حمد عبدالعزيز العيسى
· العرب والمسلمون جميعهم سيعانون تبعات "زلزال" الثلاثاء الأسود على الولايات المتحدة
· أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أصدر كتاباً كفّر فيه جماعة الإخوان المسلمين
· "بوغيث" المتحدث الرسمي باسم "القاعدة" يجعلك تضحك عند الاستماع إليه فهو أراد بتصريحاته إرهاب "الكفار" لكنه أرعب إخوانه المسلمين
· فاتورة الثلاثاء الدامي ستكون باهظة وسيدفعها 8 ملايين مسلم في الولايات المتحدة وغيرهم من الملايين في أوروبا
· مظاهر الابتهاج البلهاء في الشارع الفلسطيني بعد أحداث سبتمبر أعادت الانتفاضة إلى المربع الأول بعد أن كانت قد كسبت تعاطفاً كبيراً
عندما استيقظت صباح الأربعاء 12 سبتمبر 2001 قمت بتشغيل الراديو على أمل أن تكون أحداث اليوم السابق مجرد حلم مزعج خاب أملي! كان أول عمل قمت به عند وصولي الى مقر عملي في السادسة والنصف صباحا هو إلغاء رحلة مبرمجة للولايات المتحدة منذ زمن ليس قصير· الجميع يتحدث عن العملية الانتحارية التي حدثت يوم 11 سبتمبر 2001 وراح ضحيتها حوالى سبعة آلاف إنسان بريء· أخذت أتأمل بشاعة الجريمة وأصبت بالصدمة والاشمئزاز بسبب المذبحة التي تعرض لها هذا العدد الضخم من الناس الأبرياء والتي لا يستطيع ضميري تبريرها على أساس الجرائم التي يرتكبها الصهاينة بمساندة "حكومة" الولايات المتحدة ضد الفلسطينيين! أخذت استرجع المعلومات المحزنة في ذاكرتي حول من له مصلحة في مثل هذه العملية··· تذكرت بيانا ثم حوارا تلفزيونيا مع أحدهم ومن ثم توصلت الى استنتاج أولي حول هوية الفاعل لأن "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير"··· برزت صورة الشيخ حسن البنا - رحمه الله - في مخيلتي ثم واصلت استرجاع بعض الذكريات المختزنة·
"هل حزمت حقائبك بنفسك؟" هكذا سألتني موظفة أميريكان أير لاينز على منصة ضبط الأمتعة في مطار هيثرو اللندني صباح يوم الأربعاء 11 أكتوبر 2000·
قدمت الجواب "العاقل" لشخص يريد مواصلة رحلته الى لوس أنجلوس كما خطط لها منذ زمن بعيد· أخبرتني عن رقم البوابة ثم ناولتني بطاقة الصعود الى الطائرة مع ابتسامة عريضة· تفحص رجل الأمن المشرف على البوابة جواز سفري "الأخضر" وسألني عن سبب الرحلة وأجبته بوضوح لم يكن هناك أي أسئلة ذات طابع "خاص" رغم كوني "عربي" بل و"ملتحي"! ابتسامة من مضيفة الطائرة التي أوصلتني الي مقعدي المخصص المطل على الممر، حيث لا أطيق الجلوس بجوار النافذة· ابتسامة من مضيفة أخرى تدفع مائدة متحركة تحمل الصحف والمجلات· اخترت بعض الصحف اللندنية ولاحظت أن أخبار انتفاضة الأقصى - التي انطلقت في 28 سبتمبر 2000 بعد اقتحام "السفاح" شارون زعيم المعارضة آنذاك وجنوده ساحة المسجد الأقصى - تحتل الصفحات الأولى· ما زالت الصحف تحتوي على الصور الفظيعة للجنود الصهاينة وهم يقتلون - بدم بارد - الطفل الشهيد محمد الدرة بين ذراعي والده· بعد أن فرغت من مطالعة الصحف، سحبت كتابا من حقيبتي أخترته بعناية لهذه الرحلة وهو بعنوان "الفردوس الأرضي" للدكتور عبدالوهاب المسيري· الكتاب صادر عام 1979 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وأعياني البحث عنه لأنه نفد من المكتبات واضطررت لطلبه من الناشر عبر البريد الالكتروني وتكرم الأستاذ ماهر كيالي وأرسل لي نسخة بالبريد من عمان· يقدم الدكتور المسيري في هذا الكتاب دراسات وانطباعات شخصية عن الحضارة الأمريكية الحديثة كتبها بعد إقامته هناك لفترة من الزمن·
