رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 11-17 ذو الحجة 1422هـ الموافق 23 فبراير 1 مارس 2002
العدد 1516

إسقاط صدام·· الهدف التالي لواشنطن والموعد تحدد في أكتوبر

بقلم: روبرت كورنويل

بغداد هي الهدف التالي للحملة الأمريكية على الإرهاب· فقد حدد الرئيس جورج بوش أعضاء “محور الشر” وسيعمل على إكمال المهمة التي بدأها والده، وكسر هذا المحور بإسقاط النظام العراقي· وقد حددت بعض الاستراتيجيات النظرية موعدا لذلك هو شهر أكتوبر المقبل حين يخف لهيب الصحراء وتصبح العملية البرية أسهل· لقد رسمت الخطط ولم يبق سوى توقيع الرئيس عليها·

أو هكذا يدفعنا البعض الى تصديق التكنهات التي ملأت واشنطن منذ أن حدد الرئيس بوش في خطاب “حالة الاتحاد” كلا من إيران والعراق وكوريا الشمالية كأكبر مصادر الخطر في العالم· وقد زادت تصريحات الرئيس مثل هذه التكهنات منذ ذلك الحين· وحتى وزير الخارجية كولن باول الذي يتخيل الأوروبيون - بصورة حالمة - بأنه الوحيد في إدارة لا تتحدث سوى عن الحروب والشر، وافق على هذه الطروحات تماما· فهذا الرجل الذي كان يتولى رئاسة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية عام 1991 والذي كان يعارض في البداية، الدخول في حرب مع العراق بعد غزوه للكويت عام 90، يصر الآن على تغيير نظام صدام· بل إنه هدد بأن الولايات المتحدة ستفعل ذلك بمفردها إن لم يقف الحلفاء الى جانبها·

والعنصر الجديد لا يتعلق بتفاصيل الخطط العسكرية (فلا بد أن أرفف البنتاغون تعج بمثل هذه الخطط تجاه العراق)، ولا بالجدل الدائر حول التوقيت لافتعال أزمة بشأن مسألة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية، ولا التوازن المفترض أن يقوم بين العمل السري والعلني· بل إن الذي تغير هو الافتراض الأساسي المتعلق بالحرب· فالسؤال لم يعد ما إذا كان ينبغي العمل على إسقاط صدام حسين أم لا، بل متى وكيف؟· وقد ضربت هذه الحقيقة الجديدة أوتارا كثيرة في الخارج· فبريطانيا - كالمعتاد - وجدت نفسها منقسمة بين عالمين هما شراكتها المضطربة مع الأوروبيين تحت القادة الأمريكية، ورغبتها في أن تبقى في موقع وسطي· وهكذا يتحرك وزير الخارجية البريطاني جاك سترو الذي قوبلت تصريحاته الأخيرة بأن خطاب الرئيس بوش ليس سوى بلاغة خطابية، قوبل بالامتعاض في واشنطن، يتحرك وعينه على الانتخابات المحلية التي ستجري في الخريف· ولذلك فهو يتوخى الحذر إزاء موضوع الحرب ضد العراق·

نهج تبسيطي

والقارة الأوروبية المتحررة من هذه المخاوف، تبدو - كالمعتاد - على مسافة من الموقف الأمريكي، بل وتناقضه أحيانا· فقد توالت التصريحات الصادرة عن مسؤولي الاتحاد الأوروبي - مثل وزير الخارجية الفرنسي هو بير فيدرين ووزير خارجية ألمانيا يوشكافيشر ومفوض الاتحاد الأوروبي كريس باتن بمعارضة نهج الولايات المتحدة “التبسيطي” للعالم دون أن تعبأ بحلفائها، فضلا عن اتخاذ سياسات أحادية الجانب تجاه الشرق الأوسط وجنوب آسيا دون التشاور مع أوروبا· ولكن وزير خارجيتنا ورئيس وزرائه يلتزمان الصمت، حيث يقول بلير “إذا كانت هناك خطة (للعمل ضد العراق) فلا علم لنا بها”·

وبالفعل قد يكون الأمر كذلك· فالحديث البلاغي حول موضوع ما، يغير الحقيقة أحيانا· ومحور الشر هو حقيقة واقعة·

ولفهم ذلك، فمن المهم تعقب الطريقة التي يفكر بها فريق بوش لكيفية تطور الإرهاب· بكلمات أخرى، فإن السؤال ليس ما إذا كانت واشنطن تريد ضرب العراق أم لا أو متى أو كيف، بل هو لماذا؟ ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر وضعت واشنطن هدفين مركزيين· الأول، القضاء على تنظيم القاعدة· والثاني، تدمير الدولة التي تؤيده· وقد حققت الحملة العسكرية في أفغانستان بعض النجاح في الهدف الأول ونجاحا شبه كامل في الهدف الثاني·

ومنذ البداية، تحدث المسؤولون في إدارة بوش حول المرحلة الثانية من الحرب على الإرهاب، مستهدفين الصومال والفلبين· ففي حالة الفلبين، بدأت خطة مكافحة الإرهاب بالفعل - ولكن الدول الأعضاء في “محور الشر” الثلاث لم تقدم على أي سلوك مشاكس· وفي الواقع، سارعت إيران الى التعبير عن تعاطفها مع ضحايا الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر، بل أنها اقتربت من التعاون مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب·

