كتب المحرر الثقافي:
أولى الدراسات المشاركة في ندوة “الأدب في الكويت خلال نصف قرن 1950-2000” كانت للشاعر الأديب الباحث د· خليفة الوقيان في دراسته القيمة “من الجهود الثقافية المبكرة في الكويت 1682-1939” (ستقوم “الطليعة” بنشرها كاملة في عدد لاحق)، والتي عرض فيها حقاق تاريخية ترصد مسيرة الثقافة في الكويت منذ أزمان بعيدة، وأضاء بدراسته جوانب ظلت معتمة ومجهولة لكثير من الباحثين في تاريخ هذه المنطقة، كشفها الباحث للمرة الأولى من خلال مصادر بحثية عدة، جمع في دراسته تلك المعلومات، وحللها، وربط بينها ليصل الى نتائج وحقائق كانت غائبة· بدأ د· الوقيان دراسته بعد أن قدمه الناقد والأديب سليمان الشطي بإشارة الى الهدف قائلا: وتهدف هذه الدراسة الى عرض لمحات من الجهود الثقافية المبكرة، والاتجاهات الثقافية في الكويت حتى العقد الرابع من القرن العشرين· ذلك أن خطة الدراسة تقتضي التوقف عند حدود البواكير التي شكلت الإرهاصات المنبئة بنهضة ثقافية· أما المراحل اللاحقة فهي معروفة للكافة، فضلا عن توافر مصادر دراستها· وأما العلماء والأدباء الذين أقاموا في هذه المنطقة، أو مروا بها في حقب التاريخ العربي القديم فلن ننسبهم الى الكويت، لأن نسبتهم إليها منافية للمنهج العلمي، فأولئك العلماء والأدباء ينتمون الى الدولة العربية الإسلامية الواحدة، يتنقلون بين أقاليمها، الأمر الذي يجعل نسبتهم الى الكيانات السياسية التي نشأت في مراحل تاريخية لاحقة ضربا من التعسف·
أما آثار حضارة الإنسان منذ العصر البرونزي، وآثار حضارة اليونان القائمة في مواقع من أرض الكويت فلن ننسبها الى تاريخنا الثقافي ونفخر بها، ونمد من خلالها عمر ثقافتنا بضعة آلاف من السنين، كما يفعل كثير من الباحثين، ذلك أن تلك الثقافة من صنع أمم أخرى، أقامت في بلادنا، أو استعمرتها، أو مرت بها في حقب سالفة، الأمر الذي لا يجيز لنا الادعاء بما لا يحق لنا امتلاكه·
ثم تحدث د· الوقيان عن العوامل الثلاثة التي كانت سببا في الاهتمام المبكر بالثقافة في الكويت: “يعود السبب في الاهتمام المبكر بالثقافة في الكويت الى عوامل عدة، لعل من أهمها: طبيعة السكان، وطبيعة الموقع، وطبيعة النظام السياسي”·
وعن عامل “طبيعة السكان” قال: “ولم تقتصر الهجرة الى الكويت على القادمين من مدن الجزيرة العربية المعروفة بوفرة علمائها، بل اتسعت فيما بعد، حين عم الاستقرار، فأصبحت المنطقة جاذبة للمهاجرين من جزر الخليج العربي وإماراته العربية على الساحلين الشرقي والغربي، فضلاً عن المهاجرين من العراق وإيران، لأسباب اقتصادية واجتماعية ودينية·
وكانت شرائح عديدة من المهاجرين على دراية كبيرة بثقافة المرحلة، بشقيها الديني والدنيوي· ومنهم عدد من العلماء الذين جلبوا معهم مكتباتهم الخاصة، وعدد من الأسر المعروفة بوفرة علمائها، أو باهتمامها برعاية العلم والعلماء·
ومن بين المهاجرين الى الكويت أعداد من التجار الذين انتقلوا إليها برؤوس أموالهم، وخبراتهم وثقافتهم في مجال التجارة، التي كان من نتائجها الازدهار التجاري السريع للبلاد· ويضاف الى هؤلاء وأولئك أهل الصناعة والحرف من بنائين وحدادين ونجارين، وفي مقدمتهم “القلاليف” أي صناع السفن الشراعية الكبيرة، القادرة على عبور المحيطات·
وعن “طبيعة الموقع” قال د· الوقيان: “واقتضى موقع الكويت المميز في الطرف الشمالي للخليج العربي أن تكون محطة لنقل البضائع القادمة من الهند وشرق آسيا بحرا في طريقها البري نحو أوروبا· إضافة الى كونها محطة لنقل البضائع القادمة من وسط الجزيرة العربية كالخيول في طريقها البحري الى الهند عن طريق السفن الكويتية·
وقد أدت الموانئ الكويتية هذا الدور منذ أزمنة بعيدة تعود الى حضارة دلمون وصلا الي الزمن الذي قامت فيه إمارة الكويت·