ملاحظة غير هامشية: الدكتور المسيري يعاني حاليا من مرض "خطير" لست في حل من ذكر تفاصيله، ولكنني - بالتأكيد - في حل أن ابتهل الى الله أن يوقظ ضمائر المسؤولين عن العلم والثقافة في جميع البلاد العربية لكي يقوموا "بواجبهم" بعلاج "أهم مفكر عربي على قيد الحياة" في أرقى مستشفيات العالم قبل فوات الآوان·· على الأقل قياسا على ما يحصل عليه المصابون من لاعبي منتخبات الدول العربية لكرة القدم! وأخص بهذا النداء الهيئات التي "شرفت" بعمل الدكتور المسيري لديها مثل جامعة الملك سعود، جامعة الكويت، وجامعة الدول العربية· اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد!)·
انتهيت من قراءة الكتاب المكون من 160 صفحة، وهو أكثر من رائع ويستحق طبعة ثانية خصوصا في ظل التطورات الأخيرة· بعد إحدى عشرة ساعة من الطيران وصلنا لوس أنجلوس في اليوم نفسه الأربعاء نظرا لفارق التوقيت· كانت إجراءات دخول الولايات المتحدة في غاية السهولة ولم توجه موظفة الهجرة أي أسئلة بعد أن ألقت نظرة سريعة على جوازي "الأخضر"، وأما "العفش" لم يفتش إطلاقا·
توجهت الى شركة تأجير السيارات حيث وجدت سيارة محجوزة لي ومزودة - بناء على طلبي - بجهاز ملاحة حديث جدا يدعى Never Lost System مقابل ستة دولارات إضافية في اليوم· هذا الجهاز اسمه التجاري "ماجلان" نسبة الى الملاح البرتغالي الذي يعتبر أول من قام برحلة بحرية حول العالم· جهاز ماجلان يقدم إرشادات مرئية - عبر شاشة صغيرة - وصوتية بعد إدخال العنوان المطلوب (رقم القطعة واسم الشارع) للوصول للعنوان بأقصر وقت - أدخلت عنوان فندق "هليتون أنا هايم" واتبعت الإرشادات حتى وصلت الى مدخل الفندق بكل سهولة· قضيت باقي اليوم في غرفتي للراحة من عناء السفر·
استيقظت مبكرا يوم الخميس 12 أكتوبر وإذا بالـ "سي إن إن" تنقل خبرا عن هجوم انتحاري على المدمرة الأمريكية "كول" في مِيناء عدن قام به أشخاص على متن قارب مطاطي يحمل متفجرات ونتج عنه مقتل 17 عسكرياً أمريكياً! ذهول شديد في وسائل الإعلام الأمريكية وصور بن لادن تتصدر الأخبار!
برنامج عملي الرسمي يبدأ يوم السبت ويستمر الى الأربعاء من الثامنة صباحا حتى الخامسة مساء يوميا· توجهت الى أهم مكان أحرص على زيارته في وقتي الخاص في الولايات المتحدة - بعد المسجد - وهو مكتبة Borders التي تفتح أبوابها يوميا من السادسة صباحا حتى الحادية عشرة مساء ولها فروع في جميع مدن الولايات المتحدة· تناولت إفطارا خفيفا في مقهى المكتبة، ثم توجهت الى قسم الصحف والمجلات حيث اخترت الكثير منها ثم توجهت الى المقاعد المخصصة للقراءة - نعم للقراءة حيث لا توجد في هذه المكتبة وجميع المكتبات في الولايات المتحدة العبارة العربية الشريرة "ممنوع القراءة"! تركت الصحف والمجلات على طاولات خاصة بعد أن فرغت من قراءتها وغادرت المكتبة، حيث لا تشترط المكتبة أن تشتري أي من المواد التي قرأتها! إذا كان "إدجوير" هو شارع العرب في لندن، فإن "بروكهرست" هو - بكل تأكيد - شارع العرب في "أنا هايم" حيث يوجد كل ما يخص العرب من بقالات ومطاعم ومخابز "ولحم حلال" ومقاه ومكتبتين· تناولت طعام الغداء في أحد المطاعم العربية، ثم توجهت الى مكتبة "دار الحياة" حيث تعرفت على صاحبتها السيدة حياة عبدالله، جميع الصحف العربية قديمة حيث سبق أن اطلعت عليها في لندن، والكتب المعروضة غير مغرية للشراء لشخص قام من لندن! قدمت لي السيدة حياة ورقة تحتوي على دعوة للجالية العربية والمسلمة للمشاركة في مظاهرة لمناصرة الانتفاضة سوف تقام بعد أيام عدة عند المركز التجاري الذي تقع فيه مكتبة "دار الحياة"· أصرت السيدة حياة على حضوري ووعدتها أن أحاول الحضور بعد انتهاء ارتباطي الرسمي·
