مقتل “حارس الفنار”!
نشمي مهنا
“رسولٌ من الغيب يحمل لي دعوة غامضة ومهراً لأجل الرحيل··”
·· وبالفعل جاءه “الرسول” و”الزائر المجهول” لكن قبل أن يتم جملته الشعرية، وقبل أن يتهيأ للملمة أوراقه المبعثرة في غرفته المعتمة في البصرة، فمفاجأة رحيله منذ أيام لا تنقضها تنبؤات شاعر قال منذ ثلاثة عقود:
أعددتُ مائدتي·· وهيأت الكؤوس·· متى يجيء
الزائر المجهول؟
أوقدتُ القناديل الصغار
ببقية الزيت المضيء
فهل يطول الانتظار؟
“قُتل الشاعر العراقي محمود البريكان على أيدي لصوص” هكذا نقلت لنا الأخبار مفاجأتها المتوقعة في ظل الخراب الذي رسم جغرافيته على جسد العراق!
شاعر من روّاد التحديث في حركة الشعر العربي، التصق بالظل سنين طوال، زاهدا، أو متعاليا، أو محتجا، إنما اختار زاويته المفضلة، منذ أيام السياب، حتى يوم مقتله وقد بلغ الثمانين·
رأى في الغياب ملاذا آمنا قبل الغياب، ومرت بقريته الجنوبية قطارات الدنيا ولم يركب أحدها، مع علمه أنها قد توصل للخيرات، والمآدب، والمناصب، والمهرجانات، والشهرة، وصخب المدعوين!
ظل على حاله·· هازئا من تقافز أصحابه الى كبائن “الريل” الصاعد الى بغداد، هذا “الأحمر” باسم الحزب الفلاني - أيام فتوته - وذاك الأخضر باسم “السلطة” الجديدة، والآخر “الأبيض”، باسم الشعب· يعود منكفئا - مبتسما في قرارة نفسه - الى غرفته يكمل أغنيته الحزينة:
قدمتمو لي منزلا مزخرفا مريح
لقاء أغنية
تطابق الشروط·
أوثر أن أبقى
على جوادي وأهيم من مهّب ريح الى مهّب ريحْ·
رديفا لغيابه الشخصي عن أوساط الثقافة والشعر والصحافة، كان غياب نصوصه الشعرية عن النشر سواء في الصحف والمجلات أو على شكل إصدارات، حتى أن سعدي يوسف ذكر في إحدى مقابلاته أن البريكان يخفي قصائده بصندوق في أحد البنوك المصرفية!
تقول سيرة هذا الغائب أن أيام إقامته في الكويت كانت من أغنى وأغزر سنوات حياته الكتابية والمعيشية، حينما عمل مدرسا في نهاية الخمسينيات في إحدى مدارس الكويت، وبمساعدة من خالد المسعود، الذي كانت له أفضال كثيرة على عدد من المثقفين والعاملين العرب في تلك الفترة·
كانت لمحمود البريكان رؤية شعرية، ومدرسة كتابية “لا يكفي أبدا أن يعرض الشعر تجربة ما بأسلوب أنيق، يجب أن تكون القصيدة بكل عناصرها تجسيما لما لا يُجسّم بأي طريقة أخرى”·
إذن كان هاربا من لغو الخارج متجها نحو ذاته، يبحث عن قصيدة “لا تُجسّم” طالت به مسيرة بحثه، وطال صمته وعزوفه، الى أن انتهى مقتولا على أيدي لصوص الخراب!
نأسف على نهايته الحزينة، ونثمن رغبته في مسيرة بحثه المضني وهو القائل: “الشعر يبدو جديرا بأن تكرس له حياة كاملة”·
شكك البعض بدوافع قتله، وأكد البعض أنه راح ضحية صمته المعارض وزهده في “مرابد” السلطة· فقُتل على أيدي رجال سلطة “العبث” الحاكمة· شخصيا لا أميل الى هذا الشك أو الى ذاك التأكيد، لا لطهارة السلطة، فسواد تاريخها الإجرامي أكثر حلكة من عباءات العراقيات في النجف، إنما لحقيقة واضحة جلية أن هذا الخراب الذي لم تنته منه السلطة بعد، يفرّخ - بالطبع - غربانا وذئابا أو قطاع طرق تسد أفق العراق، وتترك وراءها أجيالا من مجاعات ومفاسد وكوارث، تمتهن الجريمة وأكل اللحم النيئ!
إنها جريمة مضاعفة بحق شعب بتاريخه وأخلاقه ونظمه، من المتوقع أن تغرس متتالياتها الكارثية خنجرا بجسد البريكان! فهل سيحُسب له - تأريخاً - أنه سقط قبل الطاغية بأيام؟!
nashmi@taleea.com