· إسرائيل لا تستطيع تحمل تبعات تكرار الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان
· الغزو الوحشي للمدن والمخيمات الفلسطينية يستهدف طمأنة الشارع الإسرائيلي
· مناورات شارون لتفادي السقوط ستقربه منه أكثر
· رئيس الوزراء الإسرائيلي يعوّل على فشل عرفات في الإيفاء بالتزاماته
· تحدي نتنياهو يشد شارون يمينا وتهديد حزب العمل يسحبه يسارا
واشنطن بوست
بقلم: مارتن أنديك *
ما الذي يدور في ذهن أرييل شارون؟ في الأسبوع الماضي، وقبيل بدء جولة المبعوث الرئاسي الأمريكي انطوني زيني الثالثة لمحاولة التوصل الى وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين، اتخذ شارون سلسلة من الخطوات الدراماتيكية التي بدت متعارضة مع كل ما فعله قبل ذلك مباشرة·
فقد أعلن أن ياسر عرفات حر في مغادرة سجنه الفعلي في مدينة رام الله، وتنازل عن مطلبه الذي ظل يصر عليه بالهدوء الكامل لمدة سبعة أيام قبل تطبيق خطة وقف إطلاق النار، وأعلن عن قبوله بنشر مراقبين أمريكيين لوقف إطلاق النار·
ووافق على عقد لقاء بين وزير خارجيته شيمون بيريز والمفاوضين الفلسطينيين، وأصدر توجيهات لابنه بإعادة الاتصالات مع ياسر عرفات، بل إنه اجتمع مع المستشار الاقتصادي لياسر عرفات·
فهل هذا هو شارون الذي اعتبر، قبل أشهر قليلة، عرفات غير ذي صلة وعبر عن ندمه لأنه لم يقتله في أثناء غزو بيروت قبل عشرين عاما· فكيف نفسر نوايا هذا الزعيم الإسرائيلي في الوقت الذي يبدي فيه مرونة تجاه مقترحات وقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة، ويرسل بالجيش الإسرائيلي لاحتلال المخيمات والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، ويقتل أكثر من مئة فلسطيني ويقوم بغزو عسكري بالدبابات المدرعة لمدينة رام التي تمثل العاصمة الموقتة للفلسطينيين؟
ولفهم شارون، نحن بحاجة للإقرار أنه في أي لحظة بعينها، هناك في الواقع ثلاثة وجوه لشارون تتنافس على عقل رئيس الوزراء الإسرائيلي هي: الجنرال والسياسي ورجل الدولة·
من بيروت إلى رام الله
شارون الجنرال، شخصية معروفة، فهو الجندي الذي حارب الإرهاب طوال حياته، والشخصية التي تؤمن بفعالية القوة وأهمية الأرض· وهو وزير الدفاع الذي أرسل الجيش الإسرائيلي الى لبنان عام 82، وواجه الولايات المتحدة، وتورط في المجازر التي ارتكبتها قوات الكتائب وراح ضحيتها المئات من الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا·
وهو الذي حاصر بيروت ودمر الدولة (الفلسطينية) داخل الدولة (اللبنانية) وأخرج عرفات منها· وهو القائد الذي يرى - بالتأكيد - فائدة تكرار التجربة ذاتها مع عرفات· ولكن هذه المرة في الضفة الغربية· فالجنرال شارون كان أول من طالب بتحويل الأردن الى دولة فلسطينية وكان مسؤولا عن بناء الكثير من المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، التي تستهدف جعل من غير الممكن إقامة دولة فلسطينية ذات مساحة جغرافية مترابطة· وفي هذه الأيام التي يقاتل فيها شارون العنف والإرهاب الفلسطيني، لا بد أن الجنرال في هذا الرجل يحض شارون رئيس الوزراء، على المضي قدما في هذه المهمة حتى النهاية·
