رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 21-27 شوال 1422هـ الموافق 5-11 يناير 2002
العدد 1509

في أمسية شعرية على هامش معرض الكتاب
جنة تعلّق “لوحة الانتظار”·· ولحود يتجوّل في يوميات “مرجعيون”·· وأبو سنة حبيس في التاريخ

كتب المحرر الثقافي:

أقام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ضمن برنامج الأنشطة الثقافية المقامة على هامش معرض الكتاب السادس والعشرين أمسية شعرية لثلاثة شعراء، حلق كل منهم في آفاقه الشعرية الخاصة، حيث توغل الشاعر اللبناني الياس لحود في مطولته التي جابت شوارع وسهول وجبال “مرجعيون” في الجنوب اللبناني، راصدا كل يومياتها، وأخذت الشاعرة الكويتية جنة القريني حضورها - بعد تمهيدات شعرية - الى حرقات الأسير الكويتي في سجون العراق، وآماله المتجددة بأنوار فجر الحرية، كما عاد الشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة الى البكائيات العربية المعتادة، مستحضرا فارس الشعر العربي “الحمداني”·

قدم الأمسية الشاعر الأستاذ يعقوب عبدالعزيز الرشيد، مستعرضا نبذا من حياة ضيوفه الأدبية والشعرية·

لحود·· و”مرجعيون”

بدأ الشاعر الياس لحود قصيدته يتقرأ طرق ومقاهي وأفياء بلدته الجنوبية، في ما يشبه الرحلة الشعرية:

وتعوي في جلدك أقوال الناس:

- بسعر الاوكازيون أخذت الفستان العسليَّ

- مساء في مقهى الإخوان

- أرى أن نأخذ تاكسي

- ونعالُ الأفئدةِ لها سعرٌ مرتفعٌ

- كانون يشكو من إسهالٍ هذا اليومْ

- هل أعجبك الشاي· نصف مباني الحيِّ هياكلُ عظمية

- أعقدتَ قران الشقة؟

- أني أستأجر قبرا مفروشا في حي الشقق المفروشة

يظل يواصل لحود سرد الحياة اليومية البسيطة، بالتقاط تفاصيلها عن قرب، كمستمع مزدحم بضوضاء الناس، وشكاواهم أثناء عبوره، وفي مقطع حواري آخر، يصوره كمشهد سينمائي، يرصد فيه مناسبة رياضية:

تشرين الأولُ يُنهي “دورة آسيا”

كأسا من ذهبٍ مرفوعا نحو الشمسِ

وآخرَ من تنكٍ بين القدمينْ

تشرين الثاني يُمسك سكينا من غيمٍ

يقطع “فوطبول” الأوطان الى نصفينْ

يعطي نصفا للغالب كي يلهي رجليه·· ونصفا للمغلوب·· ويشوطُ برجليه النصفينْ

ثم يستل لحود من تلك المناسبة رمزيْ النصر والهزيمة:

- ماذا يجري؟

- أحدٌ مغلوبْ

- زمن مقلوب

- يركضُ في أقصى سرعته نحو الآخر·· يُسرعُ، لكن لا يصلُ الاثنانِ الى الاثنينْ

- ماذا يجري؟؟

- بطلٌ معطوبْ

رجلٌ كبلاد من عرب يتنقل مقتولا مصلوبّ

بطل من عرب يركض خلف النصر·· ويلهث مثقوب الرئتين

جنة·· وانتظار الأسير

بدأت الشاعرة جنة القريني بمقاطع شعرية قصيرة، اقتطعتها من مسرحيتها الشعرية “جنون”:

لو أن من حولي

لديهم قوة الإحساس بالجوهر

 إذن، لسموا بأغراض الحياة

لكرس الانسان منهم نفسه للفن

لإبداع، لكن···

قلة نحن الألى جزنا بأنفسنا الصعاب، لكي نكون الرائدين

نكون كهان الجمال

مقطع آخر بعنوان “شكسبير” يعلي من قيمة فن الشعر والغناء بموسيقاه وسط خراب العالم المادي الجاف:

أيها الشاعر

كأسا من نبيذ الحب

فالساعات تجري··

إنها بعد انتصاف الصبر

فلتسرع

عروق الكرم أيبسها حباب الزيف

والوقت انحدارٌ مرعب

نحو الفناء

إنه الشعر الذي لا زال

يملؤني غناء

إنه الشعر الذي يبقى

إذا استشرى الخواء

قصيدة أخرى بعنوان “في الطائرة” ألقتها الشاعرة جنة، مليئة بالمعاني الوجدانية المبسطة، أو هي وصف شعري لرحلة، رسمت بها صورة لأجواء علوية، تندى بثلج البعد، وبياض سحاب، وإحساسها بالدفء بقرب “سامي” (ابن الشاعرة)، الغارق بين دفتي “الجواهري”:

هو الغيم حولي

يمد أكف البياض الموشى

بثلج التنائي

و”سامي” الأثير

يدحرج ماسات “ابن الفراتين”

شدواً، يطير به الوحي

يسمو··

فأنسى المكان

في ختام قصيدتها تصل الى محطة السفر الأخير، فتقول:

بلغت ذرى الارتحال اللذيذ

بموج الخيال

ونكهات حلم وثير

تخدر لون ابتسامي

تقدم لي قهوة الانتظار

وحلوى التصبر

تكسر جوز السويعات

بالشعر،

حتى يطل الوصول··

تختتم الشاعرة جنة القريني مشاركتها بقصيدة “لوحة الانتظار” وكأن ما ألقته قبل ذلك كان تسخينا لأجواء باردة، أرادت كسر صقيعها قبل أن تعلق لوحتها:

