رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13-19 ذو القعدة 1422هـ الموافق 26 يناير -1 فبراير 2002
العدد 1512

نورو·· رسالة تحذير إلى الكويت
قصة جزيرة سعيدة تحولت إلى خراب!

·         الاستعمار والمحتالون نهبوا ثرواتها وتركوها تواجه مصيرها المظلم

·         الحكومة توظف %95 من العمالة وتقدم الخدمات بالمجان!

·         %50 من سكان الجزيرة مصابون بالسمنة أو السكري!

·         استثماراتها تراجعت من بليون دولار إلى 130 مليونا!

·         تحولت إلى مركز للتهرب الضريبي وغسل الأموال!

·         المافيا الروسية أودعت فيها بليوناً وسحبتها خلال عام واحد!

·         سكان نورو يفكرون بشراء “وطنٍ” جديد بعد خراب الجزيرة

 

ترجمة وإعداد: محمد أمين

“نورو”، جزيرة صخرية صغيرة لا تتجاوز مساحتها الثمانية كيلو مترات مربعة تقع في مياه المحيط الهادئ في منتصف المسافة بين هاواي واستراليا· وفي عام 1798 اكتشفها للمرة الأولى كابتن بريطاني كان يعبر مياه المحيط وأطلق عليها اسم “الجزيرة السعيدة”· ولكن هذا الاسم القديم أصبح اليوم ينطوي على مفارقة مريرة· فهذه الجزيرة حين تنظر إليها من الجو، فإنها تبدو عبارة عن هضبة رمادية كئيبة يحيطها شريط ضيق من الخضرة·

وعلى الأرض، يتأكد لك ذلك الانطباع غير الطيب· فالمناجم المجوفة بعد استنفادها حولت الجزيرة إلى أرض قاحلة وصخور متشققة· فهذه الجزيرة التي كانت تعج بالغابات المدارية الخضراء، أصبحت أراضي جرداء· وتعكس الصخور العارية حرارة أشعة الشمس الحارقة وتُبعد عنها الأمطار·

وعلى العكس من الكثير من الجزر النائية وسط المحيط الهادئ، تمتلك “نورو” سلعة ثمينة هي الفوسفات الذي اكتشف في الجزيرة عام 1900· وفي السبعينات، أصبح سكان جزيرة “نورو” - ولفترة قصيرة خلال السبعينات من القرن الماضي - من أغنى شعوب الأرض· أما الآن، فقد سحقهم الفقر والمرض وعصفت بهم العقوبات التجارية الدولية·

وتعتبر قصة انزلاق “نورو” من الرفاه إلى الفاقة واحدة من أكثر القصص التي تدعو إلى الحذر في التنمية الحديثة·

ويمكن تتبع الكثير من مشكلات جزيرة “نورو” عودة إلى القرن التاسع عشر· ففي السبعينات من ذلك القرن، انخفض عدد سكان الجزيرة بنسبة 40 في المئة بسبب اندلاع حرب أهلية بين قبائل الجزيرة الاثنتي عشرة، وبأسلحة نارية تم إدخالها إلى الجزيرة بوساطة صائدي الحيتان·

ثم تعاقب على الجزيرة خمسة مستعمرين كان أولهم الألمان عام 1888· وقد جلب الألمان معهم أمراضاً أوروبية قاتلة والتي وجهت ضربة قوية أخرى لسكان الجزيرة·

عملية تخريب

وقد تعامل حكام الجزيرة معها بإهمال تماماً كما فعل الأمناء من بريطانيا واستراليا ونيوزيلندا التي تعاقبت على حكم الجزيرة بعد الحرب العالمية الأولى· أما اليابانيون فقد احتلوا الجزيرة لثلاثين عاماً، كانت أسوأ من ذلك أيضاً· فحين انتشر مرض الجذام بين سكان الجزيرة إبان الحرب العالمية الثانية، كان العلاج الياباني بوضع المصابين بالمرض في قارب وإغراقه في البحر· ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد أن تعرضت الجزيرة لعمليات قصف جوي، وتهجير لم يبق فيها سوى ستمئة شخص·

وقد استمرت عمليات استخراج الفوسفات بوتيرة سريعة طوال فترة الحكم الأجنبي للجزيرة·

في الوقت الذي كانت فيه القوى الاستعمارية تدفع لأصحاب الأراضي المستغلة نصف بنس عن كل طن من الفوسفات المستخرج· وقد غرقت أول شحنة من الفوسفات نتيجة هبوب عاصفة شديدة قبالة الشواطئ الأسترالية عام 1906·

