“من تاريخ العلم العربي” للدكتور أحمد جبار
صخرة تلقى في بركة “المركزية الأوروبية” علوم العرب·· بصرامة الرياضيات ودقة المنطق
عيسى صيوده
لم تنل مساهمات العلماء العرب والمسلمين في إرساء مناهج جديدة للعلوم على مدى قرون كثيرة ما يجب من البحث والدراسة الموضوعية الجادة والتوثيق، ولاسيما من لدن الباحثين الأكاديميين والدارسين العرب· وحتى ولئن اهتم المستشرقون بدراسة التراث الفكري للحضارة العربية الإسلامية في جميع جوانبه، ومن ضمنها الجوانب العلمية، إلا أن الكثير منهم كان ينطلق من منظور أيديولوجي هو “المركزية الأوروبية”· ولذلك جاءت دراساتهم تلك نوعاً من الوالع بـ “الغرائبي Exotiques” أكثر منها دراسات منصفة إلا في القليل النادر· أما مساهمات الباحثين العرب والمسلمين في هذا المجال، فقد كانت في معظمها تتسم بالذاتية وموجهة نحو الداخل، ولذلك ظل جمهور القراء في بقية العالم إما جاهلاً تماماً بالحضارة العربية الإسلامية، أو لا يعرف عنها سوى ما تبثه وسائل الإعلام الغربية من تبسيط هو أقرب إلى التشويه· أما أعمال الأكاديميين الغربيين الموضوعيين، فقد بقيت إلى حد كبير حبيسة جدران الجامعات، بل أقسام الدراسات الشرقية فيها، ولا يطلع عليها إلا من يقصدها· ولعل كتاب “من تاريخ العلم العربي” الذي نشرته في مايو 2001، دار لوساي في باريس، وهو من تأليف الدكتور أحمد جبار، أستاذ الرياضيات في جامعة باريس الجنوبية، ووزير التربية والتعليم العالي الجزائري الأسبق (1994 - 1992)، يعتبر واحداً من تلك الكتب الجادة القليلة التي تعرضت بالدراسة والتحليل الموضوعي لهذه القضية التاريخية والفكرية البالغة الأهمية· ونظراً لما لهذا الكتاب من أهمية علمية، فقد بادر الإيطاليون إلى ترجمته مباشرة بعد صدوره لما يتضمنه من قيمة علمية وتاريخية كبيرة، ومن مساهمة جادة في تبيان الحقائق العلمية مجردة منزهة عن الدعاوى الأيديولوجية المعهودة· ومما لاشك فيه أن أسلوب الأستاذ جبار المتميز بدقة الرياضيات وصرامة المنطق، كان وراء ذلك الرواج الذي لقيه الكتاب الموجه في الأساس إلى القارئ الفرنسي ثم إلى القارئ الأوروبي الغربي عموماً· ومن القراءة الأولى للكتاب يخلص القارئ إلى أن الأستاذ أحمد جبار يعتبر من أولئك المثقفين العرب الواعين تماماً بالدور الحضاري والعلمي العربي في المسار الحضاري البشري بأكمله· وبحكم إقامته وعمله في باريس واحتكاكه بالأجواء الفكرية فيها، قرر أن ينذر نفسه لبحث مختلف الجوانب العلمية لحضارته، وأن يساهم في توعية العالم أجمع، بإسهامات العلماء العرب والمسلمين في تأسيس الحضارة الإنسانية· يقع كتاب “من تاريخ العلم العربي” في 358 صفحة من الحجم الصغير· وهو يتسم بالسهولة والعمق في الوقت نفسه وذلك حتى يتمكن القراء بمختلف مستوياتهم من استيعاب مضمونه والقضايا المهمة المطروحة فيه· ولابد أن نشير منذ البداية بأن المقصود بمصطلح “العلم العربي” هو العلم الذي كتب باللغة العربية بغض النظر عن مذهب وجنس وديانة صاحبه· يتضمن الكتاب ثمانية فصول، خصصت