· حكومة شارون قد تسقط إذا تجاهلت المبادرة السعودية
· الشعب الإسرائيلي مطالب بانتخاب حكومة جديدة مستعدة للسلام
بقلم: هنري سيغمان*
فشل الدول العربية في دعم النضال الفلسطيني من إقامة دولتهم المستقلة من خلال الإعلان عن استعدادها لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل - حال التوصل الى اتفاق سلام - ظل يشكل، ولفترة طويلة، جانبا مثيرا للاضطراب في الصراع العربي - الإسرائيلي·
لهذا السبب، يكتسب البيان الذي أورده الصحافي في نيويورك تايمز “توماس فريدمان” على لسان الأمير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعودية أخيرا، أهمية كبيرة· فقد أكد الأمير عبدالله أن بلاده مستعدة بالفعل لتطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا وقعت الأخيرة اتفاق سلام مع الفلسطينيين·
ومن المؤكد أن تقابل تصريحات الأمير عبدالله بالشك في بعض الأوساط، في حين سينظر إليها محاولة لتلميع صورة المملكة في الولايات المتحدة· ولكن ما من أحد استمع للأمير عبدالله وهو يعبر عن الألم إزاء ما يتعرض له الفلسطينيون من معاناة وإذلال، وتولدت لديه أي شكوك بصدق مشاعر هذا الرجل تجاه الموضوع، وهو الأمر الذي يجد المرء صعوبة في قوله إزاء زعماء عرب آخرين·
وفي حوار مع الأمير عبدالله قبل عامين، سألته كيف تطالب الدول العربية إسرائيل المجازفة بتسليم الضفة الغربية وغزة للفلسطينيين في وقت لا تزال فيه هذه الدول غير مستعدة لاتخاذ مجازفة أقل خطورة تتمثل بالاعتراف بإسرائيل· ورد بأنه إذا ما وقعت إسرائيل على اتفاق سلام مع الفلسطينيين يكون عادلا، فلن تكون لدى المملكة العربية السعودية أي مشكلة في إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل·
وحذر الأمير عبدالله من أنه إذا لم يتم التوصل لتسوية سياسية، فقد يأخذ الصراع مناحي دينية خطيرة· وإذا حدث ذلك، يصبح من المتعذر حله بما ينطوي عليه ذلك من انعكاسات كارثية على استقرار المنطقة برمتها·
ومن اللافت أن تقابل هذه التصريحات بشيء من الدهشة من جانب الحكومة الإسرائيلية· وفي حين رحبت واشنطن بمبادرة الأمير، ولكن لم يتبين بعد، ما إذا كان لها أي تأثير على سياسة إدارة بوش الراهنة والمتمثلة بإطلاق يد رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون في التعاطي مع الفلسطينيين، ما عدا اغتيال ياسر عرفات·
وربما كان ثمة سببان لغياب مثل هذا الرد الإسرائيلي·
أولهما أن الأمير عبدالله أدلى بهذه التصريحات لصحافي أمريكي وليس للعالم العربي، وثانيا، أنه يشترط من أجل التطبيع مع إسرائيل، انسحابا الى حدود ما قبل عام 67 وعودة كامل القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، وهي شروط لا تترك مجالا كبيرا لحل وسط (!)
تغيرات دراماتيكية
ولكن في اليوم التالي لنشر مقالة توماس فريدمان، أصدرت الحكومة السعودية المعلومات ذاتها التي تم تداولها على نطاق واسع في الإعلام السعودي والعربي· وبعدها بيوم واحد أبلغني مسؤولون سعوديون أن تطبيع العلاقات لا يستثني سيادة إسرائيلية على الحائط الغربي للمدينة القديمة وكذا الحي اليهودي في المدينة·
أشاروا أيضا الى أن المملكة لن تعارض نقل بعض المناطق الصغيرة من الضفة الغربية لإسرائيل مقابل تبادل المساحة ذاتها من الأرض في مناطق أخرى، شريطة أن يتم ذلك من مفاوضات حرة بين الجانبين·
وبهذه الإيضاحات، تمثل مبادرة الأمير عبدالله تغيرا دراماتيكيا في موقف المملكة من إسرائيل وتوفر قاعدة جديدة لاستئناف النشاط الدبلوماسي·
لقد ظلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سواء من اليمين أو اليسار تنظر لتطبيع العلاقات مع جيرانها العرب، كعنصر حاسم لضمان أمن إسرائيل·
وعليه - كان يتوقع أن تستغل الحكومة الإسرائيلية هذا التطور الذي طال انتظاره لاستئناف الحوار مع الفلسطينيين·
ولكن لم يصدر عن شارون وحكومته أي إشارة بأن لديهم مثل هذه النية· وإذا ما تأكد هذا النهج الإسرائيلي المتجاهل للمبادرة السعودية خلال الأيام القليلة المقبلة، فسوف يثبت ما كان واضحا طوال الفترة الماضية وهو أن حكومة شارون تبحث عن ذريعة لتفادي البدء بأي عملية سياسية وليس عن وسائل لاستئنافها·
فعمليات الاغتيال والردود الانتقامية بما في ذلك هدم المنازل في المخيمات الفلسطينية خلال فترة الأسابيع الثلاثة التي نجح فيها عرفات في نقض مستوى العنف بشكل دراماتيكي، بدا واضحا أنها تستهدف إثارة رد من الجانب الفلسطيني ولا سيما “حماس” و”الجهاد الإسلامي” من أجل تجنب الدخول في مفاوضات سياسية·
إن رفض شارون الإشارة بأي شكل إلى الموقف السعودي الجديد يجب أن يفهم من الرئيس بوش ومستشاريه على أن إصرار شارون على عدم إجراء أي مفاوضات حتى يتوقف العنف الفلسطيني تماما، إنما هو حجة للاحتفاظ بالأراضي المحتلة·
وردا على المبادرة السعودية، يجب أن تقول واشنطن لعرفات إنه إذا تحرك لخفض العنف كما فعل في شهر ديسمبر الماضي، فإن واشنطن ستعارض أي عمل استفزازي من جانب إسرائيل، وستدعو الى وقف أي نشاط استيطاني، وسوف تضغط من أجل العودة الى مفاوضات الوضع النهائي دون شروط شارون التي يتعذر تحقيقها·
إن مثل هذا الموقف من جانب واشنطن على خلفية الآفاق الجديدة لإقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل ومعظم الدول العربية، التي فتحها الأمير عبدالله، إما أن يجبر حكومة شارون على تغيير سياستها الراهنة أو تعزيز المطالب الداخلية في إسرائيل بانتخاب حكومة جديدة مستعدة للدخول في مفاوضات حقيقية من أجل السلام·
· كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية بواشنطن