ولم تكل محاولات الحكام الأجانب لاستغلال هذه الثروة الطبيعية للجزيرة وجلبوا العمالة الأجنبية لتسريع عملية تخريب الجزيرة· والآن، فإنه من بين سكان الجزيرة الاثني عشر ألفاً، هناك أربعة آلاف أجنبي· فالأستراليون يعملون كمديرين وأطباء ومهندسين، والصينيون يديرون المطاعم والمحلات التجارية، في حين يقوم وافدون من جزر أخرى في المحيط الهادي بالأعمال الوضعية في المناجم، وكان الوضع لايزال على ما يرام طوال معظم القرن العشرين حين كان المال لايزال يتدفق على الجزيرة، ولم يكن سكانها في حاجة للعمل لكسب قوت يومهم· ولكن هذه الأيام، فإن القليل من سكان “نورو” قادرون على القيام بتلك الأعمال، ولا يدخل المدارس الثانوية سوى ثلث الأطفال·

وظل الأجانب يحكمون الجزيرة حتى عام 1968، وحينها كان ثلثا ثروة الجزيرة من الفوسفات قد استنفد، مع ما أحدثه ذلك من دمار· وفي اتهام رهيب لممثليها، أعلنت حكومة أستراليا أن الجزيرة لم تعد صالحة للسكن فيها وعرضت إعادة توطين سكانها في جزيرة معزولة قبالة سواحل ولاية كونيزلاند الأسترالية· وقرر سكان الجزيرة اخيتار ممارسة السيطرة على شؤونهم وإعلان الاستقلال·

وفي خطوة أخيرة لاستغلال الجزيرة قبل مغادرتها، أجبرت بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا جزيرة “نورو” على الاقتراض من عوائد الفوسفات المستقبلية لشراء شركة الفوسفات المشتركة بينها·

ومع ذلك، بدا أن مشكلات جزيرة “نورو” يمكن التغلب عليها· وفي الواقع بدا مستقبلها مشرقاً، فقد خططت الحكومة لاستبقاء جزء من عائداتها من المناجم لإعادة تأهيل أراضي الجزيرة·

وكذلك تخصيص جزء آخر للخدمات العامة والتنمية الاقتصادية، واستثمار جزء ثالث لمصلحة الأجيال المقبلة· لقد حفلت الجزيرة بالتفاؤل والنشاط· وأقيم المزيد من المصانع لمعاملة الفوسفات قبل تصديره·

وبدأ سكان الجزيرة الذين تحرروا من الاستعمار يبيعون صادراتهم من هذا المعدن إلى مشترين جدد كاليابان وكوريا الجنوبية، الأمر الذي رفع العائد السنوي للجزيرة إلى 123 مليون دولار مع حلول عام 1981، أي حوالى 17500 ألف دولار للمواطن الواحد·

وأنفقت الحكومة معظم هذه الأموال على المواطنين العاديين لدرجة لم تعد قادرة على تحملها، فهي توظف 95 في المئة من الموظفين من أبناء الجزيرة، وتقدم الخدمات التعليمية والصحية لمواطنيها بالمجان· وإذا احتاج أحد المواطنين علاجاً غير متوافر في واحد من مستشفيي الجزيرة، تتعهد الحكومة سفره إلى أستراليا، على الرغم من تحذير هيئة الإغاثة الأسترالية “أوسيد” AUSAID أخيراً من أن مستشفيات مدينة ملبورن ستمتنع عن استقبال المرضى من الجزيرة ما لم تسدد حكومة “نورو” ما عليها من التزامات مالية تجاه المستشفيات· والطلاب الذين يرغبون بالتحصيل الجامعي يتم إرسالهم أيضاً إلى أستراليا على حساب الحكومة· وتتلقى خدمات الكهرباء والماء والهاتف والإسكان الدعم من الحكومة!!

وبهذه الرواتب الحكومية وتكاليف المعيشة المنخفضة، تمتع سكان الجزيرة بنمط حياة باذخ حسدهم عليه باقي سكان جزر المحيط الهادي· فساعات الدوام فيها الكثير من المرونة وملاعب الغولف تغطي مساحات شاسعة من الساحات الخضراء المتبقية من الجزيرة· ويبث التلفزيون الحكومي ثلاث قنوات لمتعة السكان·

