بالنسبة الى الثوريين (في الولايات المتحدة) جاءت الصرخة المنادية في الثامن من سبتمبر من عام 1999· ففي خطبة سياسية ألقاها إبان الحملة الرئاسية، صاغ جورج بوش رؤية بشأن القوات المسلحة الأمريكية تلقي جانبا خطابة الحرب الباردة بشأن القدرة العسكرية التقليدية·
فقد دعا بوش، بعد أن اقتبس صفحة من كتاب “ثورة في القضايا العسكرية” الى تركيز أقوى على التكنولوجيا الخفية، والأسلحة القاصفة الدقيقة والدفاعات ضد الحرب المعلوماتية، لا على الدبابات والسفن التي كانت تلزم للدفاع ضد هجوم سوفييتي· فقد أكد أن “الطريقة الأفضل للمحافظة على السلام هي إعادة تكوين صورة الحرب وفق شروطنا” ووعد بتزويد “البنتاغون” (وزارة الدفاع) بما يلزم لخوض حروب المستقبل·
المستقبل جاء مبكرا في 11 سبتمبر· فالهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن انتزعت البنتاغون من النقاشات النظرية بشأن طبيعة ومهمة الجيوش الأمريكية· والنقاشات البيزنطية صارت نقاشات واقعية بسرعة· فالأهم بالنسبة الى البنتاغون، وهو المعارك السياسية بشأن الإنفاق العسكري، قد حدث وهو أن هذه المعارك انزاحت من طريق إجماع لدى الحزبين على فتح الخزانة وتقديم ميزانية عسكرية أعظم·
على نحو ما تعلمت أمريكا بطريقة قاسية، فإن ترسانة عملاقة تكلف ثلث تريليون دولار سنويا لا تنفع في محاربة أعداء يتحاشون ميادين المعارك التقليدية ويستغلون نقطة ضعف الأمة - أي الاستفادة مما يسمى الحرب غير المتكافئة - وقد أوضح اندرو كريبينيفيتش من “مركز التقويم الاستراتيجي” وهو حوزة فكرية دفاعية أن “أحدا لا يرغب في بناء قوة جوية يمكن أن تقاتل القوات الجوية الأمريكية· إذ يمكنك أن تقضي 20 أو 30 سنة ولا يمكنك أن تحقق ذلك· لكن يمكنك أن تقضي عشر سنين تشتري الصواريخ وتبقي القواعد الجوية في خطر· إنه حل سهل لبلدان لا تملك كثيرا من الأموال”· والحرب غير المتكافئة هي طبعا استراتيجية قديمة من عهد داوود وجوليات، غير أنها تغدو الوجه الجديد للمعركة·
في السنة 2002، سيحاول وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد تنفيذ خطبة بوش الثورية وتزويد الجيش بما يلزم ميدان الحرب الجديدة· في “المراجعة الدفاعية الأربعية” الصادرة في أكتوبر الماضي، أرسى رامسفيلد أرضية للتحول، لكنه يواجه قرارات يصعب اتخاذها· وينبغي عليه أيضا أن يتصارع مع ما يسمى “المثلث الحديدي” أي المدافعين في الكونغرس والجيوش وفي صناعة الدفاع الذين يريدون حماية برامجهم من خفض الإنفاق·
ذاق رامسفيلد طعم الصراع المقبل عندما قرر خفض أسطول الولايات المتحدة من طائرات “بي -1” التي صنعتها الولايات المتحدة في الحرب الباردة لمهاجمة الاتحاد السوفييتي· فمعظم الناس في الجيش يوافقون على أن افتقار طائرات الـ “بي - 1” الى تكنولوجيا التخفي يجعلها ضعيفة التسلح لمعارك المستقبل، غير أن قرار رامسفيلد جر عليه انتقادات أعضاء الكونغرس الذين تؤوي مناطقهم قواعد هذه الطائرات· وفي مكان طائرات الـ “بي - 1” من المتوقع أن تساند وزارة الدفاع خطة لإنتاج طائرات جيل جديد مثل طائرة “إف - 22” ومقاتلة الضربة المشتركة وهي طائرة ثمنها 35 مليون دولار يمكن أن تتزود بها القوات الجوية والبحرية والمارينز·