الثلاثة الأولى منها لاستعراض تاريخي يبرز ظروف وسياقات تطور العوامل العقيدية والفكرية والجيو - سياسية المؤسسة للعلم العربي بمختلف فروعه، وتناول تحولات الدولة الإسلامية· وفيها تعرض المؤلف إلى دراسة أنماط التراث العلمي الذي كان قاعدة انطلاق العلماء العرب والمسلمين، ثم ناقش مختلف العلوم التي اهتم بها العلماء العرب والمسلمون، ثم قاموا بتطويرها وإدخال نظريات جديدة عليها، ومنها فروع كان لهم سبق ابتداعها ووضع أصولها ومناهجها، مثل الجبر وفيزياء الضوء (البصريات)، وبعض تفرعات الفلك والطب وغيرها· في مقدمة كتابه أشار المؤلف إلى أن النشاطات العلمية التي ميزت العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية (من القرن الـ 9 إلى القرن الـ 15) لاتزال مجهولة بشكل كبير لدى الجمهور الفرنسي خصوصاً، والجمهور الغربي عموماً· ولا يتوقف أمر الجهل أو التجاهل عند هذا الحد، بل إن هذا الإرث الإنساني كان في كثير من الأحيان موضع نكران وعدم اهتمام في المؤلفات الأوروبية في القرن الـ 19 ومطلع القرن الـ 20· وفي أحسن الأحوال كان التذكير بالمساهمات العلمية العربية لا يظهر إلا لماماً في موسوعات تاريخ الحضارات، ولا يذكر العلماء العرب والمسلمين إلا كناقلين للعلوم اليونانية نحو أوروبا· وبرغم بروز نوع من الوعي المتأخر، ظلت الأبحاث المنصفة للعرب، حبيسة صفحات الكتب الموجهة للمختصين· فالعلم العربي، وفق رؤية الأستاذ جبار، لم يرث فقط مختلف التقاليد العلمية التي سبقته، وليس اليونانية منها فقط، بل كان علماً أصيلاً وخلاقاً ومبدعاً· وتعرض المؤلف بداية إلى ظروف نشأة الدولة الإسلامية والأوضاع الإقليمية والعالمية التي كانت سائدة يومئذ· وأشارإلى أن حركة الترجمة والاهتمام بالعلوم لم ينطلقا في العصر العباسي، بل في عهد الدولة الأموية التي كانت قاعدة للانطلاق الكبير الذي عرفته المرحلة العباسية· فقد كان الأمويون هم أول من اهتم بتكوين المكتبات الخاصة، وكلف خلفاء وأعيان بني أمية بعض التراجمة من السريان، بترجمة بعض كتب الفلك، وشجعوا بوادر الفنون الإسلامية الأولى في مجالات العمارة والزخارف والخط والنحت وما إلى ذلك· ولعل من بين القضايا المهمة التي طرحها الكتاب جدلية العلاقة بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وكيف كانت الديناميكية الثقافية والعلمية قائمة بينهما· وحول هذا يرى الأستاذ جبار أنه لم تكن هناك حدود بين الدول المسلمة يومذاك تمنع هذا العالم أو ذاك الفيلسوف أو المفكر من التنقل من منطقة إسلامية إلى أخرى· وبذلك انتقلت العلوم والأفكار في مختلف أرجاء البلاد المسلمة· فابتكارات منطقة المغرب الإسلامي والأندلس انتقلت بشكل أو بآخر نحو المشرق، حتى وإن لم يذكر ذلك بكثير من التوضيح في كتب التاريخ وتراجم الأعلام· إن تحليل مضامين المؤلفات المشرقية يبين لنا كيفيات انتقال الأفكار والمعلومات من الأندلس نحو بلدان المغرب العربي، ومنها نحو مصر وبلاد الشام، وإلى ما بعدها من بلدان إسلامية أخرى· أما بالنسبة