رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 4-10 ذو الحجة 1422هـ الموافق 16-22 فبراير 2002
العدد 1515

ادوارد سعيد في مقالتيه الأخيرتين:
لولب الظلم·· يلف مرة أخرى في زمن اليأس·· هناك طريق جديد!

ترجمة وعرض ملاك نصر:

“التاريخ ·· بلا رحمة”·· هكذا يبدأ ادوارد سعيد إحدى مقالتيه الأخيرتين، الأولى بعنوان “اللولب·· يلف مرة أخرى!” ومنشورة على شبكة الإنترنت، والثانية بعنوان وضع جديد في فلسطين” ومنشورة في المجلة الأمريكية The Nation)، والتي يبدأ أولى سطورها بمناقشة إبعاد الموقف الراهن داخل فلسطين، بعد مرور ستة عشر شهرا على الانتفاضة الفلسطينية·

وتتبعا لفكر ادوارد سعيد، ذلك المفكر الفلسطيني البارز، نجد أن ثمة أبعادا جديدة في تقييمه الكلي الشامل للقضية الفلسطينية برمتها·

ففي مقالته الأولى، التي يتحدث فيها عن فكرة “التاريخ” الذي يعيد نفسه في ظلمه وجوره وطغيانه، لكن ثمة أملا في نفس هذه العودة للقسوة ·· وهناك تفاؤل عظيم·· ولكن كيف؟

التاريخ - كما يصفه ادوارد سعيد هنا - بلا قوانين أو معايير ضد المعاناة والقسوة، فليس هناك التوازن الداخلي في هذا التاريخ الذي يرد الإثم على شعب ظالم وإعادته الى موقعه الصحيح في العالم·

وبالتالي، فالرؤية الدوّارة للتاريخ تبدو دائما لادوارد سعيد على أنها رواية مشروخة، “فلولب المعاناة” في التاريخ - كما يسميه هكذا - قد يكون في الحاضر شراً مستطيرا، لكنه ولأنه لولب دوار، يتحول الى خير في المستقبل! الأمر الذي بلا معنى في هذا التاريخ·

بل إن الشيء الأكثر دهشة كما يشعرها ادوارد سعيد تجاه التاريخ، أن تلك المعاناة التي لا تتوقف ولا تنتهي للشعوب، تهرب من اللغة والذاكرة والانتباه· ولذلك، فالمؤرخون يلجأون الى المجازات والاستعارات اللغوية، بل والأشكال الشعرية، فقط ليملأوا الفراغات بين الأحداث· وهذا ما يفسر أن المؤرخ العظيم الأول في التاريخ “هيرودوت” كان معروفا “بأبي الأكاذيب”· فهناك الكثير من الزخارف والخيال في كتاباته، مما جعل الحقيقة ذاتها في كتاباته تبدو كإحدى قدرات خياله الخصيب، وذلك ما جعله كاتبا ومؤرخا عظيما! ولكن·· ما علاقة تلك النظرة الآسيانة للتاريخ عند ادوارد سعيد، بالقضية الفلسطينية وتداعياتها اليوم؟

يصور ادوارد سعيد الحياة في أمريكا اليوم على أنها تجربة مريعة! فبينما يؤثر الإعلام والحكومة كل في الآخر بخصوص التصورات عن الشرق الأوسط، هناك رؤى أخرى مختلفة متاحة على الانترنت، والهاتف، والقنوات الفضائية، والصحافة العربية هناك وكذا اليهودية· ولكن، ومع ذلك، فإن ما يصل في النهاية للإنسان الأمريكي العادي من مفاهيم، يبقى غارقا في عاصفة من الصور والقصص الإعلامية، والتي تُقدم في الغالب “مغسولة” من أي عناصر غريبة دخيلة على المفهوم الرسمي للشرق الأوسط، فقط يبقى “حب الوطن الأمريكي” المرسوم من الحكومة ومن هذه المفاهيم التي تقدم للإنسان العادي بأمريكا ويعددها ادوارد سعيد في جمل ذات مغزى: “أمريكا تحارب شياطين الإرهاب”، “أمريكا بلد صالح”·· الخ· وبالتالي على المعترض على تلك المقولات أن يعتبر نفسه شريرا وعدوا لوطنيته الأمريكية!

