بقلم: عباس منصور
الوجود حيوات متعاقبة، أدناها التي نعيشها من الميلاد الى الموت ولذا فهي الحياة الدنيا، وهذا طيف من معانيها: “إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون”· (24، يونس)·
على ربنا قصد السبيل، وسبيلنا الآن مغروس بالعجمة والجهالة، وكلما أوقدنا عبارة حاصروها بسيمياء الكهنة في القرية الإلكترونية حيث ومضة “الإنترنت” أقبح من العملة، وحيث الحسد لم يعد محرضا على العرفان بل محض غريزة عمياء في لجة المسعى·
الحياة الدنيا ما هي في منظور خالقها سوى هشيم تذروه الرياح·· بينما هي مقتلة ومظلمة وغاية في نظر السواد الأعظم ممن اصطفاهم الخالق لخلافته فيها·· فهم يتشبثون بالكذب ويتمسكون بالرذيلة ويدّعون التطور والتحرر والتفوق على أجدادهم السالفين منذ آدم وحتى الآن·· فحضارتهم غير مسبوقة في الكرامة والرفاهية والعدل وسيادة قيم الإنسانية!! وهكذا يزخر الأفق الإلكتروني الحامل لرسالتهم التي لا تنفك تطارد المنبوذين واللامتأقلمين أمثالي مع سياق العولمة وأكاذيب الرفاهية وضرورة استفادة الجميع ورفاهيتهم من هذا السياق!!
نعم البشرية في قمة حضارتها الآن! ولا يهم إن اشتعلت حرب الماس في أفريقيا لتخرج غالبية سكانها من سياق التاريخ وتقرب بينهم وبين أجدادهم الأوائل في وسائل العيش·· ولا بأس إن اندلعت حروب النفط على خليج العرب لتقصي بأكبر شعوبها بعيدا عن المدنية وأبسط الحقوق الإنسانية، ولا مانع كذلك إن تفجرت الحروب الدينية على أرض أفغانستان لتدشين الشكل الجديد لحروب المستقبل في ظل هيمنة العولمة بعدما أبادت عشرات الآلاف من وسط أوروبا في الحرب وألبانيا تحت وطأة الذرائع العرقية والدينية ثم حملها ميلوسوفيتش أمام المنصة العولمية للعدالة الدولية في لاهاي!!
أعتقد أن السياق العولمي لن يسمح بعد الآن لأحد - أو حتى لنفر من الناس - أن يعتقد ما يشاء وأن يسعى كما يريد في اتجاه تحقيق معتقداته·· وبوضوح أكثر لا يرى العولميون مبررا لقيام مجموعة من الناس - مسلمين مثلا - في الانضمام لمؤازرة وتقديم العون بكل أشكاله لمجموعة أخرى مثلهم في بقعة ما من العالم·· فهذا الإله الدموي الذي يحرض على القتل والعنف في إعادة البشر الى جادة الصواب لا ضرورة له على الاطلاق وهذا الإله الحاسم في التعامل مع أتباعه بضرورة إقامة الحدود من القتل وحتى “التجريس” العلني مرورا بالجلد وقطع اليد والصلب على جذوع الأشجار·· هذا الإله الحاسم في تطهير أتباعه لا ضرورة له على الإطلاق ومجتمع البشرية في إطار العولمة لن يسمح له بالنفاذ··
إن مأزق البشرية التي ترى نفسها تحت الأفق العولمي المسيّج بالإلكترون ومنجزات تفتيت الذرة أنها لا تعترف بالاختلاف ولا تقر به وهذا جوهر دمارها ودليل بؤسها·
عليك أن تصدق بأن الجميع - جميع الناس - في كل بقاع المعمورة يمكنهم الاعتماد على الحكومات الإلكترونية والسوق الإلكتروني حتى وإن نظرت حولك وتعثرت نظراتك وأرجلك في متاهة الجثث والسجون تحت رغبة حكام يورث بعضهم بعضا أبشع الإنجازات في القهر والتهميش وكيفية التعامل مع قوى المعارضة المستقبلية المحتملة!!