ثم هناك شارون السياسي الأقل يقينا بالمسار الصحيح· لقد انتخب بتفويض لوقف العنف (الفلسطيني) ووعد الإسرائيليين بالسلام والأمن، لكنه لم يوفر لهم أيا منهما - وبدلا من ذلك، تدهور الاقتصاد الإسرائيلي· ويعيش المواطنون في جميع أرجاء البلاد أسرى الخوف من الهجوم الإرهابي التالي ويشعرون باليأس تجاه مستقبل أبنائهم·
ونتيجة لذلك، بدأ شارون السياسي يفقد شعبيته بسرعة، حيث إن أكثر من 60 في المئة من الإسرائيليين الآن، يعتقدون أنه يفشل في أداء مهماته·
ويبدو أن شارون السياسي ممزق بين قوتين سياسيتين متعارضتين· فهو ينجرف نحو اليمين بفعل التحدي القوي الذي يمثله بنيامين نتنياهو الذي يحظى بتأييد الأغلبية داخل الليكود· ويكتسب نتنياهو القوة لأنه يطالب بتدمير السلطة الفلسطينية وطرد عرفات من الأراضي المحتلة· وما لم يسرق شارون بريق نتنياهو بالتحرك الحازم ضد عرفات، فمن المؤكد أن يشكل (نتنياهو) خطرا على فرص إعادة انتخاب رئيس الوزراء الحالي·
ومن ناحية أخرى، هناك قوى تسحب شارون السياسي نحو اليسار· فهو يدرك أنه إذا تمادى في استخدام القوة وأعاد احتلال الضفة الغربية وغزة، فسوف يخسر حزب العمل الشريك له في الائتلاف الحكومي· والآن، ومع انسحاب وزيري حزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف بزعامة افيغدور ليبرمان، من الحكومة، فإن انسحاب حزب العمل سيؤدي الى سقوط الائتلاف وإجراء انتخابات مبكرة وتفجر المنافسة على زعامة الليكود وهي المنافسة التي على الأرجح أن يخسرها شارون لصالح خصمه بنيامين نتنياهو· وهكذا، فإن شارون السياسي يجد نفسه محشورا في وضع لا يمكن أن يحقق الغلبة فيه· فهو يتهم من اليسار بأنه يتوغل يمينا، ويتهم من اليمين بالتمادي في اليسار ومن الوسط بتدمير آمالهم·
فرصة أخيرة
وأخيرا، هناك شارون رجل الدولة الذي فوجئ بالوصول الى منصب رئيس الوزراء في أواخر حياته السياسية المثيرة للجدل· فهو يشعر بثقل عبء المسؤولية تجاه الدولة العبرية· وقد منح فرصة أخيرة لمحو وصمة الحرب الفاشلة في لبنان من إرثه التاريخي· وهذا الـ شارون لا ينوي تكرار أخطاء شارون الجنرال، فهو لن يغامر بإرسال الجيش الإسرائيلي الى المناطق الفلسطينية ثانية لتكرار المستنقع اللبناني، فالمسألة ليست مرتبطة بالاعتزاز الشخصي·
وشارون رجل الدولة يدرك جيدا التأثير السلبي لإعادة الاحتلال على جنود الاحتياط ويعرف أنه لا يمكن لإسرائيل أن تتحمل تبعات إرسال إشارات على ضعفها إن هي قامت - مرة أخرى - بانسحاب أحادي الجانب أمام العنف الفلسطيني·
وشارون رجل الدولة، على العكس من شارون الجنرال، يقترح قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة ويتعاطف مع المعاناة الفلسطينية، ويبدي الاستعداد لتجميد كل النشاطات الاستيطانية (إذا توقف العنف والإرهاب)، بل ويلمح الى إمكانية تفكيك بعض هذه المستوطنات· فهو يدرك حدود القوة ويفهم أن عرفات يمكن أن يستفيد أكثر من إسرائيل، جراء التصعيد الذي قد يقود الى تدخل دولي·
دق إسفين