بل إن الأمر وصل الى ملاحظة ادوارد سعيد لمحللي السياسة الأمريكية الخارجية الذين يندهشون كثيرا من عدم وجود سبب منطقي يجعل كل العالم ( لاسيما العرب والمسلمين) لا يقبلون الرسالة الأمريكية إليهم، الآن، كما أن هؤلاء المحللين أو الخبراء السياسيين لا يحاولون فهم السبب في أن بقية العالم، بما فيها أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، تصر على نقدها للسياسة الأمريكية الحالية في أفغانستان، تلك السياسة التي تكرس معاهدات دولية، وتساند إسرائيل بلا شروط، وتعامل أسرى الحرب بأفغانستان معاملة غير آدمية·

وبالتالي·· فالفارق شاسع - كما يراه ادوارد سعيد بين تفسير الحقائق من الأمريكيين وبين بقية العالم في تشييدها للحقائق نفسها·

ومن هذه الحقائق المهمة التي تمس القضية الفلسطينية، والتي تفسر بشكل خاص من الإدارة الأمريكية·· موقف وزير الخارجية الأمريكي، الغريب والمثير لدهشة ادوارد سعيد، فهو يرى أن “ياسر عرفات” لا يقوم بالواجب الأكمل في الحد من الإرهاب الفلسطيني! رغم تأكيد ادوارد سعيد على امتلاك “كولن باول” لكثير من المعلومات بعكس هذا الاعتقاد· وفي الوقت نفسه، ومع اتهام عرفات بذلك، تمد أمريكا إسرائيل بكل الأسلحة المتقدمة لديها، وبكل سهولة! وبينما تحاصر إسرائيل عرفات في مكتبه، وتسجن وتضهد وتقتل قياداته، وتغتال الأبرياء، تكون النهاية هي وصف الفلسطينيين بالإرهابيين!

والفكرة هنا - كما يبلورها ادوارد سعيد، أن الاحتلال الإسرائيلي لمدة خمسة وثلاثين عاما قد أزيح ببساطة غريبة من الإعلام الأمريكي وذهن الحكومة الأمريكية!

وبالتالي·· لا تكن مندهشا - كما يخاطب ادوارد سعيد ضمير من القارئ - إن جاء الغد، ووجدت عرفات وشعبه خارج إسرائيل محاصرا، بينما مدنه وقراه داخل إسرائيل محاصرة أيضا!

ويكشف ادوارد سعيد اللعبة الإعلامية التي يلعبها الإسرائيليون في الإعلام الأمريكي، فالمتحدثون الرسميون منهم متمرسون على الكذب والنفاق، تماما بالطريقة نفسها التي يصنع بها “صانع النقانق” بضاعته إن كان بلا ضمير· ومثال على ذلك، يرد واحد من هؤلاء على سؤال صحافي حول تدمير منزل برفح، فيّدعي أنه غير مأهول بالسكان! بل كانت تسكنه أعشاش إرهابية تقتل المواطنين الإسرائيليين الأبرياء! بينما تُعرض في الوقت نفسه تصريحه هذا، صور المئات من المشردين الفلسطينيين بعد هذا التفجير، لكنها ظهرت عابرة على الشاشات، فذهبت أدراج الرياح من ذاكرة ووعي الناس· ولكن·· ماذا عن موقف العرب الآن من كل هذه المعاناة الفلسطينية؟

يصف ادوارد سعيد بكلمات محددة هذا الموقف على أنه “موقف عاجز من حكوماتنا لمدة خمسين عاما!”، فهو موقف الصمت المخزي أمام سياسات أمريكا وإسرائيل، وبالتالي فهو “عبودية ذليلة”·

ويتساءل ادوارد سعيد: هل صار القادة العرب مملوئين خوفا من معارضة أمريكا وبالتالي غضبها؟! أو هم بذلك قابلون لإذلال الفلسطينيين·· فإلى متى يكون ذلك؟!

ويعطينا ادوارد سعيد المبرر المخزي في هذا الموقف العربي العام من الذل الفلسطيني، وهو مبرر منحصر في الاستمرار في الفساد وحلول الوسط بين الجيد والرديء والظلم - هكذا يعبر تحديدا ادوارد سعيد· ويتعجب من تلك الصفقة التي عقدها العرب مع أمريكا: بين تعضيد تطلعاتهم الضيقة، وإمساك أمريكا عن الوعود بها!