ومع ذلك، فإن المتعة الأكبر لموظفي “نورو” هي قيادة السيارات على غير هدى في شوارع الجزيرة التي تقطعها السيارة خلال 20 دقيقة وإلقاء عُلب البيرة المستوردة الفارغة Victoria Bitter Beer من النافذة! أما النشاطات الأخرى التي يمارسها سكان الجزيرة فهي رفع الأثقال أو تدريب طيور الفرقاط على الرغم من أن هذا الطير الذي يشبه اللقلق لم يعد يتلقى التدريب على صيد السمك للسكان· وتعج الجزيرة بالمحلات التجارية التي تمتلئ بالسلع الفارهة وكذلك المطاعم الصينية·

سمنة وسكري

ولا عجب أن تصبح جزيرة “نورو” حالة للدراسة والبحث كحالات السكري والسمنة· فالحكومة لا تمتلك إحصاءات دقيقة وكافية، لكن يبدو أن سكان “نورو” هم من أكثر شعوب العالم سُمنة وإصابة بالسكري· إذا إن أكثر من 50 في المئة منهم مصابون بالمرضى· ويبدو أن نمط الحياة والسمنة المقترنة بالجينات يجعل الناس عرضة للأمراض·

لقد انخفض معدل عُمر الذكور إلى 55 عاماً أي أقل بعشرين عاماً عما هو في نيوزيلندا مثلاً· وفي وقت سابق من العام الماضي، وفي محاولة لإرساء قدوة في مجال الصحة، بدأ رئيس الجزيرة رينيه هاريس رحلة مشي لمدة أسبوع حول المطار ولكن ذلك فشل في اجتذاب الحشود التي حضرت مسابقة الجمال الأخيرة التي أقيمت أخيراً في الجزيرة تحت شعار “الأضخم·· الأجمل” ومما زاد الأمور سوءاً أن الرئيس هاريس - وبعد جولة المشي التي قام بهامباشرة - نُقل إلى استراليا على عجل لإجراء عملية جراحية·

وفي العقود التي أعقبت الاستقلال، كان لايزال لدى “نورو” أموال وفيرة حتى بعد أن أطلقت الحكومة العنان لنمط الحياة الباذخ لمواطنيها·

فقد استثمرت فائض العوائد في العقار حول منطقة المحيط الهادئ والأسهم في شركات مختلفة وفي مشروعات تجارية شتى· وعلى الرغم من أن حكومة الجزيرة ظلت حذرة إزاء الكشف عن ثروتها، قدرت مصادر خارجية استثماراتها في التسعينات بأكثر من بليون دولار·

ومنذ ذلك الحين، انخفضت قيمة هذه الاستثمارات إلى حوالى 130 مليون دولار فقط·

لقد لعب أجانب عديمو الضمير دوراً رئيساً في مأساة هذه الجزيرة بعد الاستقلال· فقد نجحت مجموعة من المحتالين في إقناع ال”نورو”يين بتبديد أموالهم، فقد أقنعهم مستشار مالي استرالي بإنفاق مليوني دولار على مسرحية موسيقية كتبها حول “ليوناردو دافينشي”، وهي المسرحية الــــتي فشلت بعد عــــرض لم يستمر سوى أربعة أسابيع في لندن· وأقنع مستشار آخر الحكومة بإنفاق مبلغ 60 مليون دولار على إصدار أوراق نقدية كشكل من أشكال المشتقات المالية DERIVATIVES التي تبين أنها غير حقيقية· وقد نجحت الحكومة في استعادة معظم هذه الأموال، ولكن بعد معركة قانونية طويلة شملت قارات عدة·

عجز في الميزانية

وقد فقد النوريون نوعية التعاملات النزيهة التي كانت سائدة في الجزيرة· فالكثير من الاستثمارات كانت تتم لأسباب لا علاقة لها بالفائدة الاقتصادية·

فالموقع النائي للجزيرة وسط المحيط الهادئ يجعلها جهة غير مرغوب السفر إليها، ومع ذلك، دعمت الحكومة شركة الطيران المحلية AIR NAURU التي امتلكت خمس طائرات من طراز بوينغ 737 ولكن لم يبق منها الآن، سوى طائرة واحدة· وكان الرؤساء السابقون يستخدمون طائرات الشركة من أجل قضاء العطلات غير عابئين بمصالح المسافرين· وكذلك الحال بالنسبة لعبّارة امتلكتها الحكومة وكانت تخدم العاملين فيها أكثر من مصالح الدولة· وقد أعادت حكومة فيجي أخيراً امتلاك فندق في عاصمتها كانت “نورو” اشترته قبل سنوات وظل مهجورا لفترة طويلة· واستمر بناء فندق آخر في جزيرة مارشال لأكثر من 20 عاما·