عليك أن تؤمن بأن العولمة بمقدورها تأمين تاريخ بلا حروب ولا مآسِ إنسانية كاسحة حتى وإن تعثرت في تلال المخدرات التي تنشط حروبها في أمريكا اللاتينية أو حتى تملكت دولة عنصرية يعتقد شعبها حسب كتب أنبيائهم أن الله خلقهم ليقودوا البشرية وليس غيرهم من شعوب الأرض مؤهلا لحمل رسالة السماء تلك·· لا يهم إن تملك شعب كهذا من عناصر الدمار والإبادة ما يكفي للقضاء على الحياة والأحياء في قارتي آسيا وأفريقيا·· لا يهم لو صار بمقدور إسرائيل إبادة العالم ما دامت تؤمن بالعولمة·· وهنا سأقول لماذا ينحاز الغرب الى إسرائيل دون العرب·· السبب باختصار لأن ديانة إسرائيل محصورة في نسل إبراهيم وذريته من أرحام نساء إسرائيليات تحت رجال من النسل نفسه ولا أطماع لديهم في العالم خارج الأرض المقدسة التي تعج كتب أنبيائهم بحثهم ألا يفرطوا فيها·· أعني أرض الفلسطينيين بعد عبور نهر الأردن إليها بينما العرب أصحاب ديانة تصرح علانية بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين·· وكل البشرية حسب المنظور الإسلامي مدعوة للدخول في الإسلام وكل مسلم لا يكتمل إيمانه حتى يدعو غيره من غير المسلمين للدخول في الإسلام·· هنا مكمن الخطر في الإسلام الذي لا نظير له في أي ديانة أخرى سماوية كانت أو وضعية·· حتى وإن تعايش حكام المسلمين وعلماؤهم منذ فترة طويلة خارج هذه الدائرة·· إلا أن التاريخ الإسلامي لا يعدم من خروج مجموعات على فترات متباعدة تتبنى ذلك المفهوم طالما جذوره في عمق الرسالة الإسلامية وما بن لادن وغيره إلا تعبير عن هذا الصدام الصارخ بين معتقدات رسالة سماوية وبين حرية الآخرين في ممارسة عيشهم تحت مبدأ حرية الاختيار والمسؤولية الفردية في العقاب والمآل·
تحت سماء الأفق الإلكتروني معلومات لا حصر لها ودفق لا ينتهي من الأفكار والأخبار والبيانات والسير·· لكن هل مجرد معرفة ذلك يدخل العارف بها الى ذلك الحيز·· بالطبع لا، فالمشكلة تتعلق بالقدرة على الحوار وإثارة الأسئلة·· ضمن منظومة في المعرفة بإمكانها توظيف ذلك الزخم المعلوماتي في كل ما هو خير ونافع ومفيد·· لذا فالأمية واردة جدا بالرغم من التعرض لهذا الزخم المعلوماتي إذا كان الأمر في نطاق الفرجة وتكديس المعلومات دونما سبيل للإفادة منها وهذه حالنا الآن·
من المنبوذين فصيل لا يقر قراره حتى يأخذ بالثأر·· ممن؟!· من الوجود الضاغط على مزاجه وذائقته·· فهم كادحون الى ربهم كدحا غير مردود العاقبة·· وهم يبهضهم الإحساس بوطأة ظلالهم التي تترصد خطاهم بينما هم ينظرون وراءهم بين حين وآخر في غاية الاحتقار والغضب!!
ومن المنبوذين فصيل لا قرار لهم إلا في السجون أو في ظلمات الفقر والاغتراب بين كثير من خلق الله نظرا لاختلاف مفردات الحياة لديهم عما لدى العولميين من حولهم أو من سار في ركابهم عمدا أو عن حسن نية·