السيد عاطف سعد
بدرية العارف
في الصباح الباكر جلس خلف المقود بسيارته الأمريكية الفخمة يحس بالراحة وهو ذاهب الى مقر عمله ويحمد الله كثيرا لأن عمله ينقذه من البيت ومطالب الزوجة وصراخ الأطفال· في العمل يمسك بالأعمال كلها، وهو مسؤول بصورة مباشرة عن كل شيء، كل الأوراق تصب في مكتبه، وكل الموظفين· موظفوه يراجعونه ويسألون رأيه ويأخذون منه التعليمات بالحرف·· مركزية؟ لا·· لا·· وإنما فقط إحساسه بالمسؤولية هو الذي يحتم عليه كل هذا الحرص· كما أن علاقته بموظفيه علاقة ممتازة فهم كلهم قريبون منه يحدثونه بكل الأمور العامة والخاصة حتى أمورهم العائلية والشخصية ومشاكلهم·· نعم يسألونه المشورة وهو لا يبخل عليهم بأي شيء، نعم·· إنه الرئيس والصديق بالوقت نفسه· ابتسم براحة وهو يقترب من مقر عمله·
حتى ذلك اليوم··
أقبلت عليه معرفة نفسها: لمياء عبدالعزيز، الموظفة الجديدة·
نظر إليها بارتياب وأجاب بهدوء: أهلا·
لم يطلب منها الجلوس كعادته مع الموظفين الجدد اكتفى باستلام الملف منها· فكر موظفة جديدة؟ هذه من المرات القليلة التي يتم فيها تعيين موظف جديد في المؤسسة، دون أن يقابله هو شخصيا ومن دون الحصول على موافقته لربما كان في إجازة خارج البلاد·
امرأة في الثلاثين من عمرها رشيقة القوام صوتها فيه بحة لم تعجبه نظر للأوراق·· ما مؤهلات هذه المخلوقة إضافة لشكلها؟ درجة الليسانس بامتياز·· هه·· فكر، بالتأكيد أخذت الامتياز لشكلها فقط! وماذا أيضا·· ماجستير محاسبة “امصيبة!”
لم يستطع منع إحساس بالكآبة أثقل عليه· أغلق الملف·· وشرد قليلا ثم استدرك وفتح الملف على عجل الحالة الاجتماعية·· آه غير متزوجة·· مصيبة! ماذا يعني وجود امرأة لا أحد يقول جميلة، ولكنها بحركاتها التي تقوم بها تلك·· ستكون مغرية· من هذا المغفل الذي اعتمد تعيينها في أثناء غيابه في الإجازة؟ ستؤذي الموظفين وتبلبل عقولهم نعم، ستكون هناك مقاييس أخرى للعمل لا للكفاءة والتفاني، اللذين يحرص عليهما·· ويعمل على ترسيخهما طوال هذه المدة، وإنما سيكون هناك معيار آخر·· قد يكون الإغراء·· الجنس حتما ستقلب المؤسسة رأسا على عقب·· ما هذه المصيبة التي حلت عليهم؟ دخل عليه أحد الموظفين وهو غارق بأفكاره
- أبو سعد؟
اعتدل في جلسته كمن ينفض غبارا·
- نعم
················
لم يستطع عاطف سعد أن ينعم بنوم هادئ في تلك الليلة، حيث بدا وجه الموظفة الجديدة يطارده وينغص عليه منامه· استمر هذا الوضع في الليالي التالية·· كانت تأتيه في المنام تلبس ملابس خليعة·· قصيرة وفاضحة·· نافشة الشعر كالساحرات·· مع كثير من الماكياج على الوجه وتقوم بأوضاع مخلة بالآداب· صورتها كانت تأتيه دائما بصورة استفزازية تنظر له عميقا في عينيه ثم تسخر منه بابتسامة صفراء·
أصبح يقوم متأخرا وفقد ذلك الحماس الصباحي وهو يجلس خلف مقود سيارته الأمريكية·· كعادته متجها لمقر عمله·
في إحدى الليالي، أتته في المنام وهي لابسة الدشداشة الرجالية، وتضع الشماغ الأحمر، ممسكة بيدها سيجارة طويلة نظر إليها مستغربا·· وعندما زجرها على تصرفها ذاك، أخرجت له لسانها الأحمر كالحية· هب من نومه فزعا مخافة أن تلدغه الحية· وفكر والعرق يتصبب منه، يا الله متى أتخلص من هذه الكوابيس الليلية؟ في صباح اليوم التالي، طلب على إثرها ليتحقق من كونها إنسانة وليست تلك الحية الشريرة· دخلت مكتبه بخفة وتراءت له بابتسامة مصطنعة، نظر إليها·· كانت تضع أحمر شفاه قانياً، ذكره بجرح قديم لم يطل معها الحديث إذ أحس بالدنيا تضيق عليه وتقطعت أنفاسه·
الكثيرون لاحظوا عليه هذا التغيير والتعب، سألته زوجته عن السبب في ذلك فتعذر بكثرة أعباء العمل حتى موظفو المؤسسة يحس أن بينهم تساؤلا عن أحواله الطارئة·· ولكنه لن يدع لأحد أن يخرب عليه عالمه·· ونظامه الذي ابتدعه بنفسه سيقوم بجولته الصباحية ويتفقد سير العمل وسيرى بنفسه جو الاحترام الذي يسود علاقات العمل ويجب أن يستمر النظام كما كان دائما نظيفا لا لمز فيه ولا غمز ولا نظرات حارة تتنقل من هنا وهناك· صحيح أن الجميع شهد لها بالأخلاق الحسنة ولكنه لا يصدق·· من يدري؟
يجب أن يرجع موظفيه كما كانوا بالسابق لن يقول ملائكة لكنهم رجال أي نعم·· والله لولا تلك السوسة التي نخرت كل شيء فكادت المؤسسة تفسد· فكر بإصرار يجب أن أنقذ العمل في المؤسسة·· الموظفون·· أصدقائي الأحباء ·· يجب·· يجب أن تترك الموظفة الجديدة المؤسسة وأن تخلي الساحة·· له! ظل لفترة يفكر بعصبية·· والعرق يتفصد من جبينه· وأتته فكرة جهنمية· وأحس بالراحة· أمسك بالقلم·· يوقع خطاب إقالتها·