هل يحاول أرييل شارون أن يقتل ياسر عرفات؟ هل يمكن أن يشكل ذلك سياسة رئيس وزراء إسرائيل، أي قتل شخص معروف بلقب “السيد فلسطين” ويشكل رمز أمة كاملة؟
هكذا بدا الأمر عندما تساقطت الصواريخ لتبلغ عمق مجمع عرفات في غزة حتى أنها لاحقته حتى مكتبه في رام الله لتضرب حين كان يعمل في الداخل· حتى الآن أخطأته الصواريخ وربما كان ذلك عمداً· ذلك أن شارون ربما كان يسدد (الرمي) إلى عرفات لكنه لم يضغط على الزناد بعد·
إذن ماذا ينوي رئيس وزراء إسرائيل أن يفعل؟ لنبدأ بالقراءة الأكثر لطفاً حتى نقول إن شارون - الذي تم انتخابه بفعل الوعد بإحلال السلام والأمن فأخفق في كليهما - ليست لديه لعبة أخرى· ووفق هذه النظرية فهو يطلق قواته لتطلق نيرانها على الأهداف الوحيدة المرئية التي يمكن أن يجد· ليست لديه استراتيجية، إنما الرغبة العارمة في الانتقام بعد مقتل 26 إسرائيلياً في غضون 24 ساعة·
لنسمح لأنفسنا أن نعطي شارون مصداقية أكثر من ذلك· فربما كانت الصواريخ طلقات تحذيرية تفيد لعرفات أن لديه فرصة أخيرة حتى يوقف (من تسميهم إسرائيل) الإرهابيين من (العمل انطلاقاً من) الأراضي التي يفترض أنه يحكمها، وأن هناك ثمناً قد يدفعه ما لم يفعل· إن قصف سرب طائرات الهليكوبتر التابعة لعرفات ومطاره كان قصده توجيه الرسالة نفسها: ابق في منزلك واعمل على إحلال النظام· الآن (حسب الرسالة) نحن (الإسرائيليين) نقلم أظافر ونطحن هيبتك باعتبارك زعيماً وطنياً جوّاب آفاق· وغداً لا نقصدك بالإهانة إنما بالتصفية·
هذا يقودناإلى الاحتمال الثالث: هذه ليست لعبة حافة الهاوية إنما بداية محاولة لإطاحة السلطة الفلسطينية، وإبعاد عرفات إلى المنفى وإعادة تكوين المشهد السياسي برمته·
يقول دبلوماسي غربي يعرف شارون جيداً إن هذا الأخير كانت تراوده هذه الفكرة منذ فترة· ويخشى هذا الدبلوماسي من أن شارون ربما كان يشارف البدء في السير في هذه الطريق· ذلك أن لمحة جديدة بشأن تفكير شارون الجديد برزت في خطابه إلى الإسرائيليين عقب التفجيرات الانتحارية· فقد قال: “نعرف من هو المذنب عرفات هو المسؤول عن كل شيء يحدث هنا (···) وهذه المرة لن ينجح عرفات في مخادعتنا”·
لكن ما يوحي إليه شارون تلميحاً يقوله “إخوانه” صراحة· ذلك أن بينامين نتانياهو تحدث علانية عن استراتيجية جديدة معترفاً أنه هو، مثل بقية الإسرائيليين يحلم بحياة ما بعد عرفات· “فقد قال في تصريح هيئة الإذاعة البريطانية إنه “لا ينبغي على إسرائيل بالضرورة أن تقيم حكومة للفلسطينيين” وكان يسخر بشأن آفاق المرحلة بعد عرفات· وأضاف: “أي حكومة (فلسطينية) مقبلة ينبغي أن تدرك أنهاإما أن توقف الإرهاب أو تخسر السلطة”· ويقول نتانياهو إن الجيل الجديد من القادة (الفلسطينيين) يجب أن يسحق الإرهاب لأنهم لا يريدون السير في طريق عرفات·
لكن من يمكنه حسب اعتقاد اليمين الإسرائيلي أن يحل مكان النظام الحالي؟ حتماً، الفراغ ستملؤه الفوضى أو القوة الصاعدة في السياسات الفلسطينية أي متطرفي “حماس” و”الجهاد”· وكلا الاحتمالين أصعب من أن يمكن احتماله مثل عرفات· فبينما يبقى هذا الأخير زعيماً غير ديني ملتزماً “حل الدولتين” الذي يضع فلسطين بمحاذاة إسرائيل، يريد الإسلاميون تقويض الدولة اليهودية·
