· سفير أمريكي سابق: المصالح المشتركة اختفت بعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج
· رد الرئيس بوش بإعداد مبادرة سلمية تعترف بدولة فلسطينية قابلة للحياة
· السعوديون رفعوا توقعاتهم من نجل الرئيس الأسبق جورج بوش
· الأمير عبدالله هدد بعقد قمة عربية طارئة تقدم الدعم الكامل للفلسطينيين
· التوتر في العلاقات الأمريكية - السعودية سبق أحداث 11 سبتمبر
· لماذا قال الأمير بندر ليلة 11 سبتمبر “إنني أسعد رجل في العالم”؟
· ولي العهد السعودي: الدم الفلسطيني ليس أرخص من الدم الإسرائيلي
بقلم روبرت كيسر وديفيد أوتواي:
في الرابع والعشرين من أغسطس الماضي، كان الأمير عبدالله ولي العهد السعودي في قصره بالرياض يشاهد مؤتمرا صحافيا متلفزا للرئيس الأمريكي جورج بوش في تكساس، وحين سئل بوش حول “عملية السلام” الإسرائيلية - الفلسطينية والتي طغت عليها مرة أخرى دورة العنف الجديدة·
أجاب الرئيس بوش إن “الإسرائيليين لن يتفاوضوا تحت تهديد الإرهاب بكل بساطة، وإذا كان الفلسطينيون معنيين بالسلام، فإنني أحث عرفات على بذل جهد 100 في المئة من أجل وقف النشاط الإرهابي، وأعتقد أن بوسعه أن يقوم بما هو أفضل مما يقوم به الآن”·
فسر الأمير عبدالله كلمات الرئيس بوش بأنها إعفاء لإسرائيل من المسؤولية وإلقاء اللوم على ياسر عرفات لتدهور الأوضاع، وفقا لمسؤول سعودي· لقد شعر الأمير عبدالله باستياء عميق، فالتقط سماعة الهاتف واتصل بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان الذي كان يتابع المؤتمر الصحافي للرئيس بوش من منزله في كولورادو·
وطلب الأمير عبدالله من السفير مقابلة الرئيس بوش في الحال ونقل رسالة شديدة اللهجة تعبر عن تراكم أشهر من التوتر بين المملكة العربية السعودية وإدارة بوش الجديدة· وقد سلم الأمير بندر الرسالة الى مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس ووزير الخارجية كولين باول· ولخص مسؤول سعودي ما ورد في تلك الرسالة بقوله إن الأمير عبدالله قال في رسالته: “إننا نعتقد أن الولايات المتحدة اتخذت قرارا استراتيجيا أن مصلحتها القومية في الشرق الأوسط مبنية على “رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون”· وهذا حق للولايات المتحدة ولكن لا يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقبل بهذا القرار· واعتبارا من هذا اليوم أنتم من أورغواي كما يقولون فامضوا في طريقكم “أيها الأمريكيون” ونحن “في المملكة” نسير في طريقنا· فمن الآن وصاعدا، سنقوم بحماية مصالحنا الوطنية بصرف النظر عن المصالح الأمريكية في المنطقة·
صدمة
وقد صدرت التوجيهات للأمير بندر بوقف النقاش بين البلدين· لقد حان الوقت “لأن نعكف على ترتيب أمورنا في الشرق الأوسط”·
لقد كان للرسالة وقع الصدمة على إدارة بوش· وكما كان يحدث دائما في الماضي، كان هذان البلدان - المختلفان في كثير من جوانب الحياة - لا يستمعان لبعضهما· ولكن في اليومين التاليين للرسالة، عكفت إدارة بوش على عقد اجتماعات مطولة بشكل غير عادي، لمحاولة إصلاح العلاقات الأوثق مع أي دولة عربية· وبالفعل نجحت الإدارة في إرضاء السعوديين برسالة شخصية الى الأمير عبدالله من الرئيس بوش نفسه·
