وفاء لذكرى أحد أهم مؤسسيها وروادها الأوائل، أقامت رابطة الأدباء حفل تأبين للراحل خالد سعود الزيد، حضره جمع كبير من أصدقائه ومحبيه وتلامذته، وشخصيات نيابية وسياسية مثل الأستاذ جاسم القطامي وعبدالله النيباري وعبدالمحسن تقي مظفر وأحمد الربعي· قدم فقرات الحفل طالب الرفاعي·
وجاء في كلمة أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب د· محمد الرميحي نيابة عن وزير الإعلام: إننا نقف اليوم وقفة وفاء لنتذكر “القيمة والقامة”·· “الرجل والعمل” معا·· قيمة الرجل في عطائه وإخلاصه للحركة الأدبية والشعرية والنقدية في الكويت، وقامة الرجل العالية بفضل ريادته وجهوده الثقافية الملموسة، التي يعرفها أدباء الكويت ونقادها ومفكروها، كما يعرفها المنصفون من نقاد الأدب العربي، لما كان له من أياد بيضاء وإسهامات كبيرة في مختلف الأنشطة الثقافية سواء في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي شارك في لجانه المختلفة بهمة وفاعلية أو في أثناء توليه الأمانة العامة لرابطة الأدباء بالانتخاب في عام 1967 وتأسيسه لمجلة “البيان” التي صدر العدد الأول منها في شهر أبريل عام 1966، والتي ترأس تحريرها عدة مرات، الى غير ذلك من المناصب والمساهمات الثقافية والإبداعية الأخرى التي حققها بجدارة على مدى حياته المثمرة بالعطاء·
وقال لقد ظل الأديب الراحل خالد سعود الزيد يؤدي دوره الريادي في نهضة الكويت الثقافية طوال ستة عقود مضت من عمره الحافل بالعمل الجاد، من خلال تشجيعه لأدباء وشعراء وكتاب كويتيين وعرب، بعضهم موجود هنا معنا الآن، ولا يزالون يشيدون بجهوده الثقافية الطيبة، ويعترفون له بالفضل الكبير في الأخذ بأيديهم حتى أصبحوا اليوم رموزا وعلامات فارقة، وقامات شعرية ونقدية وأدبية مضيئة في سماء الأدب العربي منطلقين من الكويت للمساهمة في أدب أمتهم العربية وإبداعها·
وفي كلمته التأبينية أشار أمين عام رابطة الأدباء عبدالله خلف الى الدور الكبير الذي قام به الراحل الزيد في خدمة الوطن وأبناء الشعب من خلال توفيره لهم المادة البحثية القيمة التي ترصد تراث وثقافة البلد “أدباء الكويت في قرنين” في وقت كان الباحثون في أمس الحاجة الى مثل هذه الموضوعات الغائبة عن المكتبة العربية·
كما شارك سعود خالد الزيد ممثلا أسرة الفقيد في كلمة جاء فيها: “وأنا إذ أقف اليوم بينكم على المنبر نفسه الذي طالما وقف عليه والدي ينشدكم بعضا من نفثاته الشعرية، كأنني أسمعه الآن وهو يلقي بصوته المجلجل إحدى قصائده في مدح سيد البرية الرسول الكريم”، مستطردا بأن شهادته في والده لم تزل مجروحة، قائلا: “لا أستطيع أن أقول إلا ما أنتم أجدر مني في الحديث عنه”· ثم تقدم نيابة عن أسرته بالشكر الجزيل الى الشعب الكويتي والإخوة العرب نتيجة لودهم وكلماتهم الصادقة والمؤثرة في عزائهم للوالد الراحل، كما شكر رابطة الأدباء على هذا الحفل التأبيني، حامدا الله الذي شرفه بأب كالأديب والمؤرخ والشاعر خالد سعود الزيد·
الدكتور خليفة الوقيان كانت له مشاركة مؤثرة من خلال قراءته لأربع قصائد للزيد “قمم وهمم” “أبو حامد الغزالي”، “الشهيدة أسرار”، “اللقاء عبر حرف محلق”·
كما شارك النائب أحمد الربعي بكلمة عدد فيها مآثر الفقيد، مستشهدا بمقاطع شعرية مليئة بالتأسي وجلل المصاب المفاجئ بالفقد·
وكان للشاعر عبدالرزاق العدساني قصيدة رثاء ألقاها نيابة عنه الشاعر خالد الشايجي جاء فيها:
ما للغرابة فيما حل من عجب
ولا الممات به شيء من الكذب
أفراح زائلة أحلام عاجزة
في قبضة الحزن لا في قبضة الطرب