إلى المساهمات الأندلسية والمغربية العلمية، وخصوصاً في مجال الرياضيات والهندسة والجبر، فإن أبحاث ودراسات الأستاذ جبار قد قادته إلى اكشتافات مثيرة، ظل البعض منها طي النسيان أو التجاهل منذ آماد بعيدة· فإذا كان الخوارزمي هو أب الجبر، وجاء بعده علماء رياضيات لامعون من أمثال أبي كامل، والكرجي، والطوسي وغيرهم، وقاموا بتطوير هذا العلم الجديد، ثم زاده تطويراً أبو الجود وعمر الخيام، فإن علماء المغرب العربي والأندلسي، مثل الأمير المؤتمن بن هود (أمير سرقسطة) والسموءل المغربي، وابن البنا والقطرواني والقلصادي وابن قنفذ القسنطيني وابن غازي كان لهم دور كبير في تطوير علم الجبر وإدخال الرموز عليه· كما ظهر فرع رياضي جديد ذو علاقة مزدوجة بالجبر وبالمنطق التحليلي لعلوم اللغة، وصار يعرف باسم التوفيقات أو التحليل التوافقي، ويعود الفضل في ذلك إلى أحد علماء المغرب العربي وهو ابن منعم (عاش في القرن الـ 13م) الذي أفرد في كتابه “فقه الحساب” فصلاً مستقلاً للتحليل التوافقي· أما بخصوص انتكاسة الحضارة العربية الإسلامية، وعدم تمكنها من الارتقاء لتصبح حضارة تقنية، يرى المؤلف أن الإجابة تتطلب بحثاً عميقاً ومطولاً حول الظواهر التي لاتزال غير معروفة إلى الآن في هذه الحضارة وما أحاط برجالها الفاعلين· ومن تلك الظواهر المجهولة، طبيعة ودرجة الأزمات الداخلية التي عرفها المجتمع في زمن هجومات الصليبيين والمغول ومدى تأثير ذلك على سلوك المجتمع الإسلامي في عمومه· وإضافة إلى ذلك، فنحن لانزال إلى الآن لا نمتلك أجوبة شافية وذات مصداقية بخصوص تطور الروابط المحتملة التي كانت تجمع البنى الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، ولا بخصوص العلاقات الاجتماعية التي كانت تسود النشاطات الإنتاجية والحرفية وشبه الصناعية· وفيما يتعلق بالإنتاج ينبغي تقييم الموارد الزراعية، والحركة التجارية، والنسيج شبه الصناعي مثل استخراج المعادن، في نمو الاقتصاد داخل الدولة الإسلامية· كما لا يجب أن نغفل الدور الهدام الذي تكون قد لعبته الأفكار المتطرفة وتلك التي تتخذ من الغلو في الدين لواءها، وتعادي كل تطور باعتباره بدعة· كما تطرق الأستاذ جبار إلى موضوع التعليم في مختلف عهود الحضارة العربية الإسلامية، وأشار إلى أن المؤسسات التعليمية العامة، ومنها المدارس و”الجامعات” التي كان المسجد هو مركزها، كانت تمول من قبل المؤسسات الوقفية والخيرية· كما كان بعض التعليم يقدم بالنسبة إلى أبناء الأمراء والأعيان وكبار الموظفين وكبار التجار في مدارس خاصة· أما لغة العلم والتعليم فقد ظلت، وطيلة أكثر من ثمانية قرون، هي اللغة العربية التي تمكنت من أن تواكب كل التطورات· ففي المرحلة الأولى من نشوء العلوم عند العرب، تم استعمال الكثير من مصطلحات وألفاظ أعجمية مستمدة من اليونانية والسريانية والفارسية والهندية· لكن التقدم المتواصل الذي عرفه النشاط العلمي والفلسفي سرعان ما زاد من ثراء العربية بحيث صارت تبتكر مصطلحاتها الخاصة بها وتعرب معاني المصطلحات