واستثمرت حكومة “نورو” في موقع سياحي في مدينة ملبورن الاسترالية تبلغ 50 مليون دولار استرالي (36.6 مليون دولار أمريكي)·

وفي عام 1993، قدم الرجل الذي استجلبته الحكومة لإدارة شركة الفوسفات الرئيسية Phosphate Royalties Trust استقالته بعد شهرين فقط بعد أن اشتكي من أن الشركة على وشك الإفلاس بسبب سوء الإدارة· وكان السبب الجذري لمشكلة الشركة هو فشل الحكومة في تفهم ظروف الجزيرة·

فقد وصل إنتاج الفوسفات أوجه في الثمانينات وانخفض منذ ذلك الحين بمعدل الثلثين· كما أن أسعار الفوسفات انخفضت، مما أدى الى تراجع كبير في عوائد الجزيرة· ومن أجل تغطية هذا النقص، اقترضت الحكومة مبالغ كبيرة ووضعت عبء تسديدها على الشركة الوطنية للفوسفات· وقد وصل العجز في الميزانية عام 2000 الى 18 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العام، وفقا لبنك التنمية الآسيوي·

ووجدت الحكومة نفسها عاجزة عن دفع رواتب الموظفين واضطرت الى الحد من السحب من بنك “نورو” المملوك لها·

وفي النهاية وجد زعماء “نورو” أنفسهم مضطرين لأن يفعلوا شيئا في هذا الوضع المالي المتدهور· وفي عام 98 أقنعوا بنك التنمية الآسيوي بإقراض البلاد 5 ملايين دولار لإصلاح القطاع العام المهترئ تماما·

وكجزء من الصفقة مع البنك، قامت الدولة ومنذ عام 99، بتسريح نحو ثلث الموظفين الحكوميين· ولكن حكومة “نورو” - شأنها شأن معظم الحكومات الأخرى - فضلت أن تفعل أي شيء باستثناء خفض الميزانية· ولذلك، لجأت الى الكثير من المشاريع اليائسة لجمع المال، بما في ذلك الأسلوب الذي تتبعه دول العالم الثالث المحتاجة بصورة ماسة للمال، وهو مصادقة تايوان التي أقرضت المال ل”نورو” بأسعار فائدة مرتفعة·

وعلى صعيد آخر، جلبت مقاضاة القوى الاستعمارية للاستغلال العشوائي للمناجم، العوائد الكبيرة للبلاد، ففي عام 89، رفعت “نورو” دعوى قضائية ضد أسترالي لدى “محكمة العدل الدولية” في “لاهاي” بالرغم من حقيقة أن حكومة “نورو” كانت شريكة في المسؤولية عن أي محنة أو ضرر أحدثته الحكومات الأجنبية في مواردها· وفي عام 93، وافقت أستراليا على تسوية مع حكومة “نورو” خارج المحكمة، دفعت بموجبها مبلغ 72 مليون دولار أمريكي·

المهمة المستحيلة

ولكن المشروع الأكبر الذي يدر الربح على الجزيرة هو المصارف الأجنبية· إذ يمكن لأي شخص بمبلغ زهيد لا يتجاوز الـ 25 ألف دولار إنشاء بنك في “نورو” من دون أن يضع رجله في الجزيرة· وقد فعل ذلك أكثر من 400 شخص كلهم سجلوا عنوان صندوق البريد ذاته في “نورو”· وعلى العكس من الملاءات الضريبية الأخرى التي تفرض على البنوك تسجيل عملياتها لكي تحجب التفاصيل عن أعين المسؤولين الأجانب، فإن البنوك المسجلة في “نورو” لا يطلب إليها حفظ سجلات بعملياتها على الإطلاق·

وتعقب العمليات الغامضة أو من وراءها، بذلك، يصبح ضربا من المستحيل· وعلاوة على كل ذلك، بدأت “نورو” تبيع جنسية الجزيرة كملجأ أخير لتفادي انقراض سكانها!

ولم تجد المافيا الروسية بيئة أفضل من “نورو” لممارسة نشاطها، فوفقا للبنك المركزي الروسي، اختفت حوالى 70 بليون دولار في حسابات مصرفية في “نورو” عام 98، ولم تظهر بعد ذلك أبدا· ولم تكن “روسيا” هي البلد الوحيد الذي لديه مخاوف بشأن “نورو”، ففي عام 2000 وصفت لجنة من مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، “نورو” بأنها واحدة من 15 دولة لا تتعاون في مجال مكافحة غسل الأموال· ولكن الحكومة أصدرت في شهر أغسطس الماضي، تشريعا ضد غسل الأموال، لكن لجنة مجموعة الدول السبع الكبرى قالت إن الإجراء ليس كافيا· وأنه لمن الصعب معرفة كيف يمكن ل”نورو” وضع نظام أكثر تقدما، ومع ذلك تهدد الدول الصناعية السبع الكبرى بتطبيق عقوبات مالية شديدة ضدها· ومن بين هذه العقوبات عدم قيام البنوك الأوروبية الكبرى بعمليات داخل “نورو”، وبذلك أصبحت أيام “نورو”، كملاذ للبنوك، معدودة·

