رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت3-9 محرم 1423 هـ الموافق 16-22 مارس 2002
العدد 1518

وقفات إبداعية
يجيد الكمان والبيانو و”العزف” على بحور الشعر
المغربي: أحرك زوايا الرؤية·· وأكسر التقليد لكن بوعي

إعداد انتصار يوسف

شاعر ليس للإبداع حد عنده، لم يمنعه صغر سنه من خوض بحور الشعر وهو الشاب محمد هشام المغربي الذي التقيناه وشاركناه بأفكاره فكان هذا اللقاء:

اسمي محمد هشام المغربي، طالب في كلية الآداب قسم اللغة العربية، عضو بمنتدى المبدعين الجدد، أكتب الشعر العمودي والتفعيلة والمسرحي، وأكتب القصة وقمت بتلحين بعض القصائد للبياتي والسياب·

نظمت لي بعض الأمسيات الشعرية، ولي مساهمات ببعض الصحف، وسيصدر لي ديوان قريبا، الشعر يعني لي الكثير، فهو لغتي التي أتحدث بها كما أنني أعتبر أن شعري إثبات وجود لي علي الساحة الشعرية، خصوصا وأن الشعراء في الكويت ليسوا كثيرين، وقليل منهم يكتب الشعر الحديث وذلك لأن أغلبهم ينتمون للمدرسة الكلاسيكية، وبالنسبة لي فأنا أميل للمدرسة، الواقعية التي تتيح لي التعبير عن ذاتي، إلا أن هناك بعض المواضيع التي تفرض علي المدرسة، التي تكتب بها، فمثلا مواضيع الرثاء والمناسبات السعيدة، والتحرير والاستقلال تفرض وجودها بالطريقة الكلاسيكية، إلا أنه ممكن أن يمزج الشاعر بين المدارس كما يفعل محمد مهدي الجواهري الذي يمزج بين الأفكار الحديثة، والأسلوب القديم، فنحن في النهاية، لا نستغني عن جزالة القديم ولا عن الأفكار المعاصرة، لذا فإن أسلوبي الكتابي به مزج واضح بين الرومانسية، والواقعية، البحتة أو الصرفة التي تسمى “الواقعية الحديثة”، لقد كنت قارئا ممتازا للشعر منذ كنت في الـ 15 من عمري ومنذ ذلك الحين بدأت ميولي الشديدة للشعر، وكبداية، كنت أقرأ لنزار قباني وتحولت بعدها للقراءة لمن ابتكر الشعر الحر كالسياب والبياتي، خصوصا مظفر النواب فهو أكثر من أثرى اللغة لدي وبعدها أصبحت أحب قراءة كل أنواع الشعر حتى لو كتب بجريدة أو مجلة وأقيم هذه الكتابات من أول بيتين·

الشعر الغنائي

لقد كنت مولعا بالأغاني قبل الشعر، بعدها أحسست بأن الكتابة العامية تشوش أذني وبدأت بالكتابات النثرية المقفاة التي وصلت لمئة قصيدة، وما أن وصلت للمرحلة الثانوية صدفت صديقا عزيزا - رحمه الله - لخص لي كتاب العروض وأقنعني بالكتابة، بوزن، وعلمني تقطيع الأوزان وعلم العروض، وبعدها اعتمدت على نفسي وعلمت نفسي بنفسي وتمرنت بأنني كنت أحلل قصائد لشعراء مشهورين، وفاة صديقي بعد ذلك أثرت على أسلوبي بالكتابة، وأصبحت أكتب داخل نطاق نفسيتي وليس كما كنت أكتب خارج نطاق النفس، وأضحيت أكتب عما أحس وعن طابع إنساني، وذلك بأن أكتب عن ذاتي لأصل لأحاسيس الناس، ومنذ ذلك الحين أضحيت أكتب من الداخل بشكل كبير، بالإضافة للكتابة عن الإنسانية والقومية وغيرها·