القديمة· وساق المؤلف مثال البيروني الذي أشار إلى مترجم أحد كتب علم الفلك الهندية ترك بعض المصطلحات بلغتها السنسكريتية· ولتصحيح ذلك، قام البيروني بإعادة ترجمة ذلك الكتاب بعربية سليمة· ولاحظ المؤلف أن التبادل بين أوروبا والفضاء الثقافي الإسلامي لم يتم دائماً عبر الترجمة بل حدث أن مثقفين إفرنجيين أقاموا في وسط معرب فألموا باللغة العربية وبعض العلوم التي كانت تدرس بها· وعندما عادوا إلى بلدانهم قاموا بصياغة أو اقتباس ماتعلموه وأصدروه في شكل مؤلفات تحمل أسماءهم· ولاحظ الأستاذ جبار أن سيادة اللغة العربية في مختلف بلاد المسلمين لم تمنع لغات مختلفة من أن تظل نشطة وأن يتم إثراؤها بفضل احتكاكها بالعربية ولم تقم السلطات المتعاقبة بأي إجراءات تعسفية ضد هذه اللغات· فطالما كانت تلك الشعوب تتكلم بلغاتها وتقبل بالحكم السياسي الإسلامي وبلغته “الرسمية” (العربية) فإنهم لم يمنعوا من التحدث بلغاتهم والدراسة بها وتطويرها· وفي الوقت نفسه استطاعت العربية أن تفرض نفسها بسرعة في الإدارة وفي النشاطات العلمية والفلسفية· فقد كان جميع العلماء يومذاك يكتبون مصنفاتهم العلمية بالعربية، مهما كانت دياناتهم وقومياتهم بل ظل الأمر كذلك حتى بعد تلك الفترة، أي بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر ميلادي· أما في المجال الأدبي، كالشعر، فالأمر يختلف، فعمر الخيام مثلاً كتب رباعياته الشهيرة بالفارسية أما كتبه في الجير والهندسة فقد كتبها بالعربية· هكذا إذن، يرى المؤلف أن الحضارة العربية الإسلامية، وعلى عكس بعض مزاعم بعض المؤرخين والفلاسفة الأوروبيين، لم تكن مجرد ناقل لمنجزات وعلوم اليونان وغيرهم، بل على العكس من ذلك، قامت بـ “استملاك” علوم وأفكار مختلف الحضارات السابقة لها، ثم طورتها وأضافت إليها، واستنبطت منها علوماً وتقنيات وأفكاراً جديدة، وأضافت كل ذلك، بعد إغنائه وتخصيبه، إلى التراث الحضاري الإنساني· فوفقاً للمنطق السليم، يكون بعض مواطني الحواضر العربية التي وصلت درجة كبيرة من الرقي خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، وانطلاقاً من درجة الرقي الاجتماعي والمعرفي والإدراكي التي وصلوها، وحب الاطلاع الذي تولد في أنفسهم، قد وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى ما يمكن تسميته “الانطلاق في رحلات بحث” عن المعلومات والنصوص والكتب العلمية والفلسفية، التي يمكن أن تساعدهم على إيجاد أجوبة للمواضيع والظواهر التي طرحتها عليهم الظروف التاريخية التي كانوا يعيشونها· ومن هنا يكون من الصواب الحديث عن “فعل الاستملاك”، وليس “فعل النقل”· وأورد المؤلف الكثير من الشواهد حول ذلك· وتطرق الأستاذ جبار في الفصل الثالث إلى مسألة الترجمة وذكر أعلامها وبعض عناوين الكتب التي ترجمت، وأكد أن العرب لم يكونوا يختارون ما يترجمون في بداية الأمر، بل كانوا يترجمون معظم ما يصلهم من كتب العلوم والفلسفة والأدب· ويؤكد أن تأليف الكتب العلمية باللغة العربية قد ظهر في الوقت نفسه الذي