ومثال على ذلك الموقف الغريب العربي من السياسة الأمريكية، يستشهد ادوارد سعيد بالمؤتمرات الصحافية التي يقيمها كبار المسؤولين السعوديين وينتقدون فيها سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، لكن هناك “نقطة ترحيب في صمت هؤلاء” - على حد تعبيره - بالرغم من المهانة والإذلال المرتبطين بالقمة العربية الآتية، حتى يأتي المزيد من ذلك كله الى خزانتنا “الملآنة من المسكنة والضعف والتفكك” كما يعبر هو· فوماذا تكون النتيجة إذن؟!

يعتقد ادوارد سعيد أن صفة “مفخخ” هي الأمثل بالنسبة لما يحدث بحقيقة التجربة الفلسطينية مع المعاناة، بسبب سياسة شارون في الضفة الغربية وغزة· فهناك حرب نفسية يمارسها الإسرائيليون ومن معهم من الشركاء الأمريكيين، لكي يفقد الفلسطينيون الأمل، ويصلوا الى حافة اليأس، أمام الإصرار على وصف المشهد الخاص بهم الآن الذي يتضمن: تصريحات العرب التي بلا أفعال، وأمريكا هي خصم عدائي مفزع، والأوروبيون بلا فائدة!

فإن تقلل من القدرة على التفكير لدى الناس، وأن تجعل الحياة تبدو بائسة جدا وخاوية من أي معنى وبالتالي لا ضرورة لها، أن تفعل كل هذا فأنت بذلك تحقق تماما ما ينشده شارون للفلسطينيين، فلهذا انتخب هو، وسوف يفقد كرسيه إن فشل في تحقيقه، وهو الهدف نفسه غير الآدمي الذي سيأتي لأجله “نتنياهو” من بعده·

وهنا·· فالحقيقة المؤكدة بالنسبة لادوارد سعيد هي أن السلبية والغضب غير المجدي والقدرية المرّة، كلها ردود أفعال غير فعالة بالمرة في الموقف، الأمر الذي جعل الفلسطينيون لم يقبلوا بحلول الوسط، ولم يذعنوا بالاستسلام، علامة على الإرادة العظيمة والهدف· فبعد مرور ستة عشر شهرا على الانتفاضة الفلسطينية، استطاعت أن تحقر من شأن الاحتلال الإسرائيلي المزهو بنفسه، وأن تقف في وجه جيشه المسكين الذي ما زال في قهره للشعب الفلسطيني والذي بدوره يزدري بوحشية آلة الحرب الإسرائيلية·· وفي ذلك يأتي ادوارد سعيد بتعليق لأحد جنرالات إسرائيل، الذي عبر عن أن محاولة الإسرائيليين لإيقاف المقاومة الفلسطينية تشبه من يحاول أن يشرب كل ماء البحر بملعقة!

لكن ادوارد سعيد يؤمن - في مقالتيه الأخيرتين - بشيء خطير ومهم، له الضرورة القصوى على طريق النضال الفلسطيني·· وهو إيمان أو اعتقاد جدير بالتأمل في فكر ادوارد سعيد·· حيث يرى ضرورة أو حتمية أن تذهب “أبعد” من مجرد المقاومة العنيدة، وذلك في اتجاه جديد نحو مقاومة مبتكرة خلآقّة من نوع جديد، تأتي من خلف الطرق والأساليب العتيقة البالية التي كانت تُمارس لتحدي إسرائيل، والتي لم تساهم كثيرا في تقدم المفاهيم الفلسطينية تجاه الموقف العام·

فقد بيّن استطلاع للرأي أخيراً بين الفلسطينيين أن هناك تأييدا شعبيا لعرفات والإسلاميين بنسبة 40-%45 من الفلسطينيين، الأمر الذي يعني أن “الأغلبية الصامتة الفلسطينية” - على حد تعبير ادوارد سعيد - لم تعد تثق في اتفاقية أوسلو، كما لم تعد تثق في العنف الإسلامي!

