كتب ملاك نصر:
إن كان فن الكاريكاتير يرتكز أساساً على “المفارقة” Parudx من خلال المبالغة في التصوير، وبالتالي التناقض الواضح والفاضح في عناصر الموقف المرسوم، وإن كان هذا الفن في طبيعته هو فن السخرية، فقد وصلت رسومات الفنان عبدالوهاب العوضي إلى حد التعبير البليغ عن “المفارقة” بكل متناقضاتها، كما وصل إلى حد السخرية المُرة بكل بكائياتها، رغم أنها تبدأ من الكوميديا··
فرسومات هذا الفنان، خصوصاً في معرضه الأخير ضمن الاحتفالات بالعام الأربعين لدستور الكويت في جمعية الخريجين، هذه الرسومات تستطيع العين المتأملة فيها أن “تسمع” ضحكات مرة وبكاءات ساخرة·· أن ترى دموعاً في عيون الديمقراطية غرائزها تضحك من التظاهر كما تستطيع العين نفسها بمزيد من التأمل أن “تتحسس” بنظراتها المفارقات والتناقضات مما لو كانت واقعاً ثلاثي الأبعاد رغم أنها أعمال مرسومة فوق أوراق مسطحة، ولقد افتتح هذا المعرض المتميز للفنان عبدالوهاب العوضي يوم الأحد الماضي في جمعية الخريجين ليضم إحدى وخمسين لوحة من إبداعات العوضي تتنوع موضوعاتها بين أمور كثيرة وإن كان يجمعها في النهاية هم واحد هو - الهم السياسي الكويتي - ولا سيما العلاقات والتوازنات السياسية الداخلية·· من تلك الموضوعات كانت الحكومة والبرلمان والمرأة (في حريتها المنشودة) والبيئة، الديمقراطية، المال العام، الحكومة والأحزاب، الحرية، المال العام والعالم الثالث·· وموضوعات أخرى متفرقة لكن الملاحظ هنا تعدد اللوحات التي تعبر عن العلاقات البرلمانية سواء بين الحكومة والبرلمان أو بين أعضاء البرلمان فيما بينهم، وكذا تعدد اللوحات التي تتناول قضية الديمقراطية سواء داخل الكويت أو في العالم الثالث·
ومن اللوحات التي تعبر عن العلاقات البرلمانية لوحة “النائب قوس قزح” أي ذلك النائب المتلون بكل الألوان السياسية·· بلا لون سياسي محدد وواضح!
ونتفق معها في الرؤية الفنية نفسها، ولوحة أخرى فكرتها بليغة فهي لرجل عيناه مفرغتان إلا من نردين! كما لو كانت الرؤية لدى هذا الشخص ليست ذاتية شخصية، بل كما تسمح الظروف والحظ!
وعن الديمقراطية التي تبدو هاجساً أساسياً في المعاناة الفنية لذلك الفنان، عبر العوضي عن أزمة الديمقراطية على المستوى الخاص وعلى مستوى الشأن العام العربي·· ومن أبرز تلك اللوحات بفكرتها الساحرة المرة لوحة “الديمقراطية الكويتية” ممثلة في شخص يجمع كل تناقضاتها، فهو ممسك بيديه اليمنى مسبحة وفي فمه سيجارة مشتعلة، وفي يده اليسرى صحيفة·· ويمشي فوق طريق مفروش بالألغام!
وكذلك تلك اللوحة المرسومة فيها كلمة الديمقراطية وشخص ما “يمتطي”“ صهوة تلك الديمقراطية ماسكاً العصا في يده كما لو كانت الديمقراطية تقاد وتمتطى حيثما يشاء البعض!
وهناك لوحة على قدر كبير من الطرافة والعمق معاً، فهي لإنسان يحلم فقط، مجرد حلم، بالديمقراطية·· لكن هناك من يأتي “ليمحو” هذه الكلمة من مخيلة ذلك الإنسان الحالم! فلم يعد له حق بـ”الديمقراطية” حتى في الحلم! ومن اللوحات المعبرة أيضاً عن الديمقراطية في الوطن العربي تلك اللوحة المرسومة فيها كلمة “الديمقراطية”، لكن التاء الأخيرة منها على شكل صنبور ماء تتساقط منه قطرات الماء شيئاً فشيئاً، فالديمقراطية في رأي العوضي هنا - تتساقط وتفقد شيئاً فشيئاً من بين أيدينا! وعن المرأة كانت هناك لوحتان معبرتان بشكل لافت عن هموم ومعاناة المرأة في صراعها من أجل نيل حريتها ومرتجاها·· فكانت تلك اللوحة التي تمثل النصف الأعلى من امرأة تتشح بالسواد يغطي وجهها خمار كثيف شبيه بالذي كانت تطل منه المرأة الأفغانية قبل تحريرها·· هذا الشباك الحديدي الذي على شاكلة أبواب السجون تشتركان معاً فيه المرأة الكويتية والأفغانية قد فُتح أخيراً على السماء كنافذة على الحرية التي تمثلها لمحة خاطفة من شعلة الحرية الشهيرة·· وهنا تبدو المرأة الأفغانية التي كانت صماء بلا حياة بلا ملامح شخصية إنسانية حرة الأن، وبالتالي فالدور قادم على المرأة الكويتية مثل توأمتها في اللوحة· وعلى ذكر حرية المرأة يعبر العوضي عن أن حرية الإنسان بشكل عام قد تأتي يوماً ما من المعاناة والقهر، من خلال ذلك السجين الذي رسمه في إحدى لوحاته ويظهر منه ذراعه فقط الممدودة من بين قضبان نافذة السجن العالي المنيع، بينما تتمسك تلك اليد الممدودة بكوب ماء مائل لتتساقط منه قطرات ماء، تجري من مصب على الأرض ينتهي أخيرا إلى زهرة جميلة يانعة، نعم، فمن يدفعون ثمن الحرية هم الذين يرونها أخيرا·
وعن هموم المال العام، هناك لوحة بسيطة الملامح، غنية التعبير·· مقسمة إلى جزئين أو مشهدين: الأول: يد قابضة على المال العام، والثاني: اليد نفسها منبسطة ولكن بها ثقب كبير من الوسط بحجم وشكل العملة المعدنية·
وفي نهاية دورتك في هذا المعرض تخرج بانطباع قوي في نفسك، أن الفن البسيط “كفن الكاريكاتير” إن كانت خلفه ريشة فنان حقيقي يستطيع أن يستدرجك شيئا فشيئا وعبر السخرية، إلى غصة حقيقية في نفسك، لأجل عالم أفضل عما كانت عليه تلك اللوحات·