رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 28 شوال 5 ذو القعدة 1422هـ الموافق 12-18 يناير 2002
العدد 1510

في أمسية جماهيرية حاشدة
عطر “لميعة” الأنثوي ملأ سماء الأمسية·· والـ “نجمة” أشعر

كتب المحرر الثقافي:

بعد غياب طويل عن الشعر، تعود جماهيره إليه، فهل كان هو حاضرا بالفعل في تلك الأمسية وفي تلك القاعة الواسعة التي ضاقت بمفاجأة الحضور الكثيف؟

أمسية شعرية للشاعرتين لميعة عباس عمارة المستأذنة من غربتها لليال، وشاعرة أخرى نعرف عذوبتها جيدا هي د· نجمة إدريس· استضافهما المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ضمن برنامجه الثقافي المصاحب لإقامة معرض الكتاب·

نجمة الشعر

في بداية الأمسية قدم القاص طالب الرفاعي الشاعرة نجمة إدريس، فجاءت بباقة شعر، اختارت الأنسب منه للمنصة وللجمهور الحاشد· ألقت قصائد منها: “غيرة”، إذ تشعل بنصها جمرات الحس الأنثوي، حينما تستحث الحبيب لنسيان الذكرى الشاخصة، فتضع أمامه مفردات أخرى كـ “عابرة” و”غابرة”، أملا في خنق عطر تلك المرأة المتجددة دوما في ذاكرته:

تُوقِظُها

من هجعةِ الأوراقِ

من غبارِها!

تَعِبُّ من أعراقها

ثمالةَ الحنينْ

تقطفُها من شجرِ التذكرِ القديم

تُقشِّرُ السفرجلَ الفوَّاح

في بستانها

تُدلِّلُ المشمشَ والأقاحْ

والثوبَ والبخورَ والحذاءْ

تبعثُها - في لحظةٍ -

مليكة المساء!!

يغيب هذا الحبيب الحاضر وراء غمامات ذكرى، متناسيا “جلستها” معه، ألقها، وكأنها:

طاولةَ الجلوس!

أو مسندة المقعد!

أو نفثةً من الدخانِ في فضائها تلوبْ!!

تحسبُني - في جلستي -

حجارةَ·· أو صنماً··

أو ذرةً من الهباءِ حائره!

أو ربما ذُبالةٌ نهدةِ الغروبْ

مسكوبةً في غربةِ المساءِ والعيون!

تحسبُني؟!

ما نفع ما تحسبني؟!

وأنتَ - يا مُضيِّعي - تنكرني

وتقتفي - في شغفٍ -

رحيقَ تلك (الغابرة)!

تتصاعد “آهات” النجمة في مقطعها الأخير، معلنة خيبة المساء:

تُوقظُها من هجعةِ السنين والغبارْ؟!

يا لذعة الأنينِ·· يا أوارْ

يا خيبة المساءِ··

يا تأوّهَ العذابِ

يا خناجرَه··

وما ضرَّها لو بقيتْ في ذمةِ الأوراقِ

تلك العابرةْ؟!!

فكرة أخرى أو هي فكرة شعر، تلقيها “نجمة” فـ:

تطيرُ

ريشةً

واضحة البياضْ

كاملةَ الأعضاءِ

في إطراقةْ

صَهٍ

أيتها الأفواهْ

لا تجرحي بياضَها

دعي لها

براءة البزوغِ

طُهْرَ عريها

ورعشةً الإفاقةْ

مقاطع أخرى تتالى في كثافة شعرية عُرفت في نصوص نجمة إدريس، الى أن تصل بالحضور الى نصها الأخير، مهدية مَنْ “يغادروننا متشحين بالرفيف والدما” الى أم ثكلت في اثنين من أبنائها في حوادث الطرق:

يغادروننا

في زغب الصباح

أو ذبالة العشيّ

يغادروننا

مواكبا·· مواكبا

أولئك الطيور

معفرين في الرصيف والجسور

منسربين كالهواء

في غلالة الأنفاس والزفير

تلوكهم بغيظها

مخالب الحديد والصرير!

خطاب الألم والفاجعة بالأبناء، ومغادرتهم الأبدية على شوارع إسفلتية كأنها لا تأخذ إلا باتجاه واحد، لا عودة فيه، تبتلعهم كالوحش، كل ذلك يحرف مسار المخاطب، فتقول لهم:

تغادروننا يا حبة القلوب

متشحين بالرفيف والدما

منسكبين في العراء واللهيب

كأنكم غمامة

تذوب في حشاشة الغروب

ثم تخلط نجمة الشاعرة الألم بالحنين وفراغ البيت بعد غيابهم، ووحشة المساء:

تغادروننا بعدما كانت لكم

وسائدا أكبادنا

وملعبا أشواقنا

وجفننا لخطوكم سرير

تغادرون بيتنا الكبير

حدائق القلوب والعيون

نوافذ الحرير

جلسة المسا

ضراوة الحنين

نقلة أخرى - في قصيدتها - لتخاطب الوحش الإسفلتي:

أواه يا مدينة الإسفلت

والأشلاء

والشوارع الملغمة

يا ذئبة كاسرة عقور

لمن سيأتي الدور بعد طفليها؟

لمن سيأتي الدور؟

“سوالف” لميعة!

الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة والتي احتشد الجمهور لسماع قصائدها، وحضور أمسيتها الشعرية في الكويت بأي “ثمن شعري”!، طافت بقلوبهم وأسماعهم بمقاطع شعرية· لم تتوحد أجواؤها ولا فنيتها، أبيات في الغزل والعاطفة تستدعي بعضها من الذاكرة، وبعضها من أوراقها، بالإضافة الى قصائد أخرى شعبية باللهجة العراقية، إلا أن تألق حضورها وجاذبيتها سد فراغ أشعارها·

في تقديمه لها، قرأ طالب الرفاعي مقدمة “مطولة” أصابت الكثيرين بالملل، حينما أفاض في الشرح “القاموسي” لاسم الشاعرة، واشتقاقات معانيه، من دون أن يصل الى معنى واضح يفهم منه تقدير مكانتها الشعرية أو ريادتها في الحداثة!

بين فضاءات العاطفة والغزل والغربة، تنوعت قصائد لميعة، مثل “الى أمريكي”، والتي خاطبت فيها الحبيب الأجنبي (الأمريكي)، وترددت عاطفتها بين القبول والرفض، متذكرة حينا اختلاف الثقافات والبيئات:

هل تدرك النكتة والتلميح والتمليح في الكلام؟

تنود حين أم كلثوم تغني عمر الخيام؟

تحس ماأحس في يا قدس يا مدينة السلام؟

تستمر لميعة في مقاطع قصيدتها في التردد بين القبول والرفض، مسهبة برغم بساطة الفكرة ومباشرتها، الى أن تصل الى “الارتباك” الأخير:

يشتد أحياناً بي اليأس وتستشري بي الآلام

أكفر بالماضي ولا أبصر في الآتي سوى ظلام

أكاد أن أصرخ: إني لست من نوح ولا من سام

خذني إلى فيئك يا هذا ولن تندم أو أُلام

وفجأة أعود كالمهدود عاف السرج والزمام

يردُّني بيت من الشعر ومأثور من الأحكام

في قصيدة “Lee Anderson”، تخاطب أيضا هذا الأجنبي الذي يشاركها عشق النخيل:

مكتئباً وحزيناً جداً يبدو (لي أندرسن)

لي أندرسن ليس زعيماً معروفاً

أو نجماً مشهوراً

أو مقترفاً جرماً يجعله في صف المشهورين

هو يملك بستان نخيلٍ

في إنديو شرق كاليفورنيا

ثم أجادت في أحد المقاطع:

هذي النخلة برحي يلفظها برهي

تلك النخلة كدراوي يعني خضراوي

هذي النخلة زاهيدي يقصد زهدي

والمنسوب إلى الحلة هلاَّوي

يتحدث لي أندرسن عن كل النخل بحبٍ

يعلم كيف أتى

أو جيء به تهريباً من بلد النهرين

يعلم أن الحر إذا جاء شديداً

يُسرع في إنضاج الرطب

ومع هذا الجار البستاني يدور حوار محمّل بكثير من الأفكار:

زمجر في يوم قائظ:

- ما هذا الحر الخانق؟

- هذا من أجل نضوج التمر يا مولانا·

- فلتقطع أعناق النخل إذن·

كنا نتبادل مع لي أندرسن

أخبار النخل وما أكثرها

ونعود بأعذاق خلال البرحي

وصناديق الخضراوي

في موسم ما بعد الحرب

كان حزيناً جداً لي أندرسن

شاهد في التلفاز

صور النخل المحروق على مد البصر

منتصباً أعمدة سوداء

كنساءِ بثياب حداد

كأرامل بغداد

وثكالى بغداد

منتصباً يقف النخل المحروق على مدِّ البصر

شهداء لم تدفن

ليذكر بالحرب العبثية

ترثيه الريح

وتعول نادبة:

حتى النخلُ ضحية؟

حتى النخل ضحية؟

نالت بعض الأبيات العمودية استحسان وتصفيق الجمهور حينما تألقت بإلقائها:

فاتنا الطلع، زهوهُ وجناه

وافتقدنا مواسم القدّاح

كم لممنا نَثيره ونظمناهَ

عقوداً من لؤلؤ فّواح

كلما أزهرتْ على البعد ليمونةٌ

كأنْ فتَّحت من جراحي

نسمات يا ليتها من بساتينِ بعقوبةً

سرتْ في الصباح·

نتقرى الشبيه في الحسن

كي تنعم العين بالقريب المتاحِ

طباعة  

بافتتاح احتفالية مؤسسة البابطين “مئوية الرحيل والميلاد”
الفهد: إذا كان صراع السياسة يقتضي الشد والجذب ففي صراعات الثقافة حيوية للأمة ووحدة واتفاق

 
مشروع مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي
يجمع شتات ديوان العرب·· ويحيي عصوره

 
وتد