وحينئذ وقعت حادثتان في الولايات المتحدة، ظهر تهديد غاز الانثراكس، وفي أفغانستان، اكتشفت القوات الأمريكية الخاصة وثائق في أحد مخابئ تنظيم القاعدة تؤكد أن التنظيم كان يسعى لامتلاك الأسلحة النووية والبيولوجية·

فأحداث سبتمبر كانت مرعبة بما يكفي للأمريكيين، ولكن ماذا لو كان الخاطفون التسعة عشر الذين نفذوا الهجمات يحملونا معهم جراثيم الجمرة الخبيثة أو الجدري أو الأسلحة النووية؟

ثم برزت العلاقة بين الإرهاب والدول التي تدعم الإرهابيين وأسلحة الدمار الشامل· فأدخلت الإدارة البيانات الى كمبيوتر “الذهن الجماعي”، فأسفر البحث عن ثلاثة أسماء تنطبق عليها المواصفات هي إيران والعراق وكوريا الشمالية·

أسباب مختلفة

الدولة الثالثة ليست بخطورة الأولى والثانية، فهي لا تؤوي الإرهابيين ولا ترعى الإرهاب، وعضويتها في “المحور” تعود الى برامجها النووية والجرثومية وتكنولوجيا الصواريخ التي تصل مبيعاتها السنوية منها حوالي بليون دولار لكل من إيران والعراق وغيرهما·

وربما كانت إيران تمثل مشكلة أكبر من العراق· صحيح أن التيار الإصلاحي الذي يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الشباب يرغب في فتح صفحة جديدة في علاقات إيران مع الغرب، وأن إيران شاركت الولايات في حربها ضد حركة طالبان، وإن لأسباب مختلفة· ولكن في النهاية، فإن سعي طهران لامتلاك الأسلحة النووية والبيولوجية ورعايتها لمجموعات إرهابية ضد إسرائيل، دمر كل الفرص من أجل ذلك وحرصها من ميزة تفسير الشك لصالح المتهم·

أما في حالة العراق، فإنه لم يكن ثمة شك أصلا· فربما كان صدام حريصا في عدم ترك أية بصمات على أحداث 11 سبتمبر، ويبدو أن هجمات الجمرة الخبيثة مصدرها داخلي· ولكن انطبقت عليه كل المعايير الجديدة· فقد ظل يتحدى واشنطن منذ عقود، وفي عام 93 حاول اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش·

لقد كان العراق أشبه بالشمس السوداء التي تنطلق منها كل الشرور· وبالنسبة لعائلة بوش هناك حساب لا بد من تسويته·

ولكن الأمور ليست بهذه السهولة· فهناك نهج في إدارة بوش مفاده أنه كلما كانت التهديدات جدية، زادت احتمالات أن تحقق نتائج، من خلال إقناع العراقيين الذين هم في مواقع تمكنهم من التحرك، بأن يفعلوا ذلك لأن اللعبة شارفت على نهايتها·

وهذا المنطق قد تعتريه عيوب كثيرة، لا سيما وأن أربعة عقود من الضغط لم تأت بالتغيير بالنسبة لنظام كاسترو في كوبا· فقدرة صدام على البطش وحنكته في البقاء لا مثيل لهما·  ولكن - وربما عن سابق قصد - أوقع الرئيس بوش نفسه في فخ رفع مستوى التوقعات· فرفع صوته عاليا بوجود الثعلب لن يمكنه من العودة الى الكونغرس العام المقبل دون أن ينال منه· مما يعطي مبررا آخر للتحرك ضد هذا العضو في “محور الشر”·

تفاحة عفنة

وإذا كان هذا التعبير يعيدنا بالذاكرة الى رونالد ريغن الذي وصف الأوروبيون بعبارته الشهيرة “امبراطورية الشر” عن الاتحاد السوفييتي السابق بأنها تبسيط للأمور، فربما يكون هذا بالضبط ما أراده بوش، أي إثبات أن ما يمثله بوش (الابن) ليس بوش (الأب) بل ريغن وأحكامه المطلقة· في عام 1983، كما حدث الآن، تذمر الأوروبيون من جهل ريغن في الشؤون الدولية، واعتبروا من السذاجة مقاطعة الولايات المتحدة لدورة الألعاب الأولمبية في موسكو، وانتقدوا في مطلع الثمانينات خط أنابيب الغاز بين الاتحاد السوفييتي (السابق) وأوروبا·

فكانت النتيجة أن شجعت هذه السياسة الأمريكية المنشقين السوفييت واستدرجت موسكو الى سباق تسلح لم تقو عليه·

وبالطبع، كانت لدى ريغن الرؤية السليمة والتي ثار الجدل أيضا حولها بأن الاتحاد السوفييتي ليس سوى تفاحة عفنة، كما قال في خطابه الشهير أمام مجلس العموم البريطاني في يونيو عام 82، واتهم حينذاك من بعض الثوريين بأنه أسير لمبدأ يخالف مسيرة التاريخ·

وربما لا يكون لدى بوش مثل هذا اليقين في حرب أمريكا الطويلة، وربما التي يصعب تحقيق النصر فيها، ضد الإرهاب· ولكن المؤكد أن مصطلح “محور الشر” تماما كما كان مصطلح “امبراطورية الشر” من قبل، سيصبح مصطلحا مميزا لعصرنا·

“ اندبندنت “

طباعة