“ هيرالد تريبيون “
بقلم: يوري أفنيري *
يصف تولستوي في روايته العظيمة “الحرب والسلام” معركة بورودينو التي فتح فيها نابليون الطريق الى موسكو، ففي منتصف هذه المعركة، ينظر البطل الى القائد الروسي كوتوسوف فيجده جالسا على أعلى تلة وينظر الى المعركة بهدوء·
يفاجأ البطل بهذا السكون، الى أن يشرح له الجنرال الروسي أنه في هذه المرحلة ليس لديه ما يفعله أكثر مما فعله· فالمعركة عبارة عن صدام بين تجمعين بشريين هائلين، والتجمع الأقوى والأكثر تصميما هو الذي سوف ينتصر·
تذكرت هذا المشهد الأسبوع الماضي حين زرت ياسر عرفات في رام الله· لقد كان الهدوء يخيم على مكتبه وبدا الرجل هادئا أكثر مما كان حين رأيته قبل وقت طويل، واختفت الرجفة عن أطرافه والمظهر المتعب الذي كان يبدو عليه· لقد ذكرني بلقائنا الأول في بيروت المحاصرة في يوليو 1982· لقد كان مزاجه عاليا حين اقتادنا الى النافذة وأشار الى الدبابات الإسرائيلية المتمركزة على بعد مئة متر وكانت توجه مدافعها الى مكتبه·
وتكون لدى بعض الصحافيين البارزين الذين رافقوانا في الزيارة الى بيروت من أعضاء حركة السلام الإسرائيلية “غوش شالوم”، الانطباع أن عرفات قد استسلم· ولو كان هؤلاء قد قابلوا الجنرال كونوسوف في معركة بورودينو، فربما خلصوا الى الاستنتاج ذاته·
فالحرب الإسرائيلية - الفلسطينية التي طالت لأكثر من 120 عاما، وصلت الى مرحلة بالغة الأهمية· فهناك تجمعان شعبيان ضخمان يخوضان المواجهة، ونحن أمام قوة تصعب مقاومتها وشعب لا يتزحزح·
ويعرف القائد الإسرائيلي، أرييل شارون ماذا يريد بالضبط· فكل كتاب الأعمدة الذين يقولون للرأي العام إنه يسعى فقط لكسب الوقت وأنه لا يعرف ماذا يريد، لا يعرفون الرجل أبدا·
فشارون يتصرف بطريقة حازمة ومنطقية لتنفيذ خطته الرئيسية· فقد ظل يؤمن منذ عقود أن الأقدار اختارته لتطبيق الصهيونية الحقيقية، أي تلك التي تهدف الى السيطرة على كامل أرض إسرائيل وتطهيرها عرقيا من كل سكانها المحليين وزرعها بالمستوطنات·
ومن أجل القيام بهذه المهمة التاريخية ينتهج شارون سياسات وحشية عديمة الرحمة· ولا تردعه أنهار من الدم، والأعداد الكبيرة من الضحايا من الجانبين، ليس سوى بند ثانوي في حساباته· فهو يتصرف بحذر ويلجأ الى الحيلة ولا يتورع عن ارتكاب ما يعتقد البعض أنها جرائم حرب·
فهو يدرك أن الوقت قصير أمامه، وأن عليه استغلال ما تبقى له من وقت من أجل تدمير الشعب الفلسطيني كعنصر سياسي· ولتحقيق ذلك، عليه أن يكسر قيادتهم ويلحق الهزيمة بقواتهم ويسحق إرادتهم وقدرتهم على المقاومة·
فما هدف شارون النهائي؟
في الحد الأدنى، سجن الفلسطينيين في جيوب صغيرة معزولة عن بعضها وعن العالم الخارجي ومحاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجيش الإسرائيلي· وفي هذه السجون الكبيرة سيسمح للفلسطينيين “بإدارة شؤونهم” وتوفير العمالة الرخيصة لإسرائيل· ولا يعبأ شارون لو أطلق على هذه الجيوب اسم “دولة فلسطينية”!
في الحد الأقصى، استغلال حدوث أزمة ما من أجل طرد كل الفلسطينيين، بمن فيهم عرب 48· ويمكن لشارون افتعال حرب لخلق مثل هذه الفرصة· فهو ينظر باحتقار لمن حوله ممن لا يستطيعون مشاطرته التفكير بهذه الطريقة التاريخية·
ولا يمكن للفلسطينيين مجاراة القوة الإسرائيلية المهاجمة إلا في مجال واحد فقط، وهو القدرة على استيعاب الضربات·
فالاستراتيجية الوطنية الفلسطينية يمكن تلخيصها بكلمة واحدة هي “الصمود”· فالفلسطينيون يدركون أن هذه معركة حياة أو موت بالنسبة الى كل واحد منهم· وهذا الإدراك يولد قوة المقاومة التي أذهلت جنرالات شارون، تماما كما أذهلت المقاومة الروسية ضباط نابليون في رواية “الحرب والسلام”·
ويجسد ياسر عرفات هذه القدرة أكثر من أي شخص آخر· حتى أولئك الفلسطينيون الذين اعتادوا على انتقاد أسلوبه في الإدارة، لا سيما ذوي التعليم الغربي من أبناء الشتات، يدركون أن لا أحد يملأ مكانه في أزمة الوجود هذه· فهذا الرجل القابع في رام الله بمواجهة الدبابات الإسرائيلية، يجسد التصميم الفلسطيني على الدفاع عن الوجود الوطني على تراب الوطن، مهما كان الثمن·
نابليون الإسرائيلي لا يفهم الفلسطينيين، كما فهم نابليون الحقيقي الروس· ويعتقد شارون وأنصاره أن عرفات شخصية معزولة ومشلولة و”غير ذات شأن”· ولا يمكنهم أن يفهموا أن ذلك تحديدا، في مثل هذا الوضع، يجعل عرفات أقوى وأكثر تأثيرا من أي وقت مضى·
لقد انتصر نابليون في معركة بورودينو ودخل موسكو دخول الفاتحين، ولكن في غضون أسابيع قليلة، ألحق به كوتوسوف هزيمة منكرة، ووجد نابليون نفسه مضطرا للفرار تاركا وراءه فلول جيشه المهزوم تموت من الجوع والبرد·
* رئيس حركة غوش شالوم
الإسرائيلية للسلام