ظلال عالية في ممرات حياتنا اليومية
نشمي مهنا
(1) هالات مقدسة
أشياء بسيطة وساذجة تملأ حياتنا اليومية (الدينية)، لا تحتاج منا الى طول توقف واهتمام، وبالتالي لا تحتاج الى فتح هوّة خلاف، أو سن حراب “تكفير”··!
كأن تقول لمحدثك:
- “يضيق صدري بالكآبات كلما سمعت صوت الناي الحزين المصاحب دوما للآذان” (عادة سنتها إذاعاتنا منذ سنين)·
- “يبالغ هذا المقرئ في نحيبه وفي غير موضع بكاء” (حينما أستمع الى كاسيت يتلو فيه مقرئ آيات من القرآن ويفاجئني ببكائه·· ليبكي من حوله!)·
- “أقرف من منظر هذا الصبي - الذي حوّل أحاديث “الديوانية” الى درس ديني - وهو يدير مسواكا في فمه أمامنا” (وبين دقائق وأخرى يمسح كِسَرَ العود من على شفتيه·· مخفيا اصفرار أسنانه المزمن!)·
- “أغلي غضبا حينما أرى ازدحام السيارات وكتلا من العباءات السوداء تقف عند باب جارنا “المسّاح”!” (هذا الشيخ الذي جمع ثروة هائلة من جيوب عقولنا المخرومة ومن أمراضنا النفسية·· “يمسح” على جبين فتاة (···) و”ينفخ” على رأس عجوز (···)، و”يجلد” ولدا (فاشلا دراسيا) ليخرج “الجن” من رِجله أو يبعد عنه الحسد (حنان الأم دوما يمنعها من أن تتساءل: على ماذا يُحسد ولدي؟!)
- “يا صديقي·· بودي أن أقيم شكوى على مؤذن مسجدنا القريب، خصوصا في رمضان حينما يعلي من المايكروفونات ليصدح بقراءاته القرآنية الليلية!” (إن أحسنت الظن واستبعدت إعجابه النرجسي بحسن صوته، أقول إنه يحسب كلما علا صوته زادت حسناته!!)
- “بودي أن أمزّق هذه الملصقات التي ملأت جدران مستوصفنا··” (تحوّل من مركز صحي الى معهد ديني وبإمضاء أسماء جماعات مختلفة أو هي خلايا - مثل : جماعة مسجد عايضة، جماعة مسجد سالم العلي، جماعة صبحان، جماعة·· فلكل مسجد ومركز ومعهد ديني إصداراته الخاصة به، وملصقاته، وقد تكون مطابعه غير المرخصة!)
***
هذه الرغبات والخواطر وإن أطلت فيها، إلا أنها صادقة وواقعية، تُشاهد وتسمع يوميا·· لكن لا أدري لماذا غضب محدثي؟
هل أخطأت في حقه حينما صرحت بها؟!
هل أصبح صوت الناي الحزين، والمسواك، والبكاء غير المبرر في التلاوات، ودجل الشيخ “المسّاح” “النّفاخ”، والمبالغة في رفع صوت القراءات في المساجد·· وغيرها من ظواهر·· هل أصبحت مقدسة؟ واكتسبت كل هذه الهالات من دون أن نعلم؟!
(2)·· وأبكتهم “لميعة”
موضوع آخر، يختلف عما علاه، لكنه يتصل ببعض معانيه··
أقام الداعية “المحبوب” عمرو خالد محاضرة عن “كيفية فهم الآخرة” منذ أسبوعين··
أقامت الشاعرة “المحبوبة” لميعة عباس عمارة أمسية شعرية في الأسبوع الماضي··
تزاحم الجمهور في الأولى، وكذلك تدافع في الثانية··
برأيي أن الجمهورين هما نفساهما في الأمسيتين، يتشابهان وإن اختلفت مشاربهما، وتباينت اتجاهاتهما الثقافية والفكرية الى حد النقيض·
وجه الشبه والتطابق هو في رسم كل منهما هالات نوارانية حول وجه “محبوبهما” وشخصه (الداعية في الأولى والشاعرة في الثانية)· فجاؤوا مشحونين بدفقات ملأت شرايين قلوبهم، جعلتهم مستعدين للاستحسان، فالتصفيق فالإعجاب فالانبهار، ثم البكاء!
استسلم الجمهوران في الأمسيتين “لمغناطيس” عشق شخص المحاضر أو الشاعرة من دون مقاومتهم لجاذبية فارغة قد توقع في هوّة··
فالأول (الداعية الشهير) لم يقل شيئا ذا مضمون، سوى اللعب بالعواطف··
الثانية (الشاعرة الشهيرة أيضا) لم تحلق بسماوات الشعر ولم تأت بجديد (مجرد ملاحة مقطوعات شعرية بسيطة)
إذن ·· على ماذا بكى جمهور الداعية؟!
ولماذا “ناحت” امرأة عراقية في أمسية الشعر·· سوى أنها تذكرت العراق، وتراءى لها نخيله على وجه “لميعة”!!
فلم يكن هناك “فكر” في الأولى، ولا “شعر” في الثانية، إنما عواطف الجمهور الجياشة، ذات الإحساس المرهف رسمت خيالات لم يكن لها أصل في الواقع··
(قد يغضب بعض حضور الأمسيتين من هذا الرأي، كما غضب “محدثي” في الجزء الأول من المقال!)
nashmi@taleea.com