حرية الإبداع

لم يعلم والدي بأنني أكتب الشعر إلا في الحفل الختامي الذي أقامته رابطة الأدباء لمنتدى المبدعين الجدد، وأرى بأن الشاعر يحتاج لبعض الأدوات ليبدع طبعا القراءة أولها، والوعي ثانيها بحيث لا يكون الشاعر مغيبا عن الواقع، ويكون ذهنه حاضرا معه، وأخيرا أن يكون لديه إلمام بالشعر، وأنا لم أذكر الحرية وذلك لأنه لن يكون هناك شعر بدون حرية، فهي أساس الكتابة، وقد يكتب الشاعر دون قراءات ولكن لا يمكنه أن يكتب بغياب الحرية سواء الحرية الداخلية كالعادات والتقاليد والفهم الخاطئ للدين ورفض بعض العلوم كالفلسفة، التي يعتبرها البعض حراما، والخوف من نشر الكتابات حتى لا يحاسبه المجتمع، أو بغياب الحرية الخارجية وهو القمع الخارجي والسلطات فهما مأساة بالنسبة للكاتب، وذلك بأن تظل كتابات الشخص حبيسة الأدراج من شدة الخوف·

لدي قناعة بأن الكتابة لا تقتصر على مواضع الحب والسياسة فقط فهناك عدة مواضيع لا تتطلب الخجل بكتابتها خصوصا إذا كان لدى الكاتب نزعة تجديدية، أي أن له أسلوبا مختلفا وفريدا بالرغم من وجود من يخاف من نشر مثل هذه الكتابات· وبالنسبة لي فأنا أكتب الشعر العمودي والتفعيلة ولا أكتب قصيدة النثر، فهناك قانون وشروط لكتابة الشعر، وأنا شخصيا أكتب لاستمتع أولا، فما هي المتعة، لأكتب كلاما لا يفهمه الناس، ويكتب فقط ليقال بأنه شاعر وهذا ليس منطقا والكلام الذي أمامي إذا لم يرضني شخصيا ولم يعبر عني من كل الجوانب النفسية والفنية لا أكتبه·

الشكل الفني

وأرى بأن القافية كلمة مؤثرة معنويا وليس بالنغم فقط، فهي الأساس للقصيدة، لذا فأنا أتحاشى سماع الشعر النثري لأنه كسر للأذن الموسيقية العربية، وفيه تشويه للصورة الجمالية، وكأنه كلام متداخل ببعضه ويغلب عليه الإبهار والغموض، لدرجة أنني سألت شاعرا يكتب نثرا عن معنى قصيدته فلم يعرف معناها، بل وسألني عما فهمته أنا منها وبعد أن رأى استغرابي من جوابه رد بأنه “كتبها باللاوعي”، عموما أنا أحب أن أطلع على أعمال بعض الشعراء بغض النظر عما يكتبون، رغم أن هناك من لا يصلح للكتابة بهذا العصر كمن يتحدث عن مواضيع الجاهلية، مثلا ولا أقول بأن الكتابة يجب أن تقتصر على مواضيع الحب والسياسة فقط، فهناك مواضيع عدة لا تتطلب الحرج بكتابتها خصوصا إذا كانت لدى الكاتب نزعة تجديدية، أي أن له أسلوبا مختلفا وفريدا، شرط أن لا يخاف من نشر مثل هذه الكتابات وبالنسبة لشعرائي الذين أحب أن أسمع لهم: مظفر النواب الذي أسمع له كثيرا، فأنا احترمه كإنسان، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، لأن شعر التفعيلة ظهر على يدي الشعراء العراقيين، بل وحتى الشعر الواقعي ظهر هناك، وعلى الرغم من المدارس الكثيرة الموجودة، في مصر والمغرب، إلا أنني أحس بأنهم بعيدون عن الواقع الذي أعيشه، كما أنني لا أفهم لغة الشعر التي يستخدمونها، وأول مرة تعرفت على شعراء العراق كانت من خلال قراءتي لقصيدة للبياتي مطبوعة بكتاب دراسي للغة العربية فأعجبتني كثيرا·