فعدم استماع كل من الأمريكيين والسعوديين لبعضهما ساعدهما في الواقع، في الحفاظ على تحالفهما الوثيق·
وبعدم اعتراف البلدين بالاختلافات الجوهرية بينهما، لم تجد أي منهما نفسها مضطرة لمواجهة هذه الاختلافات· فكانت العلاقات بينهما ترجمة دبلوماسية لمقولة “لا تسأل ولا تجيب”· وهي المقولة التي قال الأمير بندر بأنها ربما تكون مستوحاة من الآية الكريمة “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم··” الى آخر الآية·
الأمن والنفط
والأمر الذي كان واضحا لزعماء كلا البلدين هومصالحهما الذاتية· فالمملكة العربية السعودية ظلت تريد الحصول على الحماية الأمريكية وهذا ما نعمت به دائما· والولايات المتحدة تحتاج للنفط السعودي وظلت تحصل عليه دائما تقريبا· والأمر الذي كان سيسبب المتاعب لهذين الحليفين هو إدراك أن هناك القليل مما هو مشترك بينهما غير الأمن والنفط·
لقد سأل برنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جورج بوش (الأب) ذات يوم رئيسه قائلا: هل فهمنا نحن “الولايات المتحدة” والمملكة العربية السعودية بعضنا في يوم من الأيام؟” وأجاب على السؤال: “ربما لا· وأعتقد أننا ربما كنا نحاول دائما تفادي الخوض في أمور تشكل مشكلات حقيقية بيننا، لأنها علاقة شديدة التأدب، ونحن لا نغوص كثيرا في ما هو تحت السطح”·
لقد واجهت الولايات المتحدة في أحداث 11 سبتمبر وما تلاها حقيقة أن حليفتها العربية الرئيسية هي مملكة ثيوقراطية ساندت الأصولية الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي· بل وما أثار مزيدا من الاضطراب أن أسامة بن لادن وخمسة عشر شخصا من الذين شاركوا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانوا مواطنين سعوديين، إن كشف كل هذه الحقائق أدى الى ردة فعل أمريكية غاضبة أثارت مخاوفهم وهزت ثقتهم بعلاقاتهم الدبلوماسية الأكثر أهمية بهم “مع الولايات المتحدة”·
ولكن مع تعبير الأمير عبدالله عن غضبه في شهر أغسطس الماضي، كانت العلاقات بين البلدين قد وصلت الى درجة من التوتر الجدي حتى قبل الحادي عشر من سبتمبر· إذ يقول شاس فريمان السفير الأمريكي الأسبق لدى المملكة العربية السعودية إن “الكثير من المصالح المشتركة اختفت” بين البلدين بعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج·
حساسية مفرطة
وكانت قد برزت بالفعل خلافات حادة حول كيفية التعاطي مع العراق وإيران وهما الدولتان الجارتان للمملكة· وربما كان الخلاف الأكثر حدة والأكثر تهديدا للعلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية هو في كيفية التعامل مع إسرائيل وعرفات· وهو الخلاف الذي نجم عنه ما حدث بين البلدين في شهر أغسطس الماضي والذي لم يعلن عنه· فقد بدأ السعوديون يتساءلون حول جدوى استمرار التواجد العسكري الأمريكي في أراضيهم· وكل هذه نقاط اختلاف تهدد بأن تطغى على المصالح المشتركة بين البلدين·
