د· قرم: ميل الزعامات العربية للخلافات
منذ ميلاد الكيانات القطرية·· أهم أسباب التشرذم
يرى الدكتور جورج قرم - وزير المالية اللبناني السابق - في دراسته التي شارك فيها ضمن فعاليات ندوة “آفاق التعاون العربي بين الإقليمية والعالمية” التي نظمها منتدى الفكر العربي بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ أسابيع يرى أن هناك صعوبة في توصيف النظام العربي الراهن المتشرذم، بقلة فعاليته وأدائه الناقص ضمن النظام العالمي، وفي إطار طموحات شعوبه· ويقول إن حالة التشرذم ليست ظاهرة جديدة ولها جذور عميقة وأسباب عدة، كالعوامل المذهبية والخلافات الإقليمية أو القبائلية· ومع تنامي خطورة هذه الحالة منذ انهيار السلطنة العثمانية ازدادت الحاجة الى تحليلها ومعرفة ما إذا كانت ناجمة عن عوامل ذاتية (داخلية) أو غير ذلك من عوامل خارجية أدت الى ترسيخ الكيانات القطرية وتنافسها، خصوصا في ظل بيئة دولية متناقضة وقوى استعمارية مهيمنة· وهنا يطرح أسئلة تتعلق بإشكالية أو آلية التفاعل بين هذه العوامل الداخلية والعوامل الخارجية للتشرذم كما يشير الى أن وضع النظام العربي الراهن استمرار لانعكاس تناقضات النظام الدولي، إضافة الى بروز عوامل جديدة عربية في أحداث 11 سبتمبر وتفاعلاتها·
ويشير الدكتور قرم الى أحد مظاهر التشرذم العربي، وهو الموقف من القضية الفلسطينية و”الفتنة في لبنان”، فيرى فيه تعميقا للانقسام العربي حول معالجة هذه القضية· كذلك يرى أن الوضع اللبناني قد عكس كل تناقضات واقع النظام العربي والنظام الدولي وضغوطاته على العرب، أي عوامل الانقسام الداخلية والخارجية ونتج عن ذلك وقوع القوى الفلسطينية ولبنان معها ضحية بيئة الحرب الباردة والتشرذم العربي· وهو يميل في مسألة تحديد تراتبية المسؤولية عن انفجار الأوضاع هناك الى تحميل الواقع العربي المسؤولية الأولى·
ويضيف الى هذين المثالين الموقف العربي من الثورة الإيرانية الذي تحول - كغيره من العوامل الخارجية - الى مصدر فتنة بيننا·
ثم يشير د· قرم الى جهود متواصلة بذلتها أقطار عربية أو زعماء عرب للحيلولة دون استفحال الخلافات وتأسيس آليات تعاون بين الأقطار العربية، فكانت الجامعة العربية أحد هذه الجهود· وواجهت الجامعة في مهمتها كمنظمة إقليمية مسؤولة عن تأمين التضامن العربي تحديين:
وأول هذين التحديين تمثل في إقامة منظمات إقليمية منافسة، فتم تأسيس مؤتمر الدول الإسلامية لمواجهة النفوذ السوفييتي، ومنظمات أخرى مثل مجلس التعاون العربي ومجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي·
أما التحدي الثاني فقد تمثل في الغزو العراقي لدولة الكويت وإدارة الحظر الاقتصادي الدولي على العراق لاحقا، والحظر المشابه على ليبيا والسودان، ومأساة الصومال·
ثم يتساءل الدكتور قرم عن وجود أو فاعلية النظام العربي وعما إذا كان مستقلا عن القوى العالمية والنظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو·
وفيما عدا ذلك فالبحث يشير أيضا الى إنجازات اقتصادية نتيجة للتعاون العربي من خلال الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصندوق النقد العربي والبنك الإسلامي، الى جانب الكثير من المنظمات الإقليمية العربية·
بعد استعراض واقع النظام العربي بإيجابياته وسلبياته يصل الباحث الى بعض الملاحظات· وهي أن القوى السياسية العربية الرئيسية عجزت عن تأمين وحدة الكلمة في النظام الدولي وحماية المجتمعات العربية من الفتن والتشرذم، وأن هناك ميلا للاختلاف بين الأقطار والزعامات العربية منذ ولادة الكيانات القطرية الحديثة، وأن النخبة الفكرية العربية نظام ثابت للقيم المحددة للهوية العربية بشكل واضح· وهذا قد يكون من أهم أسباب الوهن والشرذمة العربية، التي بلغت الذروة في الفتنة في الجزائر·
ويخلص الباحث الى أنه لهذه الأسباب لا يمكن بناء مستقبل عربي أفضل في غياب رؤية نهوضية جديدة لواقعنا، وهذا يتطلب بحث قضايا أربع تتجسد في قومية الهوية العربية تاريخيا، والاتفاق على أن وجود القوات العسكرية غير العربية في الوطن العربي أمر غير مستحب على أن يتم توقيع ميثاق شرف بين الأقطار العربية يحظر اجتياح أي جيش عربي لأراضي قطر عربي آخر، والاتفاق على تجاوز ظاهرة تهميش الاقتصادات العربية وتفشي البطالة، وكذلك الاتفاق على ضرورة إرساء قواعد الحرية والديمقراطية والإعلام الحر غير المسيطر عليه من الأجهزة الحكومية أو مجموعات مالية ضخمة وبغير ذلك يصعب التغيير من واقع النظام العربي الحالي الذي نريده قوة إقليمية جديرة بالحياة الكريمة·
د· نافعة: الجامعة العربية تحتاج الى ترتيب بيتها الفكري لإنشاء المؤسسات المدنية ووضع آلية عمل