هذه المعرفة قادت الجزيرة الى خطة هي الأغرب من نوعها لتحقيق الربح حتى الآن، وهو تأجير أراضيها كمعسكر احتجاز للمهاجرين الى استراليا· وكان الإعلان الأول في شهر سبتمبر 2001، بأن “نورو” ستحتضن 283 لاجئا تم اعتراضهم قبالة السواحل الاسترالية الى حين النظر في طلباتهم للحصول على حق اللجوء السياسي، مفيدا لكلتا الدولتين· فالحكومة الاسترالية التي لا ترغب بهؤلاء الناس، تمكنت من فرض سياستها القائمة على القبول فقط باللاجئين “الحقيقيين”· وكسبت “نورو” 20 مليون دولار على شكل 8 أشهر من الوقود المجاني ومولدين كهربائيين وعشرة بعثات دراسية لطلاب من “نورو” في الجامعات الأسترالية، إضافة الى وعد بإعفاء الجزيرة من الفواتير الطبية المترتبة عليها لدى المستشفيات الاسترالية· هذه الفوضى المتعلقة بذلك الحدث، جلبت الى الجزيرة الكثير من الدبلوماسيين والصحافيين ومسؤولي الهجرة والمقاولين· وقد قابل سكان الجزيرة المبتهجين، اللاجئين بالأغاني والزهور·

تجارة اللاجئين!

ولكن اللاجئين لم يكونوا سعداء لاحتجازهم في وسط المحيط الهادئ وعلى بعد أميال قليلة من الجهة التي يودون الوصول إليها· فالكثير منهم رفضوا النزول من سفن الأسطول الاسترالي التي جلبتهم الى “نورو”· ووقعت صدامات بين اللاجئين والجنود الذين كانوا يحاولون إنزالهم من السفينة·

وتفاقمت مشكلات الجزيرة حين قبلت الحكومة استقبال حمولة أخرى من اللاجئين يصل عددها الى 237 شخصا ثم حمولة ثالثة مؤلفة من 262 شخصا· وحذر أكثر من رئيس سابق من رؤساء الجزيرة من القبول بالمزيد من اللاجئين· وعلى أي حال، فإن “نورو” تواجه منافسة من جزر أخرى أكثر فقرا في المحيط الهادئ مثل بابوا غينيا الجديدة وكيريباتي، كمركز لاستقبال المهاجرين·

وفي هذه الأثناء، فإن الأدلة على فساد الجزيرة تتزايد بشكل تحذيري· فقد أجبرت الحكومة على توزيع الكهرباء والماء بين كل زيارة وأخرى من زيارات السفينة التي تجلب الوقود لمحطتي الطاقة وتحلية المياه· فكثيرا ما تنفد إمدادات الوقود من الجزيرة· واضطرت سلطة الطيران الأسترالية الى وقف الطائرة المدنية الوحيدة التي تملكها الجزيرة، مخافة من انطفاء أنوار المطار أو سوء الاتصالات فيه· وجاءت الضربة التالية للجزيرة حين أعلن الاتحاد الدولي لرفع الأثقال وهي اللعبة المفضلة في الجزيرة، عن إلغاء خطط لإقامة بطولة العالم باللعبة في الجزيرة في وقت سابق من هذا العام ونظمتها في تركيا·

ولكن مواطني “نورو” لم يستسلموا، فقد فرضوا تغيير الحكومة نحو عشر مرات خلال الفترة منذ عام 95 وحتى الآن· وخرجوا في تظاهرات احتجاجية كلما جاء الجزيرة زائر أجنبي للمطالبة بمعرفة مصير أموالهم التي تم تبديدها من دون طائل·

ومن علامات وصول سكان الجزيرة الى وضع يائس أن بدأت تطرح فكرة شراء جزيرة جديدة وبدء حياة جديدة هناك!· ولكن من يكون في كامل وعيه ويسمح لسكان “نورو” ببسط سيطرتهم على أرضه بعد اليوم؟!

“ ايكونوميست “

22 ديسمبر 2001

طباعة