لقد كشفت بعض المقالات التي نشرت أخيراً التطور في “العلاقة الخاصة” بين البلدين وتسلط الضوء على مستقبلها غير الموثوق في وقت تسعى فيه إدارة بوش لتوسيع حربها على الإرهاب الى خارج أفغانستان· وهذه المقالات مبنية على وثائق رسمية وأكثر من 60 مقابلة مع مسؤولين أمريكيين ومحللين ومسؤولين سعوديين رفيعي المستوى الذين تحدثوا شريطة عدم الإفصاح عن هويتهم· لقد رفض مسؤولون أمريكيون مناقشة ما حدث في أغسطس أو مستقبل العلاقات الأمريكية - السعودية، بسبب الحساسية المفرطة لهذه العلاقة· ويقول شين ماكو رماك الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي “لقد قررنا عدم المشاركة في هذه المقالات”·
لقد بدأ عام 2001 واعدا بالنسبة للسعوديين، فالرئيس الأمريكي الجديد هو نجل جورج بوش الرئيس الأمريكي الأكثر شعبية في المملكة العربية السعودية· وهو البطل القومي لدوره في حماية المملكة من عراق صدام حسين عام 90/91· والسعوديون الذين يعرفون الكثير عن السلالات، كانت لديهم توقعات عالية تجاه نجله·
من 1973 إلى 2001
ولكن هذه التوقعات تحولت الى خيبة أمل مريرة مع مرور الوقت ومع استمرار التدهور في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني· وفي كل أرجاء العالم العربي، تنامى الشعور بخيبة الأمل من الولايات المتحدة بسبب التزامها الصمت مع تفاقم العنف· وقد تنامى غضب الأمير عبدالله، وفقا للمصادر السعودية·
وقد أدرك الأمريكيون أن الأمير كان محبطا وحاولوا مرارا تهدئته وفقا لمسؤولين في إدارة بوش· فقد دعاه الرئيس بوش لزيارة واشنطن· واتصل والده (الرئيس الأسبق) لطمأنته بأن “قلب ابني في مكانه” بالنسبة إلى مسألة الصراع العربي - الإسرائيلي· لكن الأمير عبدالله رفض كل هذه المحاولات لإرضائه·
لقد ظل موضوع فلسطين ومن ثم إسرائيل، يتسم بالحساسية في العلاقات السعودية - الأمريكية منذ الاتصال الأول للرئيس روزفلت بالملك عبدالعزيز بن سعود في الأربعينات من القرن الماضي· لقد أثارت “النجاحات” العسكرية الإسرائيلية عام 1973 استياء السعوديين مما دفعهم الى قيادة الحظر النفطي عن الولايات المتحدة· وحين انتخب أرييل شارون رئيسا لوزراء إسرائيل في فبراير 2001، ضغط السعوديون على الولايات المتحدة بشكل متكرر كي تكبح جماح شارون وتعيده الى طاولة المفاوضات·
ففي سلسلة رسائل للرئيس بوش وغيره من المسؤولين في البيت الأبيض، ظهرت خيبة الأمير عبدالله بجلاء· وتساءل في مقابلة معه أجرتها صحيفة “فايننشال تايمز” في شهر يونيو الماضي قائلا: “ألا يرون ما يحدث للفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ؟” ويقول مساعدو الأمير أنه يشاهد ذلك بنفسه على شاشات التلفزة كل ليلة· فالتلفزيون السعودي يعرض أفلاما مطولة عن الصراع واستخدام إسرائيل القوة العسكرية المفرطة ضد الفلسطينيين في كل نشرة أخبار تقريبا·
ولكن إدارة بوش لم ترد ولم تتخذ أي إجراء لوقف العنف، وسعت الإدارة الجديدة للنأي بنفسها عن سياسة بيل كلينتون الذي بذل آخر جهد حقيقي من أجل التوصل الى اتفاق سلام إسرائيلي - فلسطيني خلال الأسابيع الأخيرة من فترة ولايته· وأبلغت إدارة بوش كلا من الإسرائيليين والفلسطينيين أنهم إن أرادوا استئناف مفاوضات السلام، فعليهم أن يفعلوا ذلك بأنفسهم·
مرحلة خطيرة
وفي شهر يوليو الماضي، أصدرت المملكة العربية السعودية بيانا باسم الملك فهد بن عبدالعزيز يحذر من أن “عمليات إسرائيل المنظمة” ضد الفلسطينيين تهدد بإدخال الشرق الأوسط الى “مرحلة خطيرة”· وبعد أسبوعين، أيد نائب الرئيس ديك تشيني في مقابلة صحافية معه عمليات اغتيال الناشطين الفلسطينيين، مما أثار مزيدا من السخط في الجانب السعودي·