طقوس الكتابة

لدي طقوس خاصة لدى الكتابة، فأنا أفضل الكتابة في آخر ساعات الليل لأنني أكون قد قضيت بعض الوقت وأنا أعايش الهدوء والسكون الليلي فأجلس أتأمل وأقرأ أفكاري وبعد انتهائي من كتابة قصيدة، لا أنشرها بل أتركها وأعود إليها في وقت آخر لأراجعها لأنها قد تتغير وتزيد، وذلك لأنني أحس بأنها غير مكتملة حتى لو تركتها مدة عام واكملتها بعد ذلك· وإذا أردت التحدث عن الإبداع فهو عدم رؤية الأشياء كما هي، وباختصار هو عدم روتينية السلوك البشري فأنا لا أكون خلاقا ومبدعا إلا بكسر الروتين، شرط أن يكون المبدع واعيا وملما بخلفيات وأبعاد ما يقوم به من فن أو شعر، فالشاعر المبدع عليه معرفة بعض البحور الصافية من علم العروض التي يسهل تعلمها·

الرابطة·· بيت الأديب

وجودي في رابطة الأدباء أشعرني بأن هناك من يحب الأدب، وبأنه يوجد لدينا جو أدبي بحت، وهو أمر رائع بأن حظيت على فرصة الالتقاء بأدباء كنت أعرفهم على الورق فقط، وبعدها وضعوني في الطريق الصحيح وعرفوني بالصحافيين، هذا وقد كنت في السابق اعتمد على مدرس اللغة العربية لينتقد أعمالي على الرغم من أن نقده كان لاذعاً أحيانا· عموما رابطة الأدباء هي بيت الأديب الكويتي·

أما بالنسبة لولعي بقراءة القصص، فيعود الفضل بذلك لأحد أصدقائي الذي أحضر لي رواية للطاهر بن جلون وهي بعنوان الرجل المحطم وكانت بحدود 200 صفحة، رغم أنني كنت لا أحب قراءة القصص لأنها بالنسبة لي (حواديت)، وبما أنني كنت مولعا بالسياسة وقتها أقنعني صديقي من هذا المنطلق وذلك لأنها رواية سياسية فأحببتها وأنهيت قراءتها في اليوم نفسه، وقرأت بعدها رواية “تلك العتمة الباهرة” للكاتب نفسه، وهي قصة سياسية بحتة وأحببت القصص بسببها وأكثر ما يشدني لقراءته القصص التي بها دراما ومن يومها أحسست بأن القصة، شيء لا يتجزأ عن الشعر·

والدليل على ذلك بأن قصيدتي “أبدية عاش الملك·· مات الملك” وهي من نوع المسرح الشعري، والتي ألقيتها بحفلة ختام منتدى المبدعين الجدد في رابطة الأدباء يومها هناك من قال لي بأن ما أكتبه دراما قصصية، أكثر منها شعرية·

هوايات أخرى·· روافد

ومن جهة أخرى فأنا لدي هواية موسيقية وهي العزف على بعض الآلات الموسيقية كالعود والكمان ولمسات على البيانو، كما أن لدي هواية تلحين القصائد المكتوبة باللغة العربية الفصحى، وقد قمت بتلحين بعض قصائد السياب وغيره، واضطر أحيانا لكتابة قصائد على غرار قصائد نزار قباني لألحنها، ومن هنا كانت اللبنة الأساسية لكتابة الشعر وقد أفادني الجانب الموسيقي هذا، بعلم العروض والموسيقى الشعرية من وزن وغيره، وتناغم الكلمات يجعل الأذن موسيقية، وبذلك يكون الشعر محببا للأذن فيسمع الشخص موسيقى الشعر، مما يطور ذوقه ويجعله يحب سماع الشعر الموزون فقط، وأنا أحب جعل قصائدي كاللحن أي عبارة عن سؤال وجواب، لأن اللحن يبدأ بسؤال وتنتهي الوصلة بالجواب، ولا أبالغ إذا قلت بأن التلحين علمني قول الكلمة الشعرية الملحنة، إنني أؤمن بأن تعدد الهوايات لا يشتتني، كما أن مظفر النواب كان رساما، ونزار قباني كان عازفا، والسياب مترجما، خصوصا أن الفن يثري الشاعر وعندما أخرج من أمسية موسيقية قد أكتب شعرا·

