رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 1-7 شوال 1422هـ الموافق 15-21 ديسمبر 2001
العدد 1507

نحن مجرمو حرب

بقلم: روبرت فيسك

ها نحن أصبحنا مجرمي حرب في أفغانستان· فقد قصفت الطائرات الأمريكية مزار الشريف خدمة لقوات تحالف الشمال التي قتلت أكثر من 50 ألف شخص في كابول خلال الفترة من  1996 - 92 كي تتقدم إلى المدينة وتذبح أكثر من  300 شخص من مقاتلي طالبان·

ولم تحظ هذه المجزرة بأي اهتمام من قبل الصحافة ومحطات التلفزة وبدت الأمور طبيعية تماماً· فالانتقام من تقاليد الأفغان· وهكذا وقعت جريمة حرب بمساعدة استراتيجية من المقاتلات الأمريكية·

والآن هناك “التمرد” في سجن مزار الشريف حيث قام سجناء من حركة طالبان بإطلاق النار على حراس السجن من قوات تحالف الشمال· وقد ساعدت القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية، تحالف الشمال في التغلب على انتفاضة السجناء، بل إن شبكة “سي· إن· إن” أوردت أن بعض السجناء “أُعدموا” بينما كانوا يحاولون الهرب· إنها جريمة· والجنود البريطانيون أصحبوا الآن موصومين بجرائم الحرب· فقد عثر مراسل هذه الصحيفة جوستن هاغلر على المزيد من أعضاء طالبان الذين تم إعدامهم في مدينة قندوز·

أما الأمريكيون فلديهم عدد أقل من الأعذار لوقوع هذه المجزرة، لأن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد صرح بشكل واضح أثناء حصار المدينة أن الغارات الجوية الأمريكية على مقاتلي طالبان ستتوقف “إذا طلب منا تحالف الشمال ذلك”· فبصرف النظر عن حقيقة أن العصابات والقتلة من تحالف الشمال أصبحوا هم الذين يتحكمون بقواتنا الجوية في المعركة ضد عصابات مجرمي طالبان، فقد جعلت تصريحات رامسفيلد الولايات المتحدة شاهداً على أي محاكمة لمجرمي الحرب في قندوز· لقد كانت الولايات المتحدة تتحرك بتعاون عسكري كامل مع ميليشيا تحالف الشمال·

ومما يدعو إلى العار أن معظم صحافيي محطات التلفزة أبدوا القليل من الاهتمام أو لم يهتموا أبداً بهذه الجرائم الشنيعة· فهؤلاء الصحافيون الذين انشغلوا بمداهنة قوات تحالف الشمال وتبادل الأحاديث مع القوات الأمريكية، لم يفعلوا شيئاً أكثر من مجرد ذكر لوقوع جرائم حرب ضد السجناء في معرض تقاريرهم· فما الذي حدث لقيمنا الأخلاقية، بحق السماء، بعد الحادي عشر من سبتمبر؟

جرائم ضد الإنسانية

ربما يكون الجواب أننا - نحن في الغرب - بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، زرعنا غابة من التشريعات والقوانين التي تهدف للحيولة دون وقوع حرب عالمية ثالثة· وكانت عمليات الإبادة التركية عام 1915 ضد الأرمن هي الدافع وراء المحاولة الانكلو - فرنسية الأولى للقيام بذلك· فقد حمَّل التفاهم الإنكليزي - الفرنسي المسؤولية “لكل أعضاء الحكومة التركية ووكلائهم وكل من تورط منهم في هذه المجازر”· وبعد عمليات الإبادة النازية ضد اليهود وسقوط ألمانيا عام 1945، أشارت المادة السادسة (جـ) من ميثاق نورمبيرغ ومقدمة ميثاف الأمم المتحدة حول عمليات الإبادة الجماعية إلى “الجرائم ضد الإنسانية”· وأصبحت كل حرب تندلع بعد عام 1945 تأتي بمجموعة من التشريعات وتفرِّخ مجموعات جديدة للدفاع عن حقوق الإنسان التي تدفع بالعالم نحو القيم الغربية الليبرالية والإنسانية·

فعلى مدى الخمسين عاماً الماضية، ونحن نصوغ قواعدنا الأخلاقية ونلقي المواعظ للصينيين والسوفييت والعرب والأفارقة حول حقوق الإنسان، ونددنا بجرائم حقوق الإنسان التي ارتكبها البوسنيون والكروات والصرب، بل وضعنا بعضهم خلف القضبان كما فعلنا مع النازيين في نورمبيرغ· وقد أصدرنا الآلاف من الملفات التي تصف - بالتفصيل الممل - المحاكمات السرية وفرق الإعدام والتعذيب والإعدامات دون محاكمة التي أقدمت عليها دول خارجة عن القانون وطغاة ودكتاتوريون· إنه أمر طيب·

ومع ذلك، وفجأة بعد الحادي عشر من سبتمبر، جّن جنوننا· فقد قصفنا القرى الأفغانية حتى حولناها إلى ركام فوق سكانها - ملقين باللائمة على أعمالنا الشريرة على حركة طالبان وأسامة بن لادن - والآن، سمحنا للميليشيات الرهيبة المتحالفة معنا، بذبح السجناء في مزار الشريف·

لقد صادق الرئيس جورج بوش على قانون يسمح بإنشاء محاكم عسكرية سرية لمحاكمة وتصفية كل من يُشتبه في كونه “قاتلاً إرهابياً” في نظر أجهزة الأمن الأمريكية· مهلا ولا تخطئوا الحكم، فهذه ليست سوى فرق إعدام مفوضة قانوناً من الحكومة الأمريكية· وقد أنشئت هذه المحاكم بالطبع، لحرمان أسامة بن لادن، في حالة إلقاء القبض عليه، بدلاً من قتله، من حق الدفاع العلني·· إنها محاكم صورية وفرق إعدام!