وهذا الأمر يعتبره ادوارد سعيد شيئا مشجعا على المضي قدم حو استراتيجية جديدة للمقاومة الفلسطينية· حيث لا تقدم حتى الآن في المفاهيم الفلسطينية، ومثال بسيط على ذلك يورده ادوارد سعيد، وهو عملية اتخاذ القرار الفلسطيني، فجيد أن يتم التفكير في إخراج عرفات من حصاره برام الله، وحسن أن يكرر هو باستمرار رغبته في التفاوض السلمي مع إسرائيل، لكن هذا كله، وتحديدا، ليس برنامجا سياسيا، فالطابع الشخصي لياسر عرفات لا يكفي لأن يحشد شعبه خلفه في الخندق نفسه· فمن الجيد أن تلفت انتباه أوروبا لكي تدعم الانتفاضة الفلسطينية، لكن من المؤكد والأكثر جودة أن تقول شيئا عن أولئك الضباط الاحتياطيين الإسرائيليين الذين رفضوا الخدمة العسكرية في الضفة الغربية وغزة· وبالتالي·· يؤكد ادوارد سعيد، على أنه بدون التعامل والتوحد مع المقاومة الإسرائيلية للعنف ضد الفلسطينيين، سوف نظل واقفين في المربع الأول!

والنقطة الحاسمة هنا في فكر ادوارد سعيد الوارد في مقالتيه الأخيرتين أن كل دوران “للولب العقاب الجماعي الصارم” يؤدي جدليا الى خلق مساحة جديدة لأنواع جديدة من المقاومة، والتي لا تعني بالضرورة العمليات الانتحارية، بل إن أي شيء أكثر من مجرد المقاومة الصادرة من طبيعة شخصية عرفات، سوف يعتبر هذا الشيء جديدا·

وليس هناك طريق من استمرار وتجديد المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، سوى تعاون الجهود بين كل من الإسرائيليين الرافضين للعنف والفلسطينيين، للعمل معا من خلال أساليب مميزة وفاعلة·

الأمر الذي يعني لادوارد سعيد أنه على الجماعات الفلسطينية أن تتخذ المبادرات التي خجلت من اتخاذها بالماضي خوفا من التطبيع مع إسرائيل، تلك المبادرات التي تجمع معا المقاومة الإسرائيلية والفلسطينية والأوروبية والأمريكية والعربية· وبكلمات أخرى·· فإن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لها دور فاعل وبارز ومؤثر في تجديد المقاومة الفلسطينية بل القضية برمتها·· فعليها - كم يطالبها ادوارد سعيد - باختفاء اتفاقية اوسلو، أن لا تردد المزاعم القديمة والقلق من التطبيع مع إسرائيل، لأنها بالفعل تمارس هذا التطبيع·· بل يمكنها أن تكون حركات تقدم ومجموعات مدنية في مجتمعها المدني، وبالتالي تدعم المناهضة الفلسطينية الذاتية، وتساعد على نهاية الاحتلال والعقاب الجماعي·

وفي النهاية·· يشير ادوارد سعيد الى فرصة جديدة وتفاؤل جديد، يخرجان من قلب اليأس، فلولب التاريخ والمعاناة يدور، وهو لا يجلب فقط المزيد من القهر الإسرائيلي، بل يكشف أيضا عن فرصاً جديدة للإبداع الفلسطيني لحل الأزمة·

بل إن هناك بالفعل علامات جديدة بالملاحظة على التقدم في المجتمع المدني الفلسطيني·· فقط مطلوب التركيز الشديد على مؤسسات هذا المجتمع المدني، خصوصا وأنها تعيش داخل المجتمع الإسرائيلي كفجوات تفضح ممارسات القمع والخوف وانعدام الأمن·

فدائما هناك أسراب من الضحايا وليست من الجاني، لكي تبين طرقا جديدة للمقاومة· والدلائل على ذلك أن المجتمع المدني الفلسطيني مزمع أن يأخذ المبادرة· وهذا هو التفاؤل العظيم في زمن اليأس والقنوط والانسحاب الغريزي من المعركة·

طباعة  

واشنطن تدرس إسقاط صدام بمفردها
 
شارون وعد بالهدوء والأمن والسلام وفشل في تحقيق أي منها
العام الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل

 
التقديرات الأولية للخسائر المادية:110 - 105 ملايين دينار كويتي
مجلة “ميس” MEES تعرض تفاصيل انفجار الروضتين