البداية·· والتشجيع·· والمرأة

هناك من يعتبر صغر السن حاجزا مع أنني أرى بأن سني يجعلني أختصر الكثير من السنوات، والسن تجعلك تجرب وتحاول وتخطىء الى أن تنجح، وأعتقد بأن عقدة صغر السن موجودة في مجتمعاتنا فقط، فهم لا يأخذون رأيك حتى لو قلت كلاما موضوعيا، ويحكمون على صغار السن بأنهم غير مثقفين، أما الدول الغربية، فيحكمون على الشخص من خلال عمله، ويحترمونه بقدر ما ينجز من أعمال·

ولعل ما ساعدني على صقل شخصيتي كوني من منزل ديمقراطي، وبينما كنت بفترة النضوج انعزلت عن المجتمع انعزالا تاما وتقربت من أوراقي وكتبي لأن المجتمع غير مبال لذا تأثرت بسبب كتبي وليس بسبب احتكاكي بالمجتمع·

والدي هو قدوتي بالحياة كونه إنسانا يعرف لغة الواقع الحالي، ولا ينظر للأمور بخيالية وهو من أعطاني جرعة الواقعية، فأصبحت ألمس الألم كما ألمس الفرح، وأعطاني حب التفكير والابتكار كونه يمتلك بعض براءات الاختراع لابتكاره لبعض الأدوات، كما أنني تأثرت ببعض الشعراء، خصوصا الذين لديهم نظرة واقعية، للحياة والموت كما أنني تأثرت بالقباني خصوصا كتاباته عن الحب والمرأة، مما جعلني أراها بمنظور مميز، فالمرأة هي ضحكة، وآهة، وهي التي نضحك لأجلها ومنها ونجاهد لنسعدها، وهي التي تعلم الفنان والشاعر وتعطيه أدواته الأولى لاتقان عمله، ففيها الجمال والرقة، وانسيابية، الصفات الأنثوية المتناغمة وكل صفة، فيها تذوب بالأخرى·

للشعر دور نضالي

أنا ممن يؤمنون بأن النضال الحالي بالفكر وليس بالمدفع، فإذا نورت المجتمع والأمة ممكن أن تنهض، خصوصا الكتابات الشعرية التي اعتبرها عامل تنوير الأمة وليست هي العامل الوحيد للتنوير، وأتمنى أن تتآخى الأمة العربية وتترابط وتعي تفككها، بل أكاد أجزم بأن التفكك بدأ ينتشر بين الدول ووصل إلى المنازل لدرجة أن الأخوة بدؤوا يتفرقون·

هناك فئة من الشعراء لا يحاكون واقع الناس ولا يملكون جانبا إنسانيا ويكتبون الشعر لأجل الشعر، وكما تسمى النظرة المخملية، لأنهم يزينون الكلام فقط وكأنهم يتأنقون عند ذهابهم للمقابر·

لدينا معاناة حقيقية سواء نفسية أو من المجتمع أو الأهل أو العمل أوحتى الحياة الاجتماعية العامة، ومن يحمل أفكارا معينة ويريد تقديمها للناس فليبين لهم وجود خطأ أو انهيار عاطفي أو انحلال وتفكك يحدث دون أن يحس به الآخرون، والإنسان الإيجابي يصمم على الارتباط بمجتمعه، وأنا ضد من يقول بأننا ككويتيين نكتب ترفا كما قال أحد الكتاب العرب·

طباعة  

من الأدب الأفغاني
نساء البشتون: “أيها الديك لا تصح ·· دعه بين ذراعي”

 
وتد
 
خبر