وأضاف: ونظرا لاتساع حجم النشاط التجاري الكويتي في الهند وشرق آسيا فقد استقر عدد من التجار الكويتيين في الهند بخاصة، ثم في سنغافورة وأندونيسيا· وكانت لهم نشاطات دينية واجتماعية وثقافية، لعل من شواهدها إنشاء المدارس العربية، وقيام الشيخ عبدالعزيز الرشيد بإصدار مجلتين في أندونيسيا، الأولى الكويت والعراقي 1932·
وعن عامل “طبيعة النظام السياسي” قال د· الوقيان: “ثمة عامل سياسي تجدر الإشارة إليه لتأثيره في الواقع الثقافي، وهو أن نظام الحكم في الكويت يختلف عن الأنظمة الأخرى في المنطقة· فقد وفد الكويتيون الى أرض بكر فعمروها، لم يكن بينهم آنذاك حاكم ومحكوم، واختاروا لأنفسهم نظام الحكم الملائم، القائم على الشورى، خلافا لحال الأقطار الأخرى، حيث تغلبت بعض الأسر الحاكمة، أو القادة على من سبقوهم في الحكم، وحلوا محلهم فأصبح لهم الفضل في تأسيس كيانات سياسية جديدة، الأمر الذي يجيز لهم كما يرون - تحديد طبيعة النظام السياسي الذي يرونه ملائما لطبيعة بلدانهم وظروفها· ثم تحدث د· الوقيان عن “الكتاب” في تلك المراحل، وحركة التأليف والنسخ، وعن “المخطوطات” مثل “موطأ الأمام مالك” الذي نسخ في عام 1682 و”الفتح المبين في شرح الأربعين” الذي قام بنسخه محمد بن عبدالرحمن العدساني عام 1724م· وغيرها من مخطوطات·
وعن الصحافة قال: أدرك رواد العمل الثقافي المستنيرون الأهمية البالغة للصحافة،والدور الذي يمكن لها أن تؤديه في حمل رسالة الإصلاح، والوصول الى القاعدة الجماهيرية الواسعة، التي قد لا تصل إليها الرسالة التي يحملها الكتاب على الرغم من أهميته، ولذلك ازداد الإحساس بأهمية إصدار الصحف· وكان الكويتيون على صلة بالصحافة العربية، فقد اشترك “آل خالد” وغيرهم بعدد من الصحف المصرية والعراقية، ومكنوا القراء من الاطلاع عليهما منذ بداية القرن العشرين· كما نشر الكتاب الكويتيون كتاباتهم في الصحف المصرية والعراقية بخاصة منذ ذلك الحين· غير أن النخبة الواعية كانت تحلم بإصدار مجلة كويتية تحتضن الكوكبة المستنيرة من العلماء والشعراء والكتاب الطامحين الى النهوض بمجتمعهم، فضلا عن تحقيق التواصل مع علماء العصر المستنيرين في الأقطار العربية الناهضة من جهة، والتصدي لقوى التزمت والغلو التي تسعى لعرقلة مسيرة التطور من جهة أخرى· كما تطرق الباحث الى “مجلة الكويت”: “تحقق حلم الكويتيين بإصدار مجلة تحمل طموحاتهم حين تمكن الشيخ عبدالعزيز الرشيد من إصدار مجلته الشهيرة “الكويت” في العام 1928·
لم يكن الطريق ممهدا أمام تلك التجربة الرائدة، فالمتزمتون لا يجيزون قراءة الصحف، فكيف يقبلون بصدورها من الكويت·
وعن المؤسسات الثقافية الأهلية قال: “أدرك الكويتيون منذ فترة مبكرة أهمية العمل المؤسسي الأهلي في مجال الخدمات الاجتماعية والثقافية، ففي العام 1911 تحقق حلمهم بتأسيس أول مدرسة نظامية، هي المدرسة المباركية، نتيجة الجهود التي بذلوها في التبشير بالفكرة، وجمع التبرعات لتحقيقها· ويبدو أن النجاح في إقامة المدرسة المباركية كان حافزا للنخبة الواعية للتفكير في إنشاء مزيد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية الأهلية·
افتتحت الجمعية الخيرية العربية في العام 1913 ويعود الفضل الأول في إنشائها للشاب فرحان بن فهد الخالد وقد حددت الجمعية لنفسها أهدافا ثقافية واجتماعية عديدة·
المكتبة الأهلية 1923
“كان إغلاق الجمعية الخيرية خسارة كبيرة للكويت، ولكن المستنيرين والمخلصين من أبناء البلاد لم يتوقفوا عن بذل الجهود من أجل الاستمرار في إنشاء المؤسسات الأهلية ذات الأهداف العلمية والثقافية والاجتماعية، إدراكا منهم لأهميتها في الارتقاء بالوعي· وقد اتجهوا هذه المرة الى العمل لإقامة مكتبة أهلية عامة·
النادي الأدبي 1924
كان إنشاء المكتبة الأهلية خطوة مهدت السبيل الى قبول المجتمع فكرة إنشاء ناد أدبي، كانت المكتبة الأهلية بديلا مخففا للنادي من الوجهة الاجتماعية، أو خطوة ممهدة قادت الى قبوله· فبعد نجاح المكتبة في جمع شمل أهل الرأي للتشاور في الشؤون الاجتماعية والأدبية والفقهية والسياسية تبددت - كما يبدو - الشكوك حول النوادي وجدواها· الأمر الذي جعل فكرة إنشاء ناد أدبي تنضج، وتبرز الى حيز الوجود لتلبي طموحات كانت تكبر وتتسع لدى النخبة الواعية بصورة تتجاوز إمكانات المكتبة الأهلية، التي لم تكن تتسع لإقامة المحاضرات العامة على أقل تقدير·