فالكل في هلع والكل في شجن
والكل في تعب والكل في شجب
لا ضاحك فرح أو نادب حزن
وما أرى أحدا بالهم لم يصب
الناس زرع وهذا الموت حاصده
والنفس من أرب تدعو الى أرب
نفس غشاها من النسيان ما علمت
لا الشهب نالت ولا ردت عن النصب
في كل يوم يرى الإنسان ميتته
أغيار شكل بذي الأجسام عن كثب
دنيا تغيرها والروح باقية
في مأمن ما لها باللهو واللعب
ذهابها كيف كان العمر فاجعة
لا الويل يذهبها أو حرقة الحرب
حـوار شــعري
كان للشاعر د· سعيد شوارب مشاركة متميزة، إلا أن تزاحم محبي الفقيد خالد سعود الزيد، بأوراقهم، وكلماتهم، وقصائدهم في برنامج الحفل، حال دون هذه المشاركة الحوارية الشعرية المفعمة بالذكري، وهذا نصها:
ليس ما ترونه الآن كلمة في تأبين أخي العزيز خالد سعود الزيد يرحمه الله، وليس قصيدة في هذه المناسبة أيضاً·· أبوسعود عندي معنى تغمره روح النهر، فأنا ماأكاد أتذكره حتى تنهض صحراء روحي نخيلاً·· كانت روحه شديدة التأثير في روحي·· قلت له مرة، إن بلداً ليس فيه خالد سعود الزيد، هو كالبلد الذي ليس فيه كتاب·· كان رحمه الله عاصمة كبيرة من عواصم الثقافة الكويتية· اختار لها القدر، أن تموت والكويت عاصمة كبيرة من عواصم الثقافة العربية لهذا العام 2001·
سيتوقف النقد العربي عند محطة شهيرة للشعر الجميل والتأليف الرصين، اسمها خالد سعود الزيد، وترتفع عندها القامة الكويتية، وهو بذلك وأنت عزيزي القارئ مستغنون عن كلام مثلي في هذه المناسبة، ولكني سأطلعك على ما لا يعرفه غيري من خبركان مع خالد سعود الزيد يرحمه الله وينزله منازل الصالحين·
كان ذلك مساء الثالث والعشرين من أبريل عام 1993، كنت قد فرغت لساعتي من قراءة ديوانه “بين واديك والقرى”·· طلبته على الهاتف وبادرته قبل أن أعرف نفسي:
بين واديك والقرى
قد جرى الحب أخضرا
روضة شاق لحنها
وُقّع الطير والورى
فأجاب·· شوارب!! فرحت بسعادته·· صمت هنيهة، وقال:
ليت لي مثل ريشه
فأرى منك ما يرى
قد رأى منك شاعرا
عرف الحب فانبرى
بادرته·· هذا كلام لابد من أن يسجل·· انتظر، فذاكرتي مثقوبة·· قال سجل واطلبني·· سجلت على الترتيب، ثم كتبت بعدها:
إنني منك بلبل
شاقه الشدو في الذرا
هزه الشعر سلسلا
في بنانيك فاجترا
أحرف قد تطهرت
عند نبع تطهرا
حين مسب بصيرتي
لست تدري بما جرى
أصبح الحرف في دمي
عاشقاً هدَّه السرى
وجد العمر مهرها
والأماني فاشترى
عدت إلى طلبه على الهاتف، فبادرته بالأبيات فقال تأخرت في الاتصال حتى تتجنب المبارزة·· أجبت طبعاً! فقال على التو وحروفه تفيض سعادة:
المعاني بهاتفي
قد تفجرن أنهرا!
فأجبته على الهاتف:
إنها النار سيديأاحرقت “قيس”·· ما درى
فأجاب:
كيف للنار أحرف
قد تقطرن سُكَّرا
فتقطع صوتي، أطالبه بأن نكتب، فذاكرتي مثقوبة، فقال:
سجل واطلبني·· فسجلت، لاهثاً أو كاللاهث ثم كتبت:
كيف حلوى وسُكَّر
دون نار؟ أما ترى
نار موسى تباركت
ناره إذ تنوّرا!
مسّ ما مسّ من دجى
كان أعمى فأبصرا
أخذه الطرب رحمه الله ما أخذه·· ثم عاد من صمتة لم تطل، فقال اكتب·· فكتبت وهو يملي:
عجب من شوارب
صرن بالحلق اشعرا
ان لي منك هاتفا
ومساء معطرا
فأجبته على الفور:
سيدي ألف سيدي
لست تدري بما جرى
من أمانيَّ ساعة
بين واديك والقرى!
ضحك وضحكت وفرحت وفرح·· ثم قال:
اقرأ عليّ المكالمة كلها·· فقرأت النص حتى انتهيت إلى آخره ثم قال: هو لمن اذن هذا النص؟ فقلت: إنه كالطفل الذي يولد في الطائرة يحمل جنسيتها، فقال ضاحكاً إذن فهي بنت وزارة المواصلات الكويتية!
رحم الله الشاعر خالد سعود الزيد وأنزله منازل الصالحين!