· أحداث 11 سبتمبر قد تفك التحالف بين الغرب والأنظمة الدكتاتورية
· طالبان وبن لادن ليسا حالة معزولة، بل تجليات لظاهرة سياسية واجتماعية معقدة
· البترودولار موَّل 750 مدرسة دينية في باكستان والهند
· لا يمكن هزيمة الإرهاب إلا بالديموقراطية وتصحيح الأخطاء التاريخية التي ارتكبها الغرب بحق العرب
بقلم: سعد محيو
إذن، ما الذي تحمله الأيام بعد انتهاء حركة طالبان وأسامة بن لادن؟ ربما المزيد من أمثال طالبان وأسامة بن لادن· هذه هي الحقيقة المحزنة التي تحمل لنا الصدمة التي يجب علينا مواجهتها· فهي ستحدث بمعزل عن كل البهرجة المحيطة بالانتصارات العسكرية الأمريكية في أفغانستان وكل الإنجازات الأخرى على صعيد ما يسمى بالحرب على الإرهاب· لماذا؟ لأن طالبان وأسامة بن لادن لا يمثلان حالات معزولة بل تجليات لظاهرة اجتماعية - سياسية معقدة ومرشحة للاستمرار·
وتنطوي هذه الظاهرة بالأساس، على الاستغلال غير الأخلاقي وعديم الضمير واللاديني للإسلام كسلاح سياسي، من قبل الجميع· فالدول الغربية والولايات المتحدة والدكتاتوريات العربية والإسلامية، كلها استخدمت سلاح الإسلام· وكلها الآن، تدفع الثمن الخاص بها بسبب ذلك·
فإبان الحرب الباردة كان من السهل حشد الإسلام السياسي في الحرب ضد الشيوعية، ومن السهل أيضا تبريره على أسس أيديولوجية· ومع ذلك، فإن ذلك الحشد للإسلام الذي ساعد في دق آخر المسامير في نعش الشيوعية من خلال إلحاق الهزيمة بالجيش الأحمر في أفغانستان، قاد الى كارثة، للشرق الأوسط أولا وللولايات المتحدة لاحقا، كما رأينا بشكل يدعو الى الصدمة في هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن دي· سي·
فسياسة استغلال الإسلام كأداة في الحرب ضد الشيوعية شكلت سببا حاسما في أن تهيمن على معظم دول العالم الإسلامي حكومات اتسمت بالجمود والسلوك غير الديمقراطي ولكنها مستقرة (كما كان يبدو) وموالية للغرب من جهة، والقوى التقليدية للإسلام السياسي على مدى النصف الثاني من القرن العشرين من جهة أخرى· وقد توِّجت إنجازات تلك السياسة بهزيمة خيار التحديث، أي تلك الحركات التي كانت تأمل تفادي الانحياز الى جانب الاتحاد السوفييتي (السابق) أو الولايات المتحدة من أجل تطوير مجتمعاتها وفقا للمعايير العلمانية وبوسائل ديمقراطية وإحلال النزعة القومية محل الإذلال الاستعماري والحركة الإسلامية المحافظة· وكان يطلق على هذه الحركات أحيانا، الناصرية نسبة الى الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الذي خاض صراعا ضد حركة “الإخوان المسلمين” لمعظم سنوات حكمه·
خواء أيديولوجي
لقد أخذت الحركة الناصرية بالأفول على مدى الثلاثة عقود التي انقضت على وفاته· فالتحالف بين الديمقراطيات الغربية والطغاة المحليين من أمثال صدام حسين خلال سنوات حكمه الأولى، أسفر عن نتيجتين: الأولى، القضاء على الانفتاح المحلي في العالم العربي والثاني، طمس أي فرصة لنشوء أي حركة قومية عربية ليبرالية كان يمكن أن تلعب دور الجسر للعالم الحديث· فربما كانت سلطة الدولة - في معظم الحالات - علمانية، لكن الأمل السياسي والقدرة على الحركة السياسية، ظلت في أيدي “ممثلي الله”·
وبعد انتهاء الحرب الباردة عام 89 وفي وقت كان العالم يسعى للحاق بمسيرة العولمة وقطع خطوات واسعة نحو الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، بدا الشرق الأوسط كما لو كان مدينة خراب، حيث المزيد من القمع والجمود الفكري والثقافي والمزيد من اليأس الاقتصادي والاجتماعي، والخواء الأيديولوجي الذي لم يكن بمقدور أو لم يسمح سوى للأصوليين بملئه، تحت اللافتة الديماغوجية المتمثلة بحماية الهوية والشخصية·
وقد استمر الاستغلال السياسي للإسلام، ولكن العدو أصبح ببساطة الشعوب الإسلامية نفسها· وقد تجسد ذلك في تمويل (البترودولار) لحوالى 7500 مدرسة دينية في باكستان والهند والعالم العربي، مدارس لا تعلِّم سوى الانعزالية والتخلف والعداوة·
لقد سعت دول استبدادية عربية وإسلامية، من خلال ترك الحقول التعليمية والثقافية في أيدي الأصولية الإسلامية، الى اكتساب الشرعية بثمن بخس وانتهازي الى أقصى درجة، أي ترك الجماهير جاهلة والحيلولة بينها وبين تحسين ظروفها السياسية والاقتصادية، وتركيز اهتمامها نحو الدار الأخرى (بدلا من الحياة الدنيا!)·