ثم أشار الباحث د· الوقيان الى أهم الاتجاهات الثقافية التي كانت سائدة في مطلع القرن العشرين·
الاتجاه الإصلاحي
لم يكن النموذج الكويتي القائم على الانفتاح مقبولا في منطقة تسودها الاتجاهات التي يغلب عليها الغلو في فهم الدين· ولذلك كانت الكويت تتعرض - بين الحين والآخر - للمجابهة من تيارات الغلو والتزمت، التي كانت - في الغالب - خارجية المصدر· غير أن الكويتيين كانوا يواجهونها بالرفض القاطع·
وتتخذ مواجهة النموذج الكويتي شكلين: أحدهما حربي والآخر فكري·
وقد ابتدأت المواجهة الحربية منذ سنة 1793، أي خلال عهد الشيخ عبدالله بن صباح، حين هاجم الإخوان الكويت وانتهت بمعركة الجهراء في العام 1920· أما المواجهة الفكرية فلا تزال قائمة منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا مع تطور أساليبها تبعا لتطور الزمن، فقد حلت الأحزاب الدينية المعاصرة محل الإخوان الوهابيين في التصدي للنموذج الكويتي القائم على الانفتاح والتسامح·
المواجهة الحربية
وفيما يتعلق بالمواجهة الحربية يجدر الاستشهاد بما حدث في معركة الجهراء 1920 والنظر في المطالب التي تقدم بها الإخوان الذين هاجموا الكويت في تلك المعركة، فهم لا يسعون الى السلب والنهب والاستيلاء على الأرض بل يهدفون الى إعادة الكويتيين الى الإسلام - كما يقولون، وبمعنى آخر إخضاعهم لتصورهم المتشدد في فهم الإسلام·
وتحت عنوان “المواجهة الفكرية” يقول د· الوقيان “والغلو بعامة غير ملائم لطبيعة المجتمع الكويتي، الذي اقتضت ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، وتكوينه الثقافي أن يكون منفتحا، وقائما على التسامح·
كما أن المثقفين وعلماء الدين الكويتيين يرون أن هناك تعارضا بين الدين الحق والأفكار المتزمتة، التي تحرم ما أحل الله، فضلا عن قناعاتهم بعدم جواز تكفير المسلمين لمجرد الاختلاف معهم في الرأي حول الفروع، أو الأمور الثانوية التي لا تتصل بصلب العقيدة·
ثم يورد د· الوقيان شواهد وحوادث عدة تدل على تلك المواجهات، كما حدث بين الشيخ العلجي والشيخ عبدالعزيز الرشيد وكذلك ما تعرض له شعراء الكويت مثل صقر الشبيب من مواجهات وضغوط على أيدي المتزمتين·
وتحت عنوان “الاتجاه الديمقراطي” يقول د· الوقيان: يكشف الحديث في الاتجاه الديمقراطي عن طبيعة اهتمامات مثقفي مطلع القرن العشرين، إذ إنهم أتبعوا القول بالعمل، وأخذوا على عاتقهم مهمة تصحيح الأوضاع المغلوطة، لتتسق مع قناعاتهم بنبذ التسلط وكنا أشرنا من قبل الى أن نظام الحكم في الكويت قام على أساس الشورى، فالكويتيون هم الذين اختاروا حاكمهم، ولم يفرض عليهم، وكان اختيارهم له على أساس أن يتشاور معهم في إدارة شؤون البلاد· وقد استمر هذا النهج منذ عهد الحاكم الأول الشيخ صباح الأول المتوفى في العام 1776 حتى عهد الشيخ مبارك الصباح 1896-1914· ثم يتحدث عن معارضة أهل الكويت لبعض سياسات وإجراءات الشيخ مبارك الكبير التي أراد فرضها عليهم مثل زيادة الضرائب، والمنع عن ممارسة مهنة الغوص، وإدخال الكويتيين في حروب غير دفاعية تتعارض مع طبيعتهم وثقافتهم، وكيف استطاعوا دفع الشيخ مبارك الى إلغاء تلك الإجراءات·
ويستطرد الباحث في أمثلة تبين الى تمتع أهل الكويت بهامش من الحرية، وقدرتهم على مصارحة ومعارضة الحاكم في الأمور التي يرون بها تعسفا أو ظلما واقعا عليهم·
وينهي د· الوقيان دراسته بالإشارة الى “الاتجاه القومي” ودور هذا الاتجاه في اذكاء روح التفاعل مع القضايا العربية، والدفع الى تشكيل كتل وطنية ضاغطة لممارسة دور قومي كبير· ثم يستشهد بمقاطع شعرية لكثير من أدباء ومثقفي وشعراء الكويت تدل على تبنيهم لكل القضايا العربية التي كانت تمر بالساحات العربية·