لقد أصبح ما حدث واضحاً، فحين يقتل أناس من ذوي البشرة الصفراء أو السوداء أو البنية، من ذوي الأيديولوجية الشيوعية أو الإسلامية أو القومية، سجناءهم أو يمسحون قرى بأكملها بهدف قتل أعدائهم أو ينشئون محاكم فرق الإعدام، فيجب التنديد بهم من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والعالم “المتحضر”· فنحن أسياد حقوق الإنسان، ونحن الليبراليون ونحن العظماء والطيبون ونحن فقط المؤهلون لوعظ الجماهير المسحوقة حول قضايا مثل حقوق الإنسان والقيم الأخلاقية· ولكن حين يُقتل مواطنونا وحين تدمّر مبانينا، فإننا نمزق كل الوثائق ذات الصلة بحقوق الإنسان ونرسل بطائرات “بي - 52” في اتجاه الجماهير المسحوقة ونبدأ بقتل أعدائنا·

موقف تاريخي

لقد اتخذ وينستون تشيرشل رؤية بوش لأعدائه، ففي عام 1945 كان يحبذ الإعدام المباشر لزعماء النازية· وعلى الرغم من حقيقة أن مساعدي هتلر كانوا مسؤولين عن مقتل 50 مليون إنسان على الأقل - أكثر من 10 آلاف شخص أي أكثر من عدد ضحايا 11 سبتمبر - فقد منح القتلة النازيون محاكمة عادلة في نورمبيرغ بسبب موقف تاريخي مميز اتخذه الرئيس الأمريكي (آنذاك) هاري ترومان، الذي قال إن “من شأن تنفيذ إعدامات أو عقوبات عشوائية دون أدلة تدين المذنبين لن يكون لها وقع سهل على الضمير الأمريكي ولن تذكرها أجيالنا المقبلة بفخر”·

إن أحداً ينبغي ألا يفاجأ لأن الرئيس بوش الذي نفذ الكثير من الإعدامات خلال فترة ولايته القصيرة كحاكم لتكساس، لم يفهم الروح الأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها حاكم البيت الأبيض· ولكن الأمر الأكثر إثارة للصدمة أن زعماء أوروبا من أمثال بلير وشرويدر وشيراك وغيرهم من العاملين في شبكات التلفزة الغربية، لاذوا بالصمت حيال عمليات الإعدام التي ننفذها في أفغانستان وعشرات القوانين التي تذكرنا بالقوانين التي كانت سائدة في أوروبا الشرقية إبان الحقبة الشيوعية، خلال الفترة التي تلت الحادي عشر من سبتمبر·

إن ثمة أشباحاً تذكرنا بعواقب عمليات القتل التي تقوم بها الدول· ففي فرنسا خرج جنرال سابق في الجيش إلى العلن ليعترف بممارسة التعذيب والقتل ضد مواطنين جزائريين أثناء حرب الجزائر 1962 - 54 لأنه أشار إلى تلك الأفعال بأنها “قيام بالواجب له ما يبرره تمت دون سعادة أو أسف”· وفي بروكسل، تجري محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون “لمسؤوليته الشخصية” عن مجازر صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين  1982·

لامع طالبان ولا مع بوش

صحيح أن طالبان مجموعة من الأوغاد القساة· لقد ارتكبوا معظم مجازرهم خارج مدينة مزار الشريف في أواخر التسعينات، وأعدموا النساء في أحد “استادات” كرة القدم في كابول·ودعونا نذكر بأن هجمات 11 سبتمبر كانت جريمة ضد الإنسانية·

ولكن تظل هناك مشكلة· فالرئيس جورج بوش يقول للعالم “إما أن تكونوا معنا أو ضدنا” في حرب المدنية ضد الشر· حسناً، فأنا واثق من أنني لست مع بن لادن، و لكني لست مع بوش أيضاً· إنني ضد “حرب المدنية” الكاذبة والعبثية والوحشية، التي تشن في أفغانستان باسمنا الآن· وهي الحرب التي حصدت من الأرواح أكثر مما حصدته جرائم نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر·

وفي هذه اللحظات لم أستطع أن أمنع نفسي عن التفكير في الميدالية التي ورثتها عن أبي عن مشاركتي في الحرب العالمية الأولى بالرغم من أنه كان يجاهر بمواقفه المناوئة للحرب والتي كتب عليها من الخلف عبارة: “الحرب العظيمة من أجل المدنية”· ربما يتعين عليّ أن أبعث بها إلى جورج بوش·

اندبندنت

طباعة  

أكد أن كويتياً باسم “خالد البلوشي” ضالع في تفجير السفارتين
ابن شقيق رسول سياف: ابن لادن أراد تولي زعامة أفغانستان

 
كيف امتزج الإسلام بالسياسة؟