بقلم : الشيخ سالم الحمود الجابر الصباح
إن اختيار القيادة أمانة ومهمة ليست باليسيرة لما سيترتب على ذلك القائد من مسؤوليات صعبة تجاه ربه وضميره ومن سيقودهم من الناس· فالرأس بالنسبة إلى الجماعة مثل الرأس بالنسبة إلى المخلوقات وخصوصا الإنسان ففيه تقبع معظم الحواس ويستقر المخ الذي يسيطر على جميع أعضاء الجسد وباضمحلاله أو فنائه تضمحل أو تتوقف في الجسد مظاهر الحياة·
لقد أردت من هذه المقدمة البسيطة أن أؤكد على أن اختيار رأس السلطة هو من أهم المسؤوليات إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وحسن الاختيار في هذا الأمر هو أحد أهم مقومات استقرار المجتمع حيث يشيع لدى أفراده الطمأنينة على مستقبلهم فيتفرغون لمسؤولياتهم الحياتية وتجاه خالقهم ومن يعيلون·
لقد استقرت أسرة آل صباح في هذا المكان المبارك حوالي الثلث الأخير من القرن السابع عشر وفي بداية القرن الثامن عشر اختار أهل الكويت صباح الأول بن جابر قائداً لهم، واستمر الحكم في أحفاده خلفا من بعد سلف الى يومنا هذا·
لقد جال في هذه المنطقة في أوائل القرن التاسع عشر المستر رايتر وهو أحد المستشرقين الغربيين وعندما عاد الى بلده أصدر كتابا في عام 1818 حيث ضمنه خريطة للمنطقة وذكر فيها اسم الكويت بـ “جمهورية الكويت”، لأنه عندما كان يسأل الأهالي عن طريقة اختيارهم لقائدهم كانوا يجيبون بأنهم يشتركون في اختياره·
وقد يكون سؤال مستر رايتر وإجابات المواطنين بسبب حادثة وقعت في تلك الأيام حيث إنه وعند وفاة القائد الثاني للكويت عبدالله بن صباح تقدم أحد أفراد أسرة آل صباح وجلس في مجلس الحكم وأبلغ أهل الكويت بأنه هو القائد الجديد حسب عمره، لكن أهل الكويت لم يوافقوا على ذلك واستشف منهم بأنهم يفضلون عليه جابر بن عبدالله بن صباح الأول، الذي استدعوه من البحرين حيث كان في تلك الفترة يمضي بعض الوقت عند ابن عمومتنا آل خليفة حكام البحرين، حيث إن آل صباح وآل خليفة هم من بني عتبة من العمارات من قبيلة عنزة وكانوا كحكام لإقليمين يحكم الإقليم الشمالي وهو الكويت آل صباح، ويحكم الإقليم الجنوبي، البحرين، آل خليفة، وعند رجوع الشيخ جابر الى الكويت تقدم له أهلها وعائلته وبايعوه للحكم·
أردت من السرد التاريخي هذا أن أبين الطريقة التي جرت فيها مبايعة حكام بلدنا منذ مئات السنين، وبما أن الأحوال الدنيوية والثقافية والعالمية ليست كما كانت في تلك الأيام، وبما أن اختيار القائد لقيادة وحكم البلاد ليس كاختيار أحد القيادات الروحية حيث يلتزم بالطقوس وتستوجب فيه السرية وينحصر مجال الاختيار في أضيق الحدود· وحيث إن مسيرتنا الديمقراطية الحديثة قد امتدت أربعة عقود، وحرصا على مشاركة مختلف شرائح المجتمع في هذا الأمر لإعطاء موافقتها عليه فإنني أقترح أن يتم اختيار أولياء العهد في المستقبل بالطريقة الآتية:
أولا: يرشح من له الحق من أسرة آل الصباح ومن بلغ سن الخمسين عاما نفسه لولاية العهد·
ثانيا: تختار أسرة الصباح خمسين فردا منها ممن تجاوز سن الأربعين للمشاركة مع أعضاء مجلس الأمة بالإضافة الى خمسين من مختلف أفراد أهل الكويت، عشرة منهم من أصحاب الشهادات العليا وعشرة من أعضاء غرفة تجارة صناعة الكويت وعشرة من اتحادات العمال وعشرة من أعضاء الجمعيات النسائية وعشرة من الأدباء حيث يختارون بالاقتراع السري من يرونه صالحا لولاية العهد ويقدمونه الى قائد البلد كخليفة له·
وقد يقول قائل إن طريقة اختيار أولياء العهد قد حسمت من خلال الدستور الكويتي، والرد على ذلك هو أن الدستور ليس قرآنا منزلا لا يجوز المس بألفاظه ومعانيه، بل هو من صنع البشر واتفاقهم وقد رسم واضعو الدستور طريقة تعديل مواده خصوصا إذا كان التعديل يحقق الصالح العام لأهل البلد ويتطابق مع روح ونصوص الدستور حيث إنه تعديل لمزيد من الحرية والديمقراطية·
لقد أردت من طرحي لهذا الاقتراح أن استوضح آراء أهلنا في الكويت في موضوع مهم بالنسبة إلينا وإلى بلدنا· لأن الحقيقة والوسيلة اللازمة لإصلاح المجتمع وبقائه هي ضالة المؤمن فإن أصاب أيدوه وإن أخطأ قوموه، والله من وراء القصد·
ولتحيا الكويت حرة، وأهلها أحرار كما كانت على الدوام·