أين كانت الولايات المتحدة آنذاك؟ وأين كان الغرب؟
كانوا يمرحون مع الطغاة على شواطئ البحر المتوسط المشمسة· فطالما يتدفق البترول عليهم بأسعار جيدة، وطالما ظلت البترودولارات تعيد دورتها الى مصانع السلاح الغربية وطالما أن إسرائيل لا تتعرض لخطر حقيقي، لم يكن هناك سبب للتدخل في ما كان يفعله حلفاء الولايات المتحدة المعتدلين أو حتى غير المعتدلين، في شعوبهم·
لكن أحداث 11 سبتمبر غيرت كل ذلك· لقد فقدت الولايات المتحدة سيادتها· ففجأة وجدوا أن الأمن في شوارع واشنطن ونيويورك وبوسطن ولوس أنجلوس، مرتبط بشكل لا فكاك منه بالمناهج التي تدرّس في مدارس بيشاور ومزار الشريف والقاهرة والجزائر·
وفجأة رأينا النظام الإقليمي الذي غذّت الولايات المتحدة قيامه أثناء الحرب الباردة وتركته لأجهزتها بعد عام 89، يتحول الى جهاز تفريخ للصواريخ البشرية وموجة الهجمات الانتحارية التي استهدفت الولايات المتحدة ذاتها·
أخطاء تاريخية
والآن، فهناك حرب عالمية على الإرهاب، وبدأت هذه الحرب تؤتي ثمارها، فنظام طالبان الذي يعيش في عصر ما قبل التاريخ يتهاوى، وقطعت مصادر التمويل عن شبكات الأصوليين المتطرفين، وأسامة بن لادن ما زال مطاردا·
ومع ذلك، فإن الانتصار في حرب لا يعني تحقيق السلام· فلا يمكن كسب هذه الحرب حقا، إلا بكسب العقول والقلوب· ولا يتأتى ذلك إلا بتقويم الأخطاء التاريخية التي ارتكبها الغرب، بما فيه الولايات المتحدة بضرب قوى التحديث في العالم العربي ومن خلال تصحيح الخيارات المضللة بشكل ملفت، التي اتخذتها النخب العربية الحاكمة باستخدام الإسلام السياسي كوسيلة، للحفاظ على السلطة·
لقد كتب بنيامين باربر مؤلف كتاب الجهاد والعالم الغربي” Jihad VS Mcworld، مؤخرا يقول إنه في المدى الطويل، لا يمكننا هزيمة الإرهاب بمفردنا لأن العنف لا يمكنه هزيمة الخوف، بل الديمقراطية فقط هي القادرة على ذلك· ويبدو أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول يرى الأمور بمنظار مشابه·
ففي خطابه في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، والذي لاقى اهتماما كبيرا في الدول الإسلامية· فقد عبر باول عن تصوره لشرق أوسط تتوافر فيه فرص عمل تمكن الجميع من وضع الخبز على الطاولة وسقف فوق رؤوسهم والحصول على تعليم جيد· فلدينا رؤية لمنطقة يتوجه فيها الجميع لعبادة الله بروح من التسامح والتفاهم· ولدينا رؤية يصان فيها احترام خيارات الأفراد وحكم القانون وتتنامى فيها سياسات المشاركة بقوة أكبر”·
وحتى الآن، هذه مجرد وعود· وأنه لمن الصعب جدا إثارة التساؤلات بشأن احتمالات تنفيذها· فعلى مدى معظم القرن العشرين، ظلت البراغماتية الأمريكية المفرطة تميل إلى ممارسة الاهتمام قصير المدى بقضايا المنطقة، وهي البراغماتية التي ظلت تعتمد عادة على طغاة من أمثال صدام حسين على حساب مستقبل الشعوب العربية·
وعلى أي حال، فإن وعود الوزير باول وحدها قد لا يكون من شأنها، سوى توسيع الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها وهذا أمر إيجابي، فالأمركيون بدؤوا يدركون علي ما يبدو أن اتخاذ حلفاء غير ديمقراطيين - حلفاء يستغلون الإسلام السياسي لتحقيق أغراض ضيقة - هي سياسة، أقل ما يقال فيها، إنها مفلسة·
فالتركيز الذي أبداه كولن باول على الاحترام والكرامة ورفض الإذلال، وسع شقة الخلاف أكثر فأكثر (بين الأنظمة العربية وأمريكا)، لأن الكرامة الشخصية هي آخر الأشياء التي سمح بها الحكام العرب لمواطنيهم· وقد جعلت تأكيدات كولن باول، القضية أكثر وضوحا، وأظهرت أن الحلول التي وضعت في ظل جهل كل الأطراف بما فيها الولايات المتحدة، لم تنجح·
ومع ذلك، قد ينضم العالمان العربي والإسلامي الى تيار التحديث والعولمة، لأنهم والغرب ربما أدركوا أن لا خيار لهم· ومن خلال نافذة الأمل هذه ربما تكون ثمة إمكانية حقيقية لشفاء الجروح التي لحقت بروح هذين العالمين على يد أبنائهما· ولكن الى أن تتحقق هذه الوعود والرؤى على أرض الواقع، فإن المشاعر والمخاوف والكراهية التي تملكت حركة طالبان وأسامة بن لادن، ستظل حية بيننا لوقت طويل·
نيويورك تايمز