الاستراتيحية الدفاعية الجديدة تضع تركيزا استراتيجيا أعظم على آسيا، ووزارة الدفاع ستعمل بناء على ذلك على تقوية وجودها في المنطقة· وينوي رامسفيلد نقل قوات بحرية من البحر الأبيض المتوسط الى غرب المحيط الهادئ حتى تكون أقرب الى بلدان مثل الصين وكوريا الشمالية· وإذا كان وزير الدفاع تجاهل اقتراحات لإلغاء مجموعتي حاملات طائرات لدفع كلفة سفن أكثر تطورا تكنولوجيا، فإن البحرية تعمل على تعديل بعض الغواصات وتصمم سفن سطح جديدة يمكنها أن تهاجم سواحل العدو بنحو 150 صاروخا من نوع “كروز”·
بين جميع صنوف الأسلحة هذه، يخضع الجيش لأقسى عملية تحول، ذلك أن سقوط جدار برلين أدى الى حدوث أزمة وجودية بالنسبة الى الجيش الذي بقي مبنيا خلال 40 سنة بصورة تجعله يقاتل في سهول أوروبا· وبعد عقد من سقوط جدار برلين، أخذ الجيش يتحول نحو بناء ألوية أخف وأسرع تحركا يمكن نشرها في أي مكان من العالم في غضون 96 ساعة، وفيالق كاملة يمكنها تغيير أماكن انتشارها في غضون 30 يوما· أما جهود التحول في الجيش فسوف تزداد وتيرتها في السنة 2002 عندما يكون أول لواء متحرك جاهزا للعمل في السنة التالية·
غير أن أفضل أسلحة البنتاغون سيتراجع الى الخلف بالنسبة الى مطامح إدارة بوش الأكثر كلفة والأبعد تطلعا: نشر نظام مضاد للصواريخ· فالدفاع الصاروخي الاستراتيجي غايته التصدي لضربة محدودة من دولة “مارقة” مثل كوريا الشمالية أو العراق· ومعاونو بوش لم يقدموا بعد تفاصيل بشأن صورة هذا النظام وإن كان يشمل على الأرجح صواريخ اعتراضية تنطلق من قواعد أرضية وسفن حربية وطائرات تحلق على ارتفاعات عالية فوق أراضي العدو· وكل ذلك ذو كلفة ثقيلة: فالبعض يقدرها بـ 200 مليار دولار· أما الميزانية الدفاعية لكل سنة 2002 فهي 344 مليار دولار·
ما يبقى هو معرفة ما إذا كان هذا النظام يعمل· فحتى الآن أجرت وزارة الدفاع تجارب بدائية لـ “إصابة طلقة بطلقة”، لكن المحاولات الاعتراضية الناجحة الوحيدة جرت بفضل جهاز تسديد في صاروخ توجيه يرشد الصاروخ الاعتراضي الى هدفه· وعلى سبيل الافتراض، يستهدف ذلك كوريا الشمالية والعراق تحديدا· وفي عام 2002 ستبدأ وزارة الدفاع ببناء موقع صواريخ اعتراضية أرضية في آلاسكا وتسريع الجدول الزمني للتجارب·
غير أن الاندفاع نحو بناء درع صاروخية يعوقه خصمان قويان: الروس والديمقراطيون· فمعاهدة الدفاع المضاد للصواريخ لعام 1972 تحظر الدفاع الوطني الصاروخي· والحكومة الأمريكية يتوجب عليها أن تقيم توازنا حساسا من أجل الخروج من المعاهدة من دون تنفير روسيا· أما بالنسبة الى الخصوم الداخليين وأعضاء الكونغرس الديمقراطيين فهؤلاء سيقتنصون أي فرصة لخفض ميزانية هذا البرنامج الذين يسميه كثيرون “درع الأحلام”، وقد حددت إدارة بوش عام 2004 موعدا لنشر نظام صاروخي دفاعي بدائي· وهذا وقت مثالي حين يسعى بوش لإعادة انتخابه·
(الايكونوميست)