وفي التاسع من أغسطس الماضي، نشر السفير السعودي في لندن الدكتور غازي القصيبي، مقالة في صحيفة الحياة اللندنية يسخر فيها من الرئيس بوش ووصفه بأنه لا يعرف شيئا وأنه محكوم بعدة “عُقَد” أهمها الرغبة في تفادي الظهور وكأنه مثل والده أو سلفه، وأضاف الدكتور القصيبي يقول “خلال أشهر عدة، خلق هذا الرجل عددا كبيرا من الأعداء لبلاده بما يؤهله للحصول على جائزة جديدة يمكن تسميتها جائزة تحويل الأصدقاء الى أعداء”· وقد علم الدبلوماسيون السعوديون أن الرئيس بوش قرأ تلك المقالة باستغراب·
وفي مساء يوم الثالث والعشرين من أغسطس، توغلت الدبابات الإسرائيلية في عمق مدينة الخليل بالضفة الغربية مما أدى الى تصعيد جديد في التوتر· ووفقا لمسؤولين سعوديين، شاهد الأمير عبدالله الأخبار التي ظهر فيها جندي إسرائيلي يدفع امرأة فلسطينية الى الأرض ويضغط على رأسها بحذائه، فشعر الأمير بغضب شديد وقال “كيف لرجل أن يضرب امرأة·· إنها قمة الإذلال”·
ورد الأمير عبدالله بالاتصال بالسفير في واشنطن بندر بن سلطان الذي يتمتع بعلاقات جيدة في العاصمة الأمريكية بسبب سنوات خدمته الطويلة، فهو يتولى هذا المنصب منذ عام 83 ولم يكن عمره آنذاك سوى 34 عاما·
لقد أصبح الأمير بندر مع مرور الزمن، يجسد العلاقة الأمريكية - السعودية، وتمكن من إقامة علاقة صداقة شخصية مع الرئيس بوش (الأب)، وبصفته عميدا للسلك الدبلوماسي في واشنطن بحكم فترة خدمته الطويلة، فهو السفير الوحيد الذي يتمتع بحماية أمنية من وزارة الخارجية الأمريكية، وذلك يعود الى “التهديدات” التي قد يواجهها ولكونه أميرا، كما قال الناطق باسم الخارجية· ولكن يبدو أنه فقد هذا الوضع في التسعينات إبان حكم الرئيس بيل كلينتون، ويعترف الأمير بندر بقوله “لقد أصبت بالملل” خلال تلك الفترة·
اختراق
وحين اتصل به الأمير عبدالله في شهر أغسطس كان الأمير بندر في منزله الفخم في أسبين الذي بلغت تكاليف بنائه 55 مليون دولار· فهو يمتد على مساحة 70 ألف قدم مربع ويتألف من 15 غرفة نوم و16 حماما، ويمتلك الأمير منزلا آخر في ماكلين وقصرا في المملكة وآخر في الريف الإنكليزي·
كان الأمير بندر خارج المنزل حين اتصل ولي العهد السعودي وكان الوقت حوالى منتصف الليل بتوقيت الرياض، وفي الصباح اتصل الأمير عبدالله ثانية ليبلغه الرسالة·
واعتقدت السفارة السعودية أن ثمة ردا أمريكيا على الرسالة خلال 4-5 أيام ولكن الرد جاء خلال 36 ساعة· ويقول مسؤول سعودي رفيع “لقد تم إبلاغنا أن هناك جوابا جاهزا على كل نقطة أثارها الأمير عبدالله”· فحمل الأمير بندر الرسالة بنفسه وطار بها الى الرياض·
وكانت الرسالة في نظر السعوديين تشكل “اختراقا”، ويقول مسؤول سعودي “لم يسبق أن جاء ما حوته الرسالة بشكل مكتوب من قبل”· وأضاف أن الرئيس بوش حدد صيغة عادلة لحل النزاع العربي - الإسرائيلي تختلف اختلافا كبيرا من مواقف شارون بشأن عملية السلام· وقال مسؤول سعودي آخر إن ذلك كان بمثابة عنصر رئيسي، أي رؤية أمريكية لتسوية سلمية كانت مقبولة للسعوديين وتختلف عن أي خطة سلام إسرائيلية·