توجهت يوم الجمعة 13 أكتوبر الى مركز جنوب كاليفورنيا الإسلامي الواقع في شارع فرمونت في لوس أنجلوس· ألقى الدكتور حتموت خطبة رائعة شجب فيها الاعتداء على المدمرة "كول" وشجب جميع أنواع الإرهاب بما في ذلك الإرهاب الصهيوني· قضيت باقي اليوم في التسوق حيث يعتبر ذلك متعة لأي إنسان قادم من بلاد العرب السعيدة، حيث لا تحتوي فواتير الشراء في أسفلها عبارة جهنمية مكتوبة بحروف لا تكاد ترى بالعين المجردة تقول "البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل" والتي أزعم أن مخترعها عربي وسوف ينال من الله الجزاء الذي يستحقه! البضاعة في الولايات المتحدة: تستعمل ثم ترد أو تستبدل وكل ما عليك هو إحضار الفاتورة، وسوف يقابلك البائع أو البائعة بابتسامة مهما كان شكلك مع كلمة "شكرا" و"نرجو أن تزورنا مرة أخرى"!
استيقظت مبكرا يوم السبت 14 أكتوبر وصعقت لخبر في الـ "سي إن إن" عن اختطاف طائرة سعودية بواسطة شخصين سعوديين في رحلة من جدة الى لندن تقل 114 راكبا وإرغامها على الهبوط في بغداد ما هذا الاختيار العجائبي؟ ألم يجد الخاطفان المجرمان سوى بغداد واحة للأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان "المسحول"؟ توجهت الى مركز المعارض في "أناهايم" الملاصق للفندق لحضور المؤتمر الذي حضرت من أجله حيث قضيت الفترة من الثامنة صباحا حتى الخامسة مساء - واستمر هذا البرنامج بشكل يومي حتى الأربعاء 18 أكتوبر - بعد الخامسة رجعت إلى الغرفة للراحة ثم ذهبت للتسوق وفيما بعد الى المكتبة·
بعد الخامسة مساء يوم الأحد 15 أكتوبر توجهت الى مكتبة "دار الحياة" في شارع بروكهرست حيث ذهلت للعدد الهائل من المشاركين في هذه المظاهرة والموزعين بالتساوي على جانبي الشارع· كان التجمع منظما جدا والكل متواجد: مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة عرب وعجم (هنود، باكستانيون وإيرانيون"، بل وشارك أمريكيون يساريون! شرطة "أنا هايم" كانت موجودة لحماية "المشاركين في المظاهرة" من أي مضايقات (شاهدت بعض الأمريكيين الذين حاولوا مضايقة المتظاهرين ولكن الشرطة ألقت القبض عليهم!)· كانت الهتافات منظمة وملحنة بصورة رائعة خصوصاً عندما يلقيها طلاب وطالبات صغار يرتدون شعار "CAIR" الهتافات تهاجم الكيان الصهيوني و"حكومة" الولايات المتحدة· ما زلت أذكر: Welcome ... wel come usa... childrer dying everyday صوت جوليا بطرس يهتف "وين الملايين" عبر مبكرات الصوت التي وفرتها الاذاعة العربية التي تبث ثلاث ساعات أسبوعيا فقط· قدرت الإذاعة عدد المشاركين بحوالى عشرة آلاف شخص· محطات التلفزة والإذاعة وكذلك الصحافة المحلية "الأمريكية" كانت متواجدة وقدمت تغطية عن هذه المظاهرة في اليوم التالي بما في ذلك مقابلات مع بعض المشاركين الذين عبروا عن استيائهم من الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني· الشيء الطريف أن الكثير من الذين قابلتهم أثناء المظاهرة يشتمون الولايات المتحدة ولكنهم لا يريدون العودة الى ديارهم!!
