كانت أول رسالة فتحتها في بريدي الإلكتروني صباح الخميس الماضي هذه الرسالة التي برغم معايشتي اليومية ومتابعتي للأحداث الدامية في فلسطين، صدمتني وأصابتني بالحزن والقهر والغضب· وهي رسالة تحكي ما يجري من تعذيب وسحق لسكان قرية مسالمة وقعت منذ العام 1967 في قبضة الاحتلال الصهيوني وطغيان شارون الذي يسميه الرئيس بوش "صديقي والحليف السيد شارون القائد الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط" ولقد رأيت أن أشرك قراء “الطليعة” في قراءتها·
أحمد النفيسي
أصدقائي الأعزاء
اليوم تعلمت كيف يساق الإنسان إلى اليأس والإحباط الكامل وشعور بالانطحان الشديد· فقد عشت في هذه الظروف في فلسطين زهاء أربعة عقود لم تكن بمستوى السوء الذي هي عليه الآن· فاليوم بدأنا نعيش نوعاً جديداً من المعاناة في قريتنا الصغيرة· قرية وادي فقين التي يعرفها كثير منكم· فهي قرية صغيرة مسالمة يقطنها ما يقارب الألف إنسان· عاشت هذه القرية تفاصيل التجربة الفلسطينية منذ بداياتها الأولى في مطلع القرن الماضي وبشكل مستمر عبر إقامة دولة إسرائيل والسنوات الثلاث والخمسين الماضية· تاريخ قريتنا معروف لكثير ممن زاروها، لكنني أكتب لكم الآن حول آخر جريمة ارتكبت للتو بحق هذه القرية المسالمة الصغيرة· فاليوم ومع غياب الشمس قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بسد المنفذ الوحيد للقرية بكمية كبيرة من الحجارة والرمل· السد وضع بطريقة تحكم إغلاق القرية دون أدنى إزعاج لأقرب المستوطنات غير القانونية بالقرب من قريتنا· الطريق الوحيدة المؤدية إلى قريتنا لا توجد فيها علامة تدل على اسم القرية لدرجة أن المارة قد يتجاوزون القرية دون أن يعلم أحد منهم بوجودنا، فنحن محاصرون بمجموعة من المستوطنات غير القانونية من جهة وبحدود دولة إسرائيل من الجهات الأخرى· الأمر الذي يجعلنا محاصرين بالكامل داخل قريتنا·
إنه لشعور غريب ينتابك وأنت في هذا الوضع، فمشاعر الخوف والقلق تسيطر علينا بشكل كامل وتراودنا هواجس وتساؤلات عن ما تخفيه الأيام القادمة· فهل سيستمر حصارنا حتى الموت لقلة الغذاء والدواء أو أن ما يجري ليس سوى تحضير لحملة اعتقالات وقتل واسعة؟ إن مشاعر الانطحان التي تنتابنا الآن أننا جميعاً في هذه القرية مسالمون ولم يشارك أحد منا في أي من أعمال الانتفاضة· فلم يرم حجر واحد على أي اتجاه من قريتنا· وبالرغم من هذه الحقيقة فإننا نعاقب بشكل غير مبرر وغير إنساني في الوقت ذاته· الأمر الذي يجعلنا نتساءل ونحن في هذا الوضع المخيف، ما ذا لو أن هذا ما يفعله الفلسطينيون ضد مجموعة من الإسرائيليين؟ كيف سيصفها الإسرائيليون وحلفاؤهم؟ حتماً سيقولون إنها عمل إرهابي!! لماذا؟ طبعاً لكونها عملا إرهابيا موجها إلى مدنيين إسرائيليين أبرياء وحتماً ستدينها الدول الغربية· ولكن لأن هذه الوحشية موجهة ضد الفلسطينيين الأبرياء في قريتنا فلا أحد يهتم· فالغرب لا يجرؤ على انتقاد الإسرائيليين بكلمة واحدة حتى ولو حطموا هذه القرية عن بكرة أبيها· العار لهذا العالم "المتحضر" الذي يستخدم مقاييسه الخاصة لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين· لكننا لم نفقد الأمل كلياً فما زلنا نتأمل خيراً ممن نحاول الوصول لهم ونستجديهم ممن يعرفون العدالة وحقوق الإنسان كي يساعدونا· فهل هناك من يعرف حقوق الإنسان؟
إننا مجموعة من الضعاف الواقعين تحت وطأة الإرهاب المؤسسي للدولة !! فنحن بشر من خلق الله نحب ونحترم مبادئ العدالة والحرية لكل بني البشر دون استثناء· ونحن لسنا من يحتل أراضي الآخرين ويسيطر على حياتهم· بل على النقيض من ذلك نحن الذين نعيش تحت الاحتلال وتسيطر علينا قوة لا تعرف الرحمة· والآن، أكثر من أي وقت مضى ندعو العالم لتخليصنا وتحريرنا مما نحن فيه لتخليص آخر المستعمرات في هذا العالم المتحضر!!
كل سكان وادي فقين يعيشون في رعب شامل، فالناس تتساءل كيف يمكننا التصرف في حالات الطوارئ؟ ماذا نفعل إذا أصيب أحد أو احتاج إلى رعاية طبية في المستشفى؟ فلا توجد حتى عيادة صغيرة في قريتنا! هذا المساء التقيت سيدة في آخر أيام حملها ينتابها الهلع هي وأسرتها من اقتراب موعد ولادتها حيث لا طريق إلى المستشفى· فهل يشعر أحد ما في العالم بما نشعر به الآن؟ هل توجد امرأة إسرائيلية في الوضع النفسي ذاته الذي تعيشه هذه المرأة الفلسطينية؟ وهنا أود أن أسأل سؤالاً بسيطاً: أليس هذا إرهاباً؟ أريد إجابة سريعة تحدد الضحية هنا· إننا نستنجد بكل أصدقاء قريتنا المنسية· فهي القرية ذاتها التي كانت قد دمرت كلياً قبل هذه المرة ومع بداية قيام دولة إسرائيل· فهذه القرية الوحيدة التي سمح بإعادة بنائها بعد الدمار على جزء صغير من مساحتها الأصلية التي عشنا فيها وعشقناها على مر الأجيال· لقد مزقت أرض القرية من قبل المستوطنين الذين ما لبثوا يسرقون من أرضها بشكل مستمر لإقامة مشاريعهم وشق الطرق الخاصة بهم، آخرها الطريق التي تمتد عبر وادينا· وأثناء قيامهم بالتفجيرات الخاصة بشق الطرق دمروا نظام الري الذي مولته حملة خيرية عالمية· قبل أسبوعين تعرضت إحدى مدارس القرية لوابل من الصخور المتناثرة من تفجير الديناميت نتج عنها فتحات في أسقف المدرسة وتشقق لجدرانها· مالذي علينا أن نتحمله أكثر مما نحن فيه؟
لا تنتظروا!! اتخذوا إجراءات عاجلة لحمايتنا، فنحن أبرياء وبحاجة غير مسبوقة لمساعدتكم· ورجاءً استمعوا لصيحات هذه القرية التي تحتضر· إننا على يقين بإمكانية مساعدتكم لنا· فلا تخذلونا فنحن نسألكم باسم الله وباسم سيدنا المسيح الذي علمنا كيف نحب الإنسانية· رجاءً قوموا بعمل ما قبل أن يحدث ما هو أسوأ، ولا تنتظروا حتى فوات الأوان·
فبسم الله أشكر جميع أصحاب النوايا الحسنة المؤمنين بعدالة الله·
فهمي مناصرا