رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9-15 رمضان 1422هـ الموافق 24- 30 نوفمبر 2001
العدد 1504

وتد

نصوصه كالأفاعي··

نشمي مهنا

أحيانا في لحظات تجلٍّ نادرة، وتحت حجاب ليل “خرمسي”، وأثناء انشغالي بقراءة نص، وبمصافحة صاحبه الشاعر الذي أحب!، تفاجئني صرخة، أسمع تردد أصدائها في داخلي: “يا اللّه”·· كيف استطاع هذا الشاعر أن يخترق جدار المعنى، أن يقشّر لحاء الكلمة، كيف قادته رحلته الكتابية في لحظة ما - وقادني معه كقارئ - على التجول في أراض بِكر·· علّق بيديه شموسها الجديدة، أو خلقها من لا شيء·· كيف كان باستطاعته الصمود - في زمن أوقفه بين اللاوعي الإلهامي، والوعي الشفيف والبعيد، المراقب، الحذر - أن يحتمل تتابع انثيال كل تلك الصور، دون أن ينتفض للكزة صحو·· أو بتعبير آخر كيف تمكّن من إطالة عمر الومضة؟!

تتكرر تلك الحالة القرائية معي، إنما بندرة، ففي أغلبها تتأرجح بين استحسان، وإعجاب، وإشادة داخلية، أو نصف افترار ابتسامة بوجه إبداع، أو بوجه كاتبه الغائب، لكنها دون “هزة”·

لا تأتي تلك اللحظات - في حقيقتها - ملازمة دوما لقامة شاعر بالذات، بل مع أحد نصوصه، وقد لا تسري على كل مقاطع النص أيضا، فإلى أي قدر يستطيع هذا الشاعر أو ذاك أن يمد لفظة “اللّه” الإعجابية التي أطلقها قارئه على كل مفاتن نصه؟·· هنا يكتمل خلق إبداعه·

يقول أحد أصدقائنا الشعراء إن “الإبداع هو الخلق·· الخلق لا النحت” نوافقه بالطبع على ديمومة جمال الخلق·· وبتكلف النحت، حتى وإن كان جميلا!

تسحبنا عبارة صديقنا هذه الى طرق أخرى، نحاذر دخولها في هذا الحديث، لتشعبها، ووعورة مسالكها·· إنما نكتفي من عبارته بالجزء الذي يسد فم المعنى المراد··

ماذا لو عدنا - لمقصد آخر - الى كلمات وردت في بداية حديثنا، وتوقفنا عند “لحظات تجلٍ” “ليل خرمسي” و”للشاعر الذي أحب”، وتأملنا؟!

أكاد أجزم أن لحضور الشاعر (أو الكاتب)، وطغيان شخصه، وظلاله على النص، نصيبا من صرخة إعجابنا·· وأن لحالتي الشعورية (كقارئ) وقت التواصل مع النص والتعاطي معه نصيبا آخر من “اللّه” الطويلة، الغائرة في ثنايا النفس·· وأن لزمن القراءة (الليل)، والتجلي الذاتي، وغيرها·· حقا من “اللّه” أسبغه على ظرفي، ومكاني، ودواخلي، وقد لا أبقي له (للشاعر) سوى الشيء اليسير، أو فتات الـ “آه”!

أكثر ما “يكشف” معدن النص، إعادة قراءته، لماذا تتقصف أجنحته في كل محاولة طيران (في القراءة الثانية، والثالثة، و···)، ويتبعثر ريشه حتى لا يستره سوى الزغب المهلهل؟!

ليس هذا فقط، ففي كل “غسيل” متكرر للنص، تبهت ألوانه، التي كنت أرى!

 أحيانا أعلل ذلك بعنفوان “رياحي” كقارئ، يقصف جدار النص، في كل مرة، حتى يتصدع، فأقول كان جميلا·· إبداعا·· إنما لم يصمد، وأي حقيقة تملأ قلبه إن لم يصمد؟!

أحيان أخرى·· أُرجع ذلك لـ “طباع قراءة”، وقارئ، امتص دهشته الأولى بألقها ونورانياتها بقراءته الثانية، فتلك “الأراضي البكر” كيف له أن يثبّت لحظة فرحة الاكتشاف الأولى بها، وقد تلمس مداخلها، وعلم دهاليزها، ورأى آثار مخيلته وقد طُبعت على أعشابها من قبل!

الشاعر (الذي فجر دهشتي الأولى التي أطلقتْ “اللّه” دون إرادة مني)، وأنا كشريك له، أحبطنا “اللّه” الثانية، ويئسنا من ترديد الثالثة بالطبع·· أي أنه هو نفسه - وشريكه الخفي - أخمد شعره بشعره·

من يستطيع أن يجدّد تربة أرضه، وأعشاب نصه، ومداخلها، ودهاليزها التي قلنا، في كل مرة تعيد بها قراءة نصه·· ليقودك للمرة الألف وكأنك بين أضلاع نص آخر، تمعن النظر فلا ترى أي آثار لمواطئ قارئ، وتتساءل ألم أقرأه من قبل؟· كيف غفلت عن تلك الصورة المعلّقة على ذاك الجدار، كيف لم أنتبه لذلك “المعنى” المنزوي في ركن النص؟!

من يستطيع أن يسبق ضيفه القارئ (المكرّر) ليعيد ترتيب بيته·· هو المبدع·

ولي مع هذا الأخير وقفة، بعد أن حرصت في كل مرة أن أستبعد سطوة حضوره في النص·· وانتهبت الى حالات التجلي (التي قد تنتابني كقارئ) وزمنها (الذي يرحب في لحظة ما بعشق أي نص)··· وكررّت تمريني مع نصوصه، فرأيتها أمامي كالأفاعي - كما أحب أن أسميها - وقد شهدتُ تبدّل جلودها، ونقاوة أرواحها·

 nashmi@taleea.com

طباعة  

إضــاءات
 
أوراق من منتدى الفكر العربي
 
شعر
 
اصدار
 
جائزة الشارقة لتكريم الشخصيات الثقافية تعيـد ظـل الراحل خـالـد سـعود الـزيـد
 
المجلس الوطني يصدر نموذجاً لـ “ثقافة السلام”
طيور “ساداكو”·· تمرين لطرد أشباح الحروب عن فضاءاتنا

 
سطور