صــلاة الأرمــلة
علي الحداد - السعودية
تجمع الكثير والكثير ممن يعرفونها ذلك اليوم في مغتسل الموتى كان جثمانها قد غسل ووضع في تابوت مغطى بقماش أخضر في مصلى المغتسل في انتظار قدوم إمام الجماعة لأداء الصلاة·· جلس ابنها عند مقدم التابوت يبكي وينشج ويكفكف دموعه·· تكلم بعض الحاضرين في أسى وذكروا محاسن ومآثر الفقيدة·· تمتم أبي (رحم الله الخالة كانت مؤمنة ورحيمة بالمساكين، عاشت وحيدة منذ توفي زوجها ولم تظلم أحدا طوال عمرها) الكل كان يلقبها (بالخالة) والكل كان يحترمها·· تأملت تابوتها الوقور الحزين، ثم مر بي شريط ذكريات العمر إلى ما قبل قبل عشرين عاماً مضت، كنت وقتها في سن العاشرة، وفي عصر كل يوم أحد يقام السوق الصغير في طرف مدينتنا، كان سوقاً خليطاً من الباعة المتجولين، فتعرض البضائع المختلفة المتناقضة من دون ترتيب وتباع بسعر منخفض·· كنت أساعد أبي الذي يبيع الأقمشة النسائية، وفي مثل هذه الأسواق المتنقلة لاحظت أن أكثر من يرتادها هم من النساء خصوصاً من اللواتي يسكن بالقرب من ذلك السوق، لذلك قد ينشأ أحياناً ثمة تعارف بين النسوة والبائعين·· ببطء كانت تمشي هادئة حين أقبلت نحونا، ممسكة بكيس مملتئ بالباذنجان·· كانت ضخمة الجثة عريضة المنكبين فارعة الطول، تبدو في الخامسة والأربعين من عمرها، تشد انتباه من تمر به، لكن هناك ثمة هيبة وقورة تشع منها·· ابتسم أبي لها حتى بانت أسنانه، ابتسامة النفاق التجاري·
- أهلا وسهلاً بالخالة·
- مرحبا بك·
- لدي حرير رائع للمناسبات·
- أرني·
- هذا أروع ما عندي، صدقيني هذا الحرير هو أغلوطة العصر سيكون رائعاً عليك!!
- لا تثرثر· اقطع لي أربعة أمتار إلا ربعاً وثلاثة أمتار من قماش البطانة وأرسلها مع ابنك إلى بيتي·
دفعت لأبي المبلغ وانصرفت، فجتاحني الغضب الممزوج بالخوف·· التفت إلي أبي··
- لن أذهب يا أبي·
- ولد·· بل ستذهب إلى بيت الخالة رغماً عنك·· هل تفهم؟
- قلت لك ستذهب والآن·· هيا·
(ما أقساك يا أبي· كم أكرهك أيتها الخالة اللعينة شيطان يأخذك إلى الجحيم) قلت ذلك في نفسي التعيسة··
لم يكن بيتها يبعد كثيراً عن موقع السوق، كان في الحارة نفسها التي فيها بيت عمتي (أم حمد)·· لا أدري كيف استطاعت العيش بمفردها بعد وفاة زوجها، وانتقال ابنها الوحيد إلى مدينة أخرى حيث يعمل·· وقفت على باب دارها، بدا الباب غير مغلق ولا مفتوح على مصراعيه·· طرقت الباب، فأتاني صوتها القوي من الداخل:
- من؟
- القماش·
- أدخل·
وبمجرد أن دخلت أغلقت الباب وابتسمت بخبث·· أخذت مني القماش ورمت به بعيداً·· خلت نفسي كفأر صغير أمام أفعى هائلة عملاقة!!·· أمسكت بذراعي فأجلستني وجلست فقالت:
- قبلني·
- ماذا؟
- قبلني·· ألم تسمع؟