بنيَّ الشوق يسرقني

من الأيام والساعات

من نفسي

أطير لأبعد الآمال

أدخل شرفة الشمس

وأعبر أبحر الغيمات

أصرخ في ضمير الصمت

تبحث جنة في مطالع قصيدتها عن ابنها الأسير، فتتتالى صور الذكريات، واللهفة الحنونة، والحرقة والخوف من هرم الشوق، تتلمس وجهه عن بعد، وتشبر قامته بحنو الأم المفجوعة في غياب· وحينما تدخل غرفته الفارغة من خيالاته، تتداعى بعينيها أشياؤه الشخصية، لتختلط “أوراقه”، و”سريره”، و”عوده” بالحنين، وبصوت ملائكي “فيروز”·

أبو سنة في بكائيات تاريخية

ألقى الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة قصائد متنوعة، إلا أنه لم يخرج من حيز الهم الواحد، متأرجحا بين الغنائي الطاغي، والتفعيلات المقفاة، مثل قصيدته “بكائيات الى أبي فراس الحمداني”، التي استهلك الشعراء معانيها وصورها، “وفنيتها” في الرجوع والاستعانة بشخصيات تاريخية:

من أين يا زين الشباب؟

أتيت؟

من رحم القصائد

والمكائد والشدائد والرعود

من أين تطلع

أيها القمر الشآمي

إلى الكآبة

وأنا وأنت “أبا فراس”

ننتمي للريح··

·· لا شمس الملوك

تضيء ما يعتادنا

من ليلنا الوثني

لا قمر الكتابة

وفي قصيدة وجدانية بعنوان “عاشقان” يقول أبو سنة:

تقابلا فابتسما

تكلما واحتدما

تعانقا تماوجا وارتطما

تفجرا·· هوى·· ريحا·· دما

تناغما كأنما

هما··

لحنان صاعدان للسما

وحلقا·· نجمين أزرقين

طائرين أخضرين مثلما

تفتحا·· تداخلا

كغيمتين تنجبان·· برعما

 

تأخير·· وتناص·· واقتباس·· وغرور!!

- الشاعر الياس لحود لم يكن موفقا باختياراته الشعرية حيث ألقى قصيدة مطولة، وبرغم شعريته المعروفة والقيمة الفنية العالية لقصيدته إلا أنه لم يشد جمهور الحضور·

- تفاجأ الشاعر لحود يوم حضوره للكويت أنه مشارك لشعراء آخرين في أمسية، بعد أن كان يعتقد أنه سيقيمها وحده·

- الشاعرة جنة القريني - كالعادة - حضرت متأخرة، إلا أن تميز مشاركتها كان “أشعر” الأعذار··

- الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة أقعده الغرور عن أن يقوم الى منصة القاعة للإلقاء، برغم تنبيه العريف الأستاذ الرشيد له، مخالفا من سبقه من الشعراء·

- شارك الشاعر أبو سنة بقصيدة “عاشقان” والتي هي نسخة أخرى مطابقة لقصيدة الشاعر التونسي المعروف المنصف المزغني “هما”·· هل كان توارد خواطر توأمية، أم تناصا، أم اقتباسا، أم معارضة، أم ماذا··؟!!

- قصيدته الأخيرة - التي ألقاها بطلب من أحد الحضور - كانت أيضا أختا “سيامية” لقصيدة أمل دنقل الشهيرة “لا تصالح”!!

 

 

لوحة الانتظار

شعر: جنة القريني

بنيَّ، الشوق يسرقني

من الأيام والساعاتِ

من نفسي

أطيرُ لأبعد الآمادِ

أدخلُ شرفةَ الشمسِ

وأعبرُ أبحرَ الغيماتِ

أصرخُ في ضمير الصمتِ

بُنيَّ، هنا

أما شفتوه؟

أجيبوني

بني منايَ

أين تكونُ، تسمعني؟

يحسُّ بنبضي الحران يلسعني

يحس بعبرة صماء تخنقني

بنيَّ، هرمتُ من شوقي

فعد قد هدني قلقي

عسى الله القدير يهد من أسرك

وينزل من سماهُ

صواعق الغضبِ

على من أشحط الأكبادَ والمقلا

حبيبي، كيف أنت؟

رفاقك أخبروني كم هزلت؟

وكم شربت أساك مصطبرا؟

وما بيدي سوى الصبر

وما بيدي سوى هذا الدعاء المر

ما بيدي سوى القرآن والذكر

أراك معي تمازحني

تسميني باسمي دون تكليفٍ

وتنزع “ملفع” الأيام عن رأسي

تقول: دعيك من هذا

فشعرك هكذا أجمل

ووجهك هكذا أجمل

أراك تمد قامتك المديدة

نافخا صدرك

تقول: لقد غدوت الآن أطول منك

أين تراك

قلبي يرتمي مزقا

بغرفتك التي تدعوك

ليل نهار

إلى هذا السرير· الفارغ الأسيان

كتاب كنت تقرؤه

وأوراق بها شيء من البوح

وألوان مبعثرة

وعود كنت تنطقه

(تدندن فيه)

إلى “فيروز” تعشق صوتها النديان

بنيَّ، تعال

قلبي لم يعد يقوى على التذكار

صورة جدك الغالي معلقة

تخاطبني بها عيناه:

“يعود لك بإذن الله”

أقول متى؟

فتخنق عبرتي الأنفاس

حبيبي عد

فما بي قدرة بعد على الصبر

حبيبي، عمري الغالي

“بعد عمري”

 

طباعة  

وتد
 
المثقف العربي بين استخدام “السلطة” له وانقياده لغواية “المجتمع”
 
تلخيصاً لكتابه الفائز “عناصر الاستمرارية والتغيير في النهضة اليابانية”
د· ضاهر: من اليابان والنمور الآسيوية علينا أن نستخلص العبر

 
برافو
 
هارد لك