على الرغم من ذلك، لا يأبه صقور إسرائيل· فهم مطمئنون إلى أن من يحل مكان عرفات ليس الملالي ولا آيات الله إنما “القادة المحليون” وزعماء الحرب البعيدون عن الأيديولوجيا القديمة الذين سرعان ما يدركون أن مصالحهم تكمن في بلوغ تفاهم مع إسرائيل· وقد وضع أفيغدور ليبرمان وزير البنى التحتية المتشدد في حكومة شارون مخططاً كاملاً بشأن ذلك: فهو يريد تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى أربعة كانتونات يكون كل واحد مفصولاً عن الآخر· ولن يكون هناك أي ممر بين قطاعي غزة والضفة الغربية ولا بين الخليل ورام الله· أما (ما تسميه) إسرائيل (قواعد الإرهاب) فسيجتث·
هذه الأفكار تبدو بالنسبة إلى الأجانب مجرد تخيلات، لكنها تكتسب مزيداً من التأييد في إسرائيل· أما السبب فليس خافياً، لكنه يركز على الرجل الذي يحتل لب القضية: عرفات· فقد صار اعتبار عرفات جزءاً من المشكلة يشكل اجماعاً في إسرائيل· فالليكود وحزب العمل بشأن ما إذا يمكن عرفات أن يشكل جزءاً من الحل ـــ ذلك أن شيمون بيريس يؤمن بذلك في حين أن شارون شطبه وهذا الاختلاف قد يشق حكومة الوحدة الوطنية· وسواء رجحت هذه الرؤية أو تلك فإن حفنة من الإسرائيليين فقط تعتقد أن عرفات لا يشكل جزءاً من المشكلة·
فالطيبون يعتقدون أن عيبه يكمن في ضعفه أكثر منه في مراوغته، فهو لم يعد ينقل جماعته هنا وهناك ولا يستطيع تقديم الكثير· وبالنسبة إلى الإرهاب، يعتقد هؤلاء أن عرفات لا يمكنه أن يفعل الكثير، ذلك أنه عاجز عن وقف الشبان الراغبين في دخول الجنة الذين يعبرون الحدود إلى إسرائيل مصممين على قتل المراهقين· ويتساءل هؤلاء: إذا كان غير قادر على إحلال السلام فما الفائدة من التعامل معه؟
أما منتقدوه فيعتقدون أن عيبه يتخطى مجرد الضعف· وهؤلاء يقولون إن عرفات ينخرط في الإرهاب عندما لا يشجعه صراحة· وهم يشيرون إلى اعتقالاته غير المحكمة لناشطي “حماس” “المدعوين إلى الإقامة في السجن وتناول القهوة والخروج بعد خمس دقائق” استناداً إلى أحد المسؤولين الإسرائيليين، وغير ذلك مرة “الجنازات الرسمية” للمفجرين الانتحاريين وتأجيج العنف ضد الإسرائيليين في وسائل الإعلام التي يسيطر عليها عرفات· وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يعتبر عرفات صانع سلام عنيداً يقاتل بلا هوادة من أجل قمع الرافضين المتشددين إنما عراب إرهاب يتربع فوق رئاسة ملاذ آمن للرجال المصممين على قتل الأبرياء، ووفق هذه الرؤية لا يجد الصقور الإسرائيليون بديلاً غير تصفية عرفات للسبب نفسه الذي جعل الولايات المتحدة تسحق الطالبان·
بالنسبة إلى شارون، هذه الفكرة لابد نها تتمتع بجاذبية خاصة: فقد حاول تنفيذها من قبل· فقد كانت خطته واسعة النطاق، أي غزو لبنان عام 1982، ترمي إلى سحق عرفات ودفعه نحو المنفى· وقبل ذلك، حاول حزبه الليكود إنشاء ما كان يسمى “روابط القرى” في الضفة الغربية باعتبارها بديلاً عن رؤساء البلديات الموالين لمنظمة التحرير الفلسطينية· وكما في السابق كذلك الآن، بقيت لدى شارون الرغبة نفسها أي خلق شعب فلسطيني آخر فلا يتعين عليه أن يتعامل مع الشعب الحقيقي·
وذلك لم ينفع طبعاً· إنه مجرد وهم ومحاولة للهروب من الحقيقة· فشارون لا يمكنه تصور ما ينبغي أن يفعل حقاً، أن يجلس ويفاوض ويبلغ اتفاقاً مع العدو لأن ذلك يعني دفع ثمن لا يحتمل· ذلك أن أي تسوية سلمية ستجرف المستوطنات، بعضها إن لم يكن كلها في الأراضي المحتلة· بل إن هذه المستوطنات كانت رغبة جامحة في سيرة شارون المهنية· فهو لا يستطيع أن يتصور هدمها· وكما قال ذلك المسؤول الإسرائيلي: “ليس هناك جد يرغب في القضاء على أحفاده”·
هكذا يحاول شارون أن يجد راحته في الحلم بشعب فلسطيني هادئ يقوده زعماء حرب مطواعون· وحلمه لن يتحقق، لكن من يعرف مقدار الدم الذي سيسفك قبل أن يتبدد الحلم؟
(الغارديان)