- سمعت ولكن·· رائحتك تعبق بالثوم·
- آه·· الثوم اللعين·· صدقت حبيبي لن أذوقه مرة أخرى، لا أدري لماذا يزرعونه·· هيا قبلني·
وبيديها القويتين أدخلت وجهي في وادي صدرها المظلم، ثم بدأت تعصرني وهي تضمني، فكدت أختنق، كنت أسمع دقات قلبها بل طرقات قلبها في صماخ تجويف أذني وأنفاسها المتسارعة تلهث وزفيرها كاد أن يحرق جلد وجهي·· أدرت طرفي إلى الأعلى فرمقتها تعض بأسنانها على شفتها السفلى بكل ما أوتيت من قوة وعيناها مغمضتان·· ثم فتحت باعها وأطلقتني وأنا أحاول جاهداً التقاط أنفاسي·· ثم ضحكت بمكر ونشوة ودست في جيبي ريالاً مطوياً ثم أحضرت قطعة جبن مثلثة الشكل وأعطتني·· على هذا المنوال بقيت، ففي عصر كل أحد يحدث لي هذا المشهد··
قطع استرسال شريط ذكرياتي حضور إمام الجماعة·· أقيمت الصلاة·· وقفت بين يدي الله الواحد القهار متحيراً!!·· سمعت إمام الجماعة يقول: (اللهم إنا لانعلم من ظاهرها إلا خيراً)·· آه·· يا إلهي العليم الطف بي، ماذا أقول الآن؟·· هل انطق هذه العبارة كما ينطقها الآخرون؟·· هل أكذب وأقولها؟·· وأنا أعلم عن ظهرها السيئ الذكر·· أي مأزق حرج وقعت أنا فيه؟·· أيتها الخالة اللعينة!! تأثمين بفعلك، وهؤلاء القوم يدعون الله لك بالمغفرة!!·· تبا لك، كم كنت تراودينني بل تغتصبينني، فلتذهبي إلى الجحيم أيتها الخبيثة·· آه·· يا ربي، ولكن هل هي المذنبة وحدها فقط؟ أليس المجتمع كان شريكاً في إثمها ولو بطريق غير مباشر؟·· وماذا تفعل أرملة مثلها في عز خصوبة فتنتها إذا لم يأت من يتزوجها، ويطفئ لهيب تأجج نارها؟·· ثم ماذا يفعلن الملايين اللواتي على شاكلتها وحالها؟··
آه·· آه·· لاأدري، لا أدري·
أدرجت في لحدها وأهيل عليها التراب، ثم انفض الجمع·· وقفت أتأمل نهايتها، وكنت غارقاً في بحر أفكاري·· شعرت بيد تربت على كتفي فالتفت كان (أحمد ابن عمتي)·· فبادرني متسائلاً:
- هل أنت حزين إلى هذا الحد على رحيل (الخالة)؟
- نعم·
- أنا لست حزيناً لفقدها·
- ويحك!! لماذا؟
- كنت أكرهها بل أمقتها·· تمنيت أن تموت منذ مدة طويلة·
- اتق الله·· هل جننت؟
- لا·· بل رشدت وأدركت·· اسمع، سأبيح لك الآن سراً·
- ما هو؟
- أقسم لك بأن الخالة كانت قديماً تغتصبني عندما كنت صغيراً، كانت تفعل ذلك بي في كل مرة ترسلني أمي لبيتها بغية إحضار بعض الحاجيات·· يا للنزوات المجنونة!!·· كانت تغلق الباب وتضمني وتقبلني و···
- وتعصرك وهي تضمك، صح؟
- نعم·
- ثم تطلق سراحك وتدس ريالاِ في جيبك وتحضر لك قطعة جبن مثلثة الشكل، صح؟
- كنت ترانا أيها الشيطان، صح؟ كنت ثالثنا؟
- لا··
- كيف عرفت بحق اليوم الآخر؟!!
حينها لم أتمالك نفسي·· اجتاحتني موجة ضحك عارمة·· ضحكت·· وضحكت حتى هويت على قبرها·