وعبّر الرئيس الأمريكي في الرسالة - وفقا للمسؤولين السعوديين - عن تأييده لفكرة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة· وعبر عن رغبته ببدء المشاركة بفاعلية أكبر في العملية السلمية· ويشير مستشار الشؤون الخارجية للأمير عبدالله عادل جبير أن “مواقف بوش لم تختلف كثيرا عن مواقف الرئيس كلينتون لدى خروجه من البيت الأبيض”·
والأمر المهم بشكل خاص، في رسالة الرئيس بوش المكونة من صفحتين هو رده على تذمر الأمير عبدالله حيال الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في الرسالة التي نقلها بندر الى الإدارة الأمريكية من الأمير عبدالله والتي ورد فيها، وفقا لمسؤولين سعوديين “إنني أرفض هذا الانحياز الأمريكي غير العادي الذي يجعل دم طفل إسرائيلي أغلى وأكثر قدسية من دم الطفل الفلسطيني، إنني أرفض مقولة البعض حين يُقتل الفلسطينيون فإنه دفاع عن النفس، وحين يقتل الفلسطينيون إسرائيليا فإنه عمل إرهابي”· وأشار الأمير عبدالله كذلك الى المشهد الذي رآه على شاشة التلفزيون لجندي إسرائيلي يضع قدمه على رأس امرأة فلسطينية·
رئيس من الوزن الخفيف
ويورد المسؤولون السعوديون أن الرئيس بوش قال في رده إنه يعتقد أن دماء الأبرياء هي سواء فلسطينيين كانوا أم إسرائيليين، يهودا أم مسيحيين أم مسلمين·
كما عبر عن رفضه إهانة الأشخاص· ويقول مسؤول سعودي إن “الرسالة احتوت على الجانب الإنساني في شخصية الرئيس جورج بوش”·
لقد كان من غير الممكن التكهن بما كان سيحدث لولا أن الرئيس بوش سارع الى تهدئة الأمير عبدالله في نهاية شهر أغسطس الماضي· فوفقا لمصادر موثوقة، نقل السعوديون للولايات المتحدة نيتهم عقد مؤتمر قمة عربي طارئ لتقديم الدعم الكامل للفلسطينيين· وألمحوا الى احتمال وقف كل أشكال التعاون الأمني والاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وأشاروا الى نيتهم إعادة النظر في العلاقات العسكرية بين البلدين·
وقد لوح الأمير عبدالله بالتهديد الأخير صراحة· ففي الرابع والعشرين من أغسطس، وصل رئيس أركان القوات المسلحة السعودية الجنرال صالح علي بن المحيا، الى واشنطن من أجل مراجعة عالية المستوى للتعاون العسكري بين واشنطن والمملكة· وفي الخامس والعشرين من ذلك الشهر، وحين حادث الأمير عبدالله سفير بلاده هاتفيا، طلب منه عودة رئيس الأركان الى الرياض فورا ودون إجراء أي مقابلة مع الأمريكيين، كما أمر وفدا من 40 مسؤولا سعوديا رفيعي المستوى كان يهم بالمغادرة الى واشنطن، بإلغاء زيارتهم، وألغيت عملية المراجعة السنوية للعلاقات العسكرية بين البلدين·
وكان لتلك الخطوة وقع الصدمة في البنتاغون وفقا لمسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية كان يتوقع المشاركة في المحادثات العسكرية مع الوفد السعودي·
لقد غيرت رسالة الرئيس بوش للأمير عبدالله، صورته في دائرة ضيقة من المسؤولين السعوديين الذين كانوا يعتبرون بوش رئيسا من “الوزن الخفيف” و”أبله” على حد وصف أحدهم· ولكن بعد الرسالة أصبحوا ينظرون إليه كرئيس “قوي وحكيم وذي تصميم، لقد ارتفعت سمعته من الحضيض الى السماء”·
قرارات معلقة