كانت كتب اليونان والفرس والهند تترجم إلى العربية· وكان ذلك مع بداية النصف الثاني من القرن الثامن، وخصوصاً في الكيمياء وعلم الفلك· أما عدد المترجمين الذين ورد ذكرهم في كتب القدماء خلال القرنين اللذين ازدهرت فيهما الترجمة فهو يقدر بنحو مئة مترجم· وأشار إلى أن العرب والمسلمين يكونون ربما قد استفادوا كذلك من العلوم الصينية· ويلاحظ المؤلف أن علماء بلاد الإسلام لم تكن لديهم أي حساسية أو كراهية تجاه علماء الصين أو الهند أو بابل أو اليونانيين، فهم يذكرون بصفة تلقائية كل ما يدين به العلم العربي لكل أولئك العلماء، وهي نزاهة لا نجدها إلا نادراً عند الدارسين الأوروبيين قبل مطلع القرن العشرين· بعد هذا العرض العام الذي يتميز بالدقة العلمية تناول الأستاذ أحمد جبار بالتفصيل أهم الاختصاصات العلمية العربية، بدأها بفصل حول علم الفلك· وأشار إلى أن العرب قاموا بترجمة ستة كتب هندية وتسعة كتب يونانية تتناول موضوع علم الفلك، وكانت منطلقاً لهم للتبحر في ذلك العلم· وقاموا ببناء المراصد الفلكية وصناعة أدواتها وفي هذا الفصل، أشار المؤلف إلى أن مؤرخي العلوم قد اعتقدوا مدة طويلة أن المبدأ القائل إن الأرض ثاتبة في الكون كان مبدأ مسلماً به من قبل جميع علماء العصور الوسطى· والواقع أن البحوث التاريخية بينت أن هذا المبدأ كان محل نقاش لدى علماء العرب والمسلمين لاسيما القرن الحادي عشر· ومن بين العلماء الذين أشاروا إلى هذه القضية نذكر ابن سينا وفخر الدين الرازي والسزجي والبيروني وحسن المراكشي· وفي الفصل الموالي تحدث الأستاذ جبار عن الرياضيات التي هي مجال اختصاصه بالذات فأشار إلى أن العرب ترجموا أمهات الكتب اليونانية في هذا الاختصاص وقدم عناوين تسعة منها· ثم استعرض موقع الرياضيات وفروعها في العلم العربي ككل، وتطرق إلى إسهامات العرب فيها وما الذي كسبته الرياضيات في عهودهم مثل ميلاد الجبر على يدي الخوارزمي وكذلك حساب المثلثات، ثم التوافقات· ويعلق المؤلف على هذا الميلاد بالقول إنه لم يأت مصادفة بل كان نتيجة لسياق عام بدأ منذ القرن الثامن· ولم يكتف المؤلف بذكر إبداعات هذه الحضارة في الرياضيات حيث تحدث أيضاً عن بعض إخفاقاتها· وفي حقل الفيزياء، اهتم العلماء العرب بمسائل توازن وحركة الأجسام الصلبة والسائلة والبصريات والميكانيكا وحركة القذائف ذات الاستعمال الحربي· وأبدوا اهتماماً كبيراً بالجانبين التطبيقي والنظري· وينسب إلى الفيزيائيين العرب إسهامهم في تعميم نظرية أرخميدس حول مراكز الثقل لتشمل الأجسام ثلاثية الأبعاد، وحاولوا مد مقارباتهم الفيزيائية تلك إلى دراسات أخرى مثل الجاذبية، لكن دون تقديم نظريات يعتد بها· كما أسهموا في نظرية رفع الأجسام وخلقوا الظروف الملائمة لميلاد فرع جديد للفيزياء وهو الهيدروستاتيكا· وفي مجال الفيزياء قام العرب بترجمة ما لا يقل عن 14 كتاباً يونانياً إلى العربية، وجاء ذكر الكثير من المؤلفات العربية في هذا الاختصاص وتعد بالعشرات· ولعل ابن الهيثم يعد خير مثال للفيزيائي العربي، فهو