بدأت أشعر بالوحدة يوم الاثنين 16 أكتوبر وغلب علي شيء من التعاسة، أشتقت لزوجتي فوزية والأطفال: خالد وهاجر وعمر وسارة! قررت كسر روتين التسوق والمكتبة بالذهاب الى السينما حيث اخترت فيلما كوميديا كان متصدرا قائمة الأفلام الأكثر دخلا وهو Meet the parents· ضحكت كما لم أضحك في حياتي كلها الفيلم مدهش و"روبرت دينيرو" ممثل خرافي وكذلك "بن ستيلر"· فيما بعد اقتنيت نسخة فيديو من هذا الفيلم وصرت لا أمل من مشاهدته عندما أشعر بالتعاسة· وما أكثر ما شاهدته واصلت الروتين نفسه في يومي الثلاثاء والأربعاء حيث أذهب للتسوق والمكتبة بعد انتهاء ارتباطي الرسمي في الخامسة مساء· صباح الخميس 19 أكتوبر غادرت لوس أنجلوس متوجها الى لندن بواسطة أميريكان اير لاينز ومن لندن توجهت الى البحرين·
انتهى مخزون ذكريات "أناهايم، الجميلة، وعادت بي الذاكرة الى الواقع الكئيب حيث يعاني "جميع" العرب والمسلمون من تبعات زلزال الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، سأقدم بعض خواطري الذاتية حول هذا الموضوع في محاور عدة هي: تصريح السيد "بوغيث"، المعايير المزدوجة لدينا (هذه المرة!)، تآكل هامش الموضوعية، فاتورة التكاليف، وأخيرا كلمة حول موقف التيار الإسلامي المعتدل· وسأحاول أن أرضي ضميري (فقط لأنني أعتقد أن "الجماهيرية هي اتخاذ القرار الذي (يفيد) وليس (يرضي) الجماهير"·
الحقيقة أنني ذهلت جدا عندما "تبرع" السيد "بوغيث" المتحدث الرسمي باسم تنظيم "القاعدة" بوضع النقاط فوق (وتحت) الحروف "مشكورا"·· عندما تبنى عملية الثلاثاء الدامي مخيبا آمال أنصار نظرية المؤامرة (هل هي نظرية فعلا؟) وذلك في تصريحه - الذي يفتقد للحد الأدنى من الدهاء والفطنة - الى قناة الجزيرة في 14 أكتوبر - والذي أكد فيه صحة استنتاجي يوم 12 سبتمبر بناء على نظرية "البعرة والبعير" - حيث قال "إن عاصفة الطائرات لن تهدأ، ونقول للمسلمين في أمريكا وبريطانيا وننصحهم بعدم ركوب الطائرات وعدم السكن في الأبراج والمباني العالية"!! لقد قلب السيد "بوغيث" بكل جدارة الانطباع العام عن شخصية "أي" متحدث رسمي بصورة جذرية! لقد كنا نشعر بشيء من الجدية - وأحيانا الخوف - عندما نستمع لأي متحدث رسمي، ولكن نحن الآن أمام متحدث رسمي يجعلك تضحك عند الاستماع إليه! السيد "بو غيث" أراد إرعاب "الكفار" بهذا التصريح ولكنه في الحقيقة أرعب "إخوانه" المسلمين الذين وضعهم في قوائم المشبوهين في جميع مطارات العالم، بل إن أي مسافر للولايات المتحدة وأوروبا - على الأقل - لن يستقبل بابتسامات - كما وصفت ذلك سابقا - ولن يتم الاكتفاء بالسؤال الذي يبدو الآن مضحكا "هل حزمت حقائبك بنفسك؟"· المؤكد أن الوضع سيختلف كليا - وربما لأمد طويل - حيث سيكون هناك إجراءات "أورويليه" في جميع المطارات سيقوم بتنفيذها "بوليس الفكر" وتحت رقابة مباشرة من "الأخ الأكبر" كما تنبأ "جورج أورويل" في روايته المرعبة "1984"، حيث صوّر عالماً رهيباً يفقد فيه الناس - العرب والمسلمون في هذه الحالة - الشعور بالحرية والأمان، ويتم التجسس على أدق تفاصيل حياتهم الشخصية بل وحتى أفكارهم! لقد قدم السيد "بوغيث" الدليل الذي طالما طالبت به حركة طالبان لتسليم المتهمين· فهل يفعلها رجال طالبان أم يصدق عليهم وصف الأستاذ فهمي هويدي في كتابه الصادر حديثا بأنهم "جند الله في المعركة الغلط!" والذي أكد أن هذه الحركة مفيدة للغاية لأنها "تقدم لنا نموذجا للكثير مما ينبغي الحذر منه وتجنبه في التطبيق الإسلامي"! أعتقد والله أعلم أن السيد "بوغيث" قد حجز له مكانا في موسوعة "جينيس" لسبب أتركه لتخمين القارئ!