وقرر ولي العهد السعودي أن يبعث برسالة الى الرئيس بوش· وبالفعل فقد سلم الأمير بندر، الرئيس الأمريكي رسالة تتألف من 25 صفحة ردا على رسالته ذات الصفحتين التي بعث بها الى زعماء عرب آخرين منهم رؤساء مصر وسوريا وملك الأردن· واستدعى ياسر عرفات الذي كان في زيارة لجنوب إفريقيا، ليقرأ عليه الرسالة· ووفقا لمسؤولين سعوديين، انتزع الأمير عبدالله تعهدا خطيا من عرفات بالإيفاء بمطالب بوش في ما ينبغي عليه عمله لاستئناف عملية السلام، وأرسله الى واشنطن مع رد اتسم بالحماس على رسالة بوش· وأُرسل الأمير بندر الى واشنطن لمحاولة تحويل الرسالة الى سياسة وخطوات عملية من خلال حث الرئيس بوش بإعلان ما ورد في رسالته للأمير عبدالله·
لقد كان الأمير بندر مقتنعا أنه ليس بوسع الرئيس بوش أن يتخذ من رسالة صاغها خلال 36 ساعة فقط سياسة رسمية· وفي السابع من سبتمبر الماضي أبلغ بندر مسؤولين أمريكيين أن المملكة العربية السعودية “سعيدة وتشعر بالامتنان” لاكتشافها أنها أساءت قراءة موقف إدارة بوش تجاه الشرق الأوسط· وأنها ستواصل محاولة حماية المصالح الأمريكية· وعبّر الأمريكيون عن رغبتهم في إطلاق مبادرة للسلام في الشرق الأوسط حالا، كما قال مسؤول سعودي، وهو الموقف الذي يختلف بصورة جوهرية عن المواقف التي اتخذتها الإدارة على مدى الأشهر السبعة الأولى من ولاية الرئيس بوش·
وعلى مدى يومي الثامن والتاسع من سبتمبر ناقش مسؤولون من البلدين الخطوات التالية وكان من المقرر أن يلقي الرئيس بوش أو كولين باول أو كليهما، خطابا· وجرت مناقشة عقد لقاء بين الرئيس بوش وعرفات على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في أواخر شهر سبتمبر، وهي نقطة مهمة بالنسبة إلى السعوديين الذين أسعدهم أن بوش بدا راغبا في عقد اللقاء· وغادر باول لبدء جولة مقررة من قبل له في العاشر من سبتمبر، الى أمريكا اللاتينية، في حين ظلت تلك القرارات معلقة لم يبت بها نهائيا·
مزاج أصفر
وحتى دون اتخاذ القرار النهائي بشأن النقاط التي جرى بحثها، إلا أن الأمير بندر كان يشعر بالسعادة· فبعد أشهر مما وصفه بـ “المزاج الأصفر” حيال الوضع المتدهور في الشرق الأوسط “فجأة، شعرت بالمشاعر التي كانت لدي ونحن ذاهبون الى مؤتمر مدريد عام 91، وأنه ستكون لدينا مبادرة رئيسية يمكن أن تنقذنا جميعا من أنفسنا بالدرجة الأولى، ومن بعضنا ثانيا” على حد تعبير الأمير بندر بن سلطان·
ويضيف “وهكذا كنت في تلك الليلة (ليلة الحادي عشر من سبتمبر) أشعر أنني أسعد رجل في العالم· لقد منحت نفسي إجازة، أستمتع فيها بالسباحة في منزلي بماكلين وأدخن السيجار بعد رحلة عمل الى المملكة وعودة الى واشنطن خلال أيام كان يوم العمل فيها يمتد حتى الثالثة أو الرابعة فجرا· لقد عملت طوال يوم الاثنين العاشر من سبتمبر، فاتصلت بمكتبي أبلغهم أنني سوف آخذ يوم غد (الحادي عشر من سبتمبر) إجازة للراحة”·
وفي اليوم التالي، وبدلا من أن يكون يوم إجازة للسفير بندر بن سلطان، واجه أسوأ أزمة طوال حياته الدبلوماسية· لقد تبخرت كل الآمال بمبادرة جديدة للسلام في الشرق الأوسط· ويقول الأمير بندر بن سلطان إن نبأ كون معظم الخاطفين الذين شاركوا في هجمات 11 سبتمبر كانوا من السعوديين، وقع علي كانهيار المنزل بأكمله على رأسي”· ويضيف: “لم أتخيل شيئا أكثر ضررا للإسلام وللمملكة العربية السعودية، مما حدث”·
“ واشنطن بوست “