لن نمد ألسنتنا لندخل الجنة!!
نشمي مهنا
اللغة، كثيراً ما تقف حائلاً دون تلاقي الأفهام بين أبناء الحضارات أو الأمم المختلفة، هي كائن حي له التواءاته، ونتوءاته، وأنفاسه، وشؤونه الخاصة، بالإضافة إلى جسده الصلد، لذا نحن لا نفرح كثيراً لمجرد معرفتنا تهجي وقراءة هذا الجسد، فما تبقى من أسراره ومفاتيحة أهم، وأعمق، وأشد صعوبة·
على الرغم من ذلك هناك حاجز آخر - بعد تجاوز تعلم اللغة - أشد سماكة يقف بثبات لا تزحزحه “حصص” أو كورسات تعليمية، يسد الأفق بيننا وبينهم، أو بينهم وبيننا، لا فرق، هو وعي مكثف لتعلم “طريقة تفكير” أهل تلك اللغة·
فكل لغة تحمل في طياتها أسلوباً (منهجاً) فكرياً خاصاً جداً، تفرضه هذه اللغة على أبنائها، فتضع طرق تفكيرهم بقوالب، أو ملامح ملازمة لهم؛ كأبناء لغة مشتركة، ولها؛ كلغة أُم، لا تتركهم ينفلتون بحبالها اللغوية دون أن تعقد ألسنتهم، وتسيرّها بمنهج غير شبيه باللغات الأخرى·
هذه هي - على الأخص - معضلتنا كعرب في فهم “الآخر”، الغربي أو الشرقي، أو حتى بين شعوبنا العربية أنفسنا ولو بنسب أقل تمايزاً·
نخاطب الغربي بلغته، فنحسب أننا بمأمن عن الزلل، بعد أن امتلكنا أدوات اللغة، دون أن ننتبه إلى ضرورة تعلم منهج تفكير تلك اللغة أو ذاك الغرب!
كان ذلك الزلل، أشد وضوحاً في الشهور الأخيرة، بعد كارثة التفجيرات في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أشعلت جمراتنا الخافتة، وأربكت اطمئناننا في معرفة “الآخر”!
ففي حمأة الجدال الفضائي الذي ازدحمت به شاشاتنا التلفزيونية، وما حفلت به صحفنا ومجلاتنا من كم خيالي أنضب حبر مثقفينا وكتّابنا وسياسيينا، دون أن يصلوا إلى قلب الداء، أو تشخيصه·· فأمام أعيننا تعرى مشهد “هزلي” عرض لنا مقدار سوء الفهم، والشطط الذي حاد بعقولنا عن استيعاب الحدث·
أدركنا جيداً، أنه لا يكفي أن يُجيد مثقف عربي ما اللغة الإنجليزية ليفسر لنا معنى (Crusade) مثلاً، ليتشعب بنا وبعقولنا من كلمة مغبّرة بين ثنايا قاموسها اللغوي، إلى الاستدلال على نوايا حرب دينية، رأى طلائع جيوشها في “كابول”!!
لا يكفي أيضاً أن يحدثنا مثقف عربي آخر، أمضى نصف عمره مغترباً في الولايات المتحدة الأمريكية عن غياب “شهامة” و”بطولة” الأمريكي، في تحريره أرض الكويت من الغزو العراقي الغاشم، ويكرر في حديثه أو مقاله الخطابي دوافع “المصلحة” و”الأطماع”! دون أن يكشف لنا أن تلك المبادئ “البراغماتية” هي أسلوب حياة، وطريقة تفكير في العالم الغربي الذي يعيش بين جنباته، ولا وجود “للشهامات” و”البطولات” بين مصالح الدول إلا في قواميسنا العربية والإسلامية، التي عجزت عن تحقيق تلك البطولات، فوقعت في مأزق الشعارات المنافقة، والحائرة بين “المبدأ”، و”التطبيق”!
أن تضحي بدولة وشعب في سبيل إنقاذ صديق إرهابي، عزيز على قلبك هو مبدأ “طالباني”، رجّح كفة الود والصداقة على كفة مصالح الأمة والبلاد، مثل هذا “التطبيق” لا تعرفه ولا تأخذ به الحضارة الغربية· أن يضيّع زعيم متهور (مثل صدام الطاغية) بلاده وأمته في سبيل تحقيق أوهام شخصية، مبدأ هجرته أوروبا مع آخر أنفاس هتلر!
كان يفترض بمثقفينا أن يفهموا تلك الحضارة، وطرق تفكيرها، لا أن يكتفوا بمعرفة لغاتها، ليبعدونا عن “هذرهم” الفضائي، وكتاباتهم المدبجة بالشعارات·
في كل حدث ومصاب تتعرى مشاهد فاضحة، وبعد “لغط” 11 سبتمبر هل يمكننا القول إن مثقفينا وخطباء مساجدنا، وعلمائنا “السلفيين” و”الإخوان”، وجماعة “صبحان”! والمعتدلين منهم الموصوفين بالاستنارة أمثال القرضاوي وهويدي والعوضي هم مغفلون أم يستغفلون؟! أم هم لم يقرؤوا “فكر” اللغة؟!
استنفروا الجماهير والعامة، وخاطبوا عواطفها، واستثاروا مشاعرها الكامنة، هل كان كل ذلك بخبث كما فعل الشاعر “كلثوم”؟!
في تراثنا حكايات منسية، تفضح لنا “علماء” حاضرنا إذ يحكي لنا “العتابي” صديق هذا الـ “كلثوم” يقول: “رأيت كلثوماً يأكل خبزاً في الطريق، فقلت: أما تستحي تأكل بحضرة الناس؟
فقال: أرأيت لو كنت في دار بقر أما تأكل بحضرتهم؟ قلت: نعم، ولكن هؤلاء ليسوا بقراً·
قال كلثوم: انتظر أريك فُحشى هذا الرأي· ثم قام وخطب، وحدّث وروى مجموعة نوادر إلى أن اجتمع حوله خلق كثير، فقطع نوادره وقال: روي على غير وجه من بلغ لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة دون حساب·
فلم يبق واحد إلا أخرج لسانه وجعل يختبر إن كان يستطيع الوصول به إلى أرنبة أنفه، فتركهم الشاعر على هذا الحال ومضى”·
حاشا لجماهيرنا أن تكون كما وصف كلثوم·· لكن لابد من فضح روايات أبناء كلثوم وخرافاتهم التي يروجونها الآن في حاضرنا!
nashmi@taleea.com