أما عن المعايير المزدوجة "لدينا"، فدعونا نتحدث بصراحة عن كلمة Crusade عندهم وكلمة "جهار" عندنا· لقد قالها الرئيس الأمريكي بعد أن تعرضت بلاده لعملية إرهابية سقط فيها من "المدينيين" أكثر من "العسكريين" الذين سقطوا في عملية "بيرل هاربر" التي تسببت في "دخول" الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية· وقد تراجع الرئيس الأمريكي عن هذه الكلمة مع أن لها معنى آخر غير "الحرب الصليبية" وهو "حملة عنيفة في سبيل مبدأ ما"· أظن - والله أعلم - أننا نمارس ازدواجية في المعايير - من دون أن نشعر - مع أهل الكتاب! إننا نعتقد كفرهم بديننا، كما يعتقدون هم كفرنا بدينهم· وهذا حقهم، كما هو حقنا· ثم ألا يقوم "بعض" خطباء صلاة الجمعة العرب بالدعاء "على" أهل الكتاب؟ ألا يقوم "بعض" الأئمة العرب بالدعاء "على" أهل الكتاب خصوصاً في رمضان في دعاء القنوت؟ أعتقد أن القصد واضح ولا داعي للمزيد من الاسترسال! ثم هاكم تجربة شخصية حيث عاد ابني "عمر" البالغ أربع سنوات ونصف من مدرسته الخاصة - حيث يدرس في الصف التمهيدي - ذات يوم عام 2000 وقال: أريد أن أصبح مجاهدا! قلت: تجاهد ضد من؟ قال: الكفار! قلت: ومن هم الكفار؟ قال: لا أدري! قمت بنقل "عمر" الى مدرسة خاصة أخرى يقوم عليها شخص فاضل حيث أثق أن لا مجال لتلقين مثل هذه المفاهيم للأطفال عنده· وأحب أن أؤكد أن "الجهاد" من قيم الإسلام الخالدة وله أحكامه التي تؤكد كرامة الإنسان (غير المحارب) مهما كان دينه أو جنسه أو لونه، حيث قال تعالى "ولقد كرمنا بني آدم"، ومن هنا لا يجيز الإسلام قتل المدنيين في كابول وغزة ونيويورك! ترى لو قام "بعض" وعاظ أمريكا "بالدعاء علينا" بأسلوب "البعض" نفسه لدينا فماذا سيكون شعورنا؟
لقد تآكل مع الأسف هامش الموضوعية في ردود فعل عالمنا العربي بعد الثلاثاء الدامي· وسوف أضرب بعض الأمثلة - المحزنة - التي لا تحتاج الى تعليق عن من ينظر للأمور بعقله وعاطفته معا وليس بعاطفته فقط! صرح الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس - كما نقلت مجلة المشاهد السياسي في عدد 291 - أمام ثلاثة الاف طالب فلسطيني في "الجامعة الإسلامية" في غزة قائلا "إن اليهود وراء كل المؤامرات التي حدثت في الولايات المتحدة وربما استخدموا أفرادا إسلاميين كي ينفذوا مآربهم، لكنهم هم وراء هذا الحدث وذلك لأنهم شعروا بخطورة الإسلام والعالم الإسلامي فارتكبوا هذه المؤامرة للقضاء على الإسلام والمسلمين"!! كما ذكر الأستاذ أحمد منصور في برنامج "بلا حدود" الذي بثته قناة الجزيرة في 19 سبتمبر أن "هناك سيناريو يقول إن المخابرات (الأمريكية) كانت تعرف أن شيئا سيحدث وسوف تتخذه ذريعة"!! وأضاف السيد منصور سائلا ضيفه "هل يمكن أن تكون هذه الحرب التي أعلنها الرئيس (بوش) بداية لنهاية الامبراطورية الأمريكية"!! كذلك ما جاء في البرنامج المذكور سلفا وردده الكثير من الكتاب العرب من ضلوع الموساد في هذه العملية نظرا لأن "أربعة آلاف يهودي لم يذهبوا للعمل في مركز التجارة العالمي يوم الثلاثاء 11 سبتمبر"!! اكتفي بهذه الجرعة من تجليات نظرية المؤامرة على الطريقة العربية!