تحدث أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة د· حسن نافعة في بحثه عن أهمية إنشاء مؤسسات للمجتمع المدني العربي، وذلك من خلال تطوير هيكلة الأمانة العامة للجامعة على غرار نموذج الوحدة الأوروبية·
وهو يرى في ذلك محاولة طموحة ونقلة نوعية نحو تطوير العمل العربي المشترك، خصوصا أنها المرة الأولي التي يذكر فيها مصطلح “المجتمع المدني العربي” خلال تاريخ الجامعة العربية واستعرض الدكتور نافعة موقف ميثاق الجامعة من هذه القضية وتحدث عن صيغة العلاقة المقترحة في هذه الخطة ودور المجتمع المدني، وخصوصا مؤسسات الفكر العربي، في تطوير العمل العربي المشترك وبدأ بمحاولة معرفة موقع المجتمع المدني في إطار الجامعة· فالمجتمع المدني تعبير له معان ومضامين عدة ويمكن تعريفه بأنه مفهوم يتجه الى كل التشكيلات والمؤسسات التي تقوم على أساس طوعي بهدف الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للأفراد والفئات الاجتماعية المختلفة في المجالات الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية· وهو بذلك مصطلح حديث ولا يتضمنه ميثاق الجامعة الذي أبرم في مارس عام 1945·
ولكن ذلك لا يعني أن العناصر الداخلة في مفهومه كانت غير موجودة قبل الآن، وهي ما كان يعبر عنها بمضامين مشابهة مثل “المجتمع الأهلي” أو المنظمات الطوعية والمنظمات غير الحكومية· أما دوليا فقد كان المجتمع المدني يعبر عنه اصطلاحا باسم المنظمات الدولية غير الحكومية·
ويمكن القول إن الموقف من المجتمع المدني في الدولة هو موقفها من حقوق الإنسان ومن هامش الحرية الممنوح للمنظمات الطوعية، وبالتالي فهما معياران لقياس وجود أو غياب هذا المجتمع المدني· وبتطبيق هذين المعيارين عربيا نجد أن موقف الجامعة العربية منه كان يتسم بالإهمال بل بالمعاداة·
في ميثاق الجامعة العربية لا يذكر عبارة “حقوق الإنسان” في مواده التسع عشرة في الوقت عينه فإن “حقوق الإنسان” عبارة كثيرا ما وردت في ميثاق الأمم المتحدة الذي اعتبر أن العمل على إشاعة وفرض احترام حقوق الإنسان في العالم هدف محوري ينبغي تحقيقه بكل الوسائل·
كذلك فيما يخص موقف الجامعة من المنظمات العربية غير الحكومية، وهو المعيار الثاني، فإن ميثاق الجامعة لا يشير الى هذه المنظمات البتة، في حين ورد ذكر لهذه المنظمات كثيرا في ميثاق الأمم المتحدة·
ويناقش البحث أبعاد التطوير المقترح مثنيا بصفة خاصة على فكرة إنشاء الجامعة العربية “مفوضية للشؤون المدنية” تختص بمعالجة قضايا حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني و”المرأة والطفل” والشباب· كما أن اقتفاء التجربة الأوروبية في هذا المجال يعتبر خطوة جريئة وبالغة الأهمية، لأن التجربة الأوروبية تستند الى تراث عريق في مسألة تكوين المفوضيات· والمجتمع المدني في أوروبا قائم فعليا ومنظم في كل دولة على حدة· وهي بذلك لا تحتاج إلا الى تنسيق أنشطة منظمات المجتمع المدني في تلك الدول على صعيد الاتحاد الأوروبي قاطبة·
لكن الواقع العربي مختلف نظرا لأن معظم الدول العربية حاليا هي “مشروعات دول” وليست دولا مكتملة البناء· وهذا يعني أن الديمقراطية الحقيقية يصعب تحقيقها في دول تفتقد لمقومات الدولة·
أما من ناحية العلاقة التنظيمية والمؤسسية للمفوضية المقترحة مع الجامعة العربية فيراها الباحث محفوفة بالمخاطر، ما يوجب وضع برنامج لتنمية وتطوير المجتمع المدني وتنقيته من التشوهات الخلقية والعمل على إنضاجه·
وفي إطار السؤال عن مؤسسات الفكر العربي ودورها في دعم العمل العربي المشترك فإن المؤسسات العلمية والفكرية والبحثية هي المقياس الفعلي لحيوية وقوة الدول والمجتمعات، وهذه المؤسسات تلعب دورا مهما في دعم مسيرة الجامعة ورفدها بالمقترحات والآراء اللازمة لتطوير العمل العربي المشترك· على أنه يجب التمييز بين دورها الفني والتقني وبين دورها التنويري ما يستلزم حسن اختيار العناصر الخبيرة وذات الكفاءة، وهي كثيرة في الوطن العربي·
إن هذا التوجه يحتاج من الجامعة الى ترتيب بيتها الفكري من الداخل من خلال إعادة الحيوية للمؤسسات الفكرية العاملة في نطاقها، والتنسيق بين أنشطة هذه المؤسسات للتحرك في إطار منظومة واحدة متكاملة يقودها الأمين العام للجامعة· ومثل هذه المؤسسات موجود ويشكل جزءا من منظومة الجامعة مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومعهد البحوث والدراسات العربية واتحاد الجامعات العربية· كما أن هناك مؤسسات فكرية أخرى تطورت أخيرا وتضم روابط وتجمعات مهنية، والمؤسسات الفكرية والمراكز البحثية·
ومن ذلك كله يخلص الباحث الى أن جامعة الدول العربية لا تفتقر الى الأفكار لإعادة هيكلة جهازها الإداري وإطارها التنظيمي، بل هي بحاجة الى الإدارة السياسية لالتقاط الأفكار وتبنيها وتحويلها الى آليات عمل حيوية ومؤثرة·