من طور علم البصريات وانكسار الضوء· وبرغم ذلك يبدو أن كتب الفيزياء العربية لم تحظ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به كتب أخرى في طليطلة خلال القرن الثاني عشر· وأشار الأستاذ جبار في الفصل السابع إلى أن العلماء العرب قد اهتموا بعلوم الأرض والحياة ومنها علوم الزراعة وعلم النبات وعلم الحيوان والجيولوجيا وهي فروع ألّف فيها العلماء العرب والمسلمون كتباً كثيرة في المشرق والمغرب· واهتم علماؤهم بدقائق الأمور في هذا المجال بما فيها علاقة الرياضيات بالنبات كما فعل البيروني في كتابه “آثار باقية عن القرون الخالية” ومن أشهر المؤلفين في علوم النبات نذكر القصري والأصمعي وابن حاتم، والأنصاري، وابن العربي، وابن حبيب، وابن السكيت، والسجستاني والسكري وبن سلمة، وابن خالويه وغيرهم· أما في مجال العلوم الطبية فقد أشار المؤلف إلى اهتمام المسلمين بقضية النظافة والوقاية هوالذي جعل الحمامات العمومية تنتشر بسرعة في بلاد الإسلام· ففي القرن العاشر مثلاً كان هناك حمام في كل شارع من شوارع بغداد· وفي الوقت نفسه نجد أزيد من ستة آلاف حمام في قرطبة· أما في القيروان فكان هناك حمام لكل ثمانين ساكناً· وكان التأليف باللغة العربية قد ظهر في القرن التاسع ميلادي لكنه تكاثر بسرعة بعد ذلك التاريخ في المجال الطبي النظري والعلاجي وارتفع شأن الأطباء في المجتمع تدريجياً· وبرغم ذلك لم يظهر الطب في التصنيفات الأولى للعلوم عند العرب كعلم مستقبل بل كان يعد فرعاً من علوم الطبيعة· ويقول المؤلف إنه يحبذ الحديث عن “فلسفة طبية عربية” بدل “نظرية طبية عربية”· كما تحدث عن المستشفيات والصيدلة وتركيب العقاقير· وفي الفصل الأخير تناول المؤلف باب الكيمياء فلاحظ في البداية أنه خلافاً لما يتداوله الكثير من الناس فإنه لم يثبت بعد أن لفظ الكيمياء مصطلح عربي الأصل، مضيفاً أن ما نعرفه عن الكيمياء العربية هو ما ترجم من العربية إلى اللاتينية في أواخر العصور الوسطى· وكان هؤلاء المترجمون يهملون في أغلب الأحيان الجانب “التكنولوجي” للكيمياء إما لأن موضوع تكنولوجيا الكيمياء لا يهمهم وإما لعجزهم على إدراكه ونقله إلى اللاتينية بسبب نقص المصطلحات المناسبة في اللغة اللاتينية· أما المؤلفات الكيميائية العربية التي لم تمر عبر الترجمة اللاتينية أو العبرية فإنها لم تعرف عموماً دراسة وافية· ولذا فمعرفتنا لها حالياً ظلت محدودة ومشوهة· و من ثم حذر المؤلف من الأحكام المتسرعة التي قد تصدر هنا وهناك حول الكيمياء العربية انطلاقاً من الترجمات وحدها· وقد أنهى المؤلف كتابه بخاتمة أكد فيها أن هذا العمل يهدف إلى الإسهام في إعادة الأمور إلى نصابها في تاريخ العلوم وتثمين مساهمة علماء بلاد الإسلام وإنصاف حقبة تطور من زمن البشرية مالت الفترة الاستعمارية إلى تجاهها أو الاستنقاص من قيمتها· وأشار إلى أن الكتاب يهدف أيضاً إلى إفادة الجالية الإسلامية القاطنة في أوروبا للتعرف على أعمال الأجداد لتستمد منها اعتزازاً مستحقاً بحضارة دامت ثمانية قرون·