أما فاتورة الثلاثاء الدامي فسوف تكون باهضة التكاليف وسيدفعها ثمانية ملايين مسلم في الولايات المتحدة بالإضافة الى الملايين غيرهم في أوروبا ل "كل مكان" في العالم· إن عملية حمقاء من هذا النوع، بالإضافة الى مظاهر الابتهاج البلهاء في الشارع الفلسطيني التي نقلتها وسائل الإعلام الغربية أعادت الانتفاضة الى المربع الأول بعد أن كانت قد كسبت تعاطفا كبيرا خصوصا بعد بث ونشر صور استشهاد الطفل محمد الدرة البشعة· لقد جعلت عملية الثلاثاء الدامي ياسر عرفات في وضع لا يحسد عليه، ووقع اتفاقا - غير مباشر - بإنهاء الانتفاضة· شخصيا أعتقد بل وأجزم أن تكون "حماس" و"الجهاد الإسلامي" من أبرز ضحايا الثلاثاء الدامي· ولكن السؤال: بيد من؟ ومتى؟ أما عن الولايات المتحدة فقد أعلن مجلس العلاقات الإسلامية - الأمريكية (CAIR) أن هذه العملية الإرهابية "أعادت العمل الإسلامي (في أمريكا) الى نقطة الصفر·· بل مئة عام الى الوراء"·
الشيء الوحيد الذي أجزم أن عملية الثلاثاء الدامي نجحت في تحقيقه هو إعادة "الإسلاموفوبيا" الى الحياة، حيث أصبح "إرهابي" مرادفا مباشرا لكلمة "عربي" أو "مسلم" مرة أخرى وبصورة أكثر فظاعة! ويكفي للتدليل على ذلك ما نقلته الـ "سي إن إن" عن نتائج استطلاع للرأي لمعهد "جالوب"، حيث طالب %49 من الأمريكيين أن يحمل العرب والمسلمين الأمريكيين بطاقات هوية خاصة تميزهم عن سائر المواطنين! بل إن %58 من الأمريكيين يطالبون بإخضاع العرب والمسلمين الأمريكيين لإجراءات أمنية خاصة أكثر تشددا عن غيرهم! شخصيا أعتقد أن هذه النسب المؤية متدنية - رغم هول الحدث - وتعكس طبيعة الشعب الأمريكي المسالم·
وأخيرا كلمة حول موقف التيار الإسلامي المعتدل من حركات ومفكرين، حيث أشعر بالهلامية والغموض فيها أقرأ من كتابات وبيانات بعد أحداث الثلاثاء الدامي· الحقيقة لا أجد عذرا لمثل هذه المواقف "الجماهيرية" خصوصا بعد تصريح "القرن" الذي أدلى به السيد "بو غيث"! المطلوب موقف واضح وصريح من الإرهاب الذي جرى في الولايات المتحدة وعدم "الربط" بأي أمور أخرى كما فعل - بفشل ذريع- صدام حسين في 1990·
ملحوظة هامة:
أصدر أيمن الظواهري - الرجل الثاني في تنظيم القاعدة - كتابا مهما بعنوان "الحصاد المر: الأخوان المسلمين في ستين عاما" كفر فيه جماعة الإخوان المسلمين صراحة، بل ووضع قواعد للمبتدئين في "أصول التكفير"· وقد أقتنيت هذا الكتاب "الخطير" من معرض جدة الدولي للكتاب عام 2000!!