة الآن من أشباح الصراع الديني·
نعود الى نكات العوضي “العيدروسية”، التي أبعدنا عنها تتبع أشباح “الصليبية”، ونتذكر كيف خلط في حديث حربي (مليء بالهجمات والضربات العسكرية والغارات، والدمار)، وحضاري (تبحث فيه الأمم عن أسرار هذا التصادم) وفكري (دائر بين إباحة دم الآخر وسماحة الأديان، وبين التعصب والانفتاح)، لا يحتمل معه التنكيت والاستظراف، يحشو العوضي حديثه دون اهتمام بجدية الموضوع أو حتى إظهار تعاطفه مع الأبرياء من الشعب الأفغاني، مرة بنكتة الطفل الأفغاني الذي تلقف “ساندويشه” من الطائرات الأمريكية التي تغير عليهم بالمواد الغذائية·· فيحتج وهو يتطلع إليها “وين الكاتشب·· يا كفرة”!!
“طافت”·· يأتي بالثانية المقتبسة من المقولات الشعبية لمراهقي المدارس الثانوية “كل ليل له نهار يمحيه·· وكل أمريكي له أفغاني يربيه”!!
ويواصل العوضي تنكيته “الفضائي” في حدث ساخن لا يحتمل “البرود” والاسترخاء·· أما الضحك “قهرا” على مثل تلك البرامج الهازئة بعقولنا·· فجائز!!
nashmi@taleea.com