ويعرف شارون رجل الدولة، أيضا، فوائد التنسيق مع واشنطن، وفي الواقع، فإنه سوف يبذل كل ما في وسعه لتفادي أي مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، لإدراكه أن عرفات سوف - يسعى إذا أتيحت له الفرصة - لدق إسفين بين الدولة اليهودية والقوة العظمى الراعية لها· فهو حساس لاهتمام بوش بالاستقرار الإقليمي وأكد له، أنه في الوقت الذي سيحارب فيه الإرهاب، إلا أنه لن يفعل ذلك بطريقة تعمل على المزيد من زعزعة الاستقرار· وبالتالي، فإن شارون رجل الدولة يفضل خيار الضغط الدولي بقيادة الولايات المتحدة على عرفات لوقف الانتفاضة، ويدعم هذا الخيار بالتهديد وليس بالاستخدام المفرط للقوة الإسرائيلية·
وفي كل لحظة من لحظات الأزمة الراهنة، تجد أحد هذه الشارونات الثلاثة يهيمن على الآخرين· ففي الأسبوع الماضي، أرسل شارون الجنرال قواته الى الضفة الغربية وغزة في خطوة ذكرتنا بحرب لبنان عام 82، لكن شارون السياسي سرعان ما وجد نفسه يتصادم مع زعيم حزب العمل وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر حول مدى العملية، ووافق على كبحها، وفي هذه الأثناء، وجد شارون رجل الدولة نفسه وللمرة الأولى، يواجه انتقادات قاسية من الرئيس بوش، ويعلن ترحيبه بمهمة الجنرال زيني من أجل سد الفجوة بينه وبين الولايات المتحدة ولتركيز الضغط الأمريكي على عرفات·
ويعترف الكثيرون في إسرائيل لشارون بقدرته على التكتيك· ولكن المشكلة التي يواجهها الآن - ويدرك ذلك الشارونات الثلاث بالتأكيد - أنه بدأ يفقد هامش المناورة بسرعة· فالجنرال بعيد عن تدمير السلطة الفلسطينية وإعادة احتلال الضفة الغربية وغزة· وشارون السياسي يدرك أن مركزه آخذ في الضعف بسبب تدني شعبيته وتنامي احتمالات إجراء انتخابات مبكرة· وشارون رجل الدولة اكتشف أن المرحلة الثانية من الحرب الأمريكية على الإرهاب تتطلب منه الهدوء وليس التصعيد، في الأزمة إذا أراد أن يظل على يمين الرئيس بوش الذي لا يرحب بأن يؤدي الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني الى أن يحرف حربه عن أهدافها في وقت يجري التحضيرات لإسقاط صدام حسين·
مصير محتوم
ولذلك، فإن شارون يتحرك في الاتجاه الصحيح حين يميل نحو اليسار· فقد قام بغزو المدن والمخيمات الفلسطينية في عملية وحشية تستهدف إثبات قسوته وطمأنة الجمهور الإسرائيلي الذي هزته عمليات قتل المدنيين الأبرياء في شوارع المدن الإسرائيلية· ومن ثم فإنه يستعد لقبول وقف لإطلاق النار برعاية أمريكية وسحب قواته وقف الاغتيالات وبدء المفاوضات السياسية وتجميد الاستيطان·
وربما يعوّل شارون على عدم إيفاء عرفات بالتزاماته بموجب خطة تينيت أو توصيات ميتشيل، ومن ثم فلن يلومه أحد بعد ذلك، لمواصلة العنف·
ولكن هذا لن يحل مأزقه، فقد يمكنه من كسب بعض الوقت ولكنه لكن يكون كافيا لإخراجه من الزاوية الصعبة التي يجد نفسه فيها الآن·
لقد أبلغني شارون الذي يمتلك مزرعة خاصة، ذات يوم أنه تأثر كثيرا بمشهد بقرة وهي تقاوم حين وجدت نفسها تدفع الى المسلخ· وهكذا يرى شارون نفسه الآن· فهو يقاوم الضغوط المحلية والدولة التي قد تدفعه الى المسلخ·
ولكن الشيء الذي قد لا يفهمه شارون أن هذه المناورات التي يلجأ إليها كي يتفادى مصيره المحتوم تقوده أقرب وأقرب الى هذا المصير الذي يخشاه·
وما إن بدأ يدرك ما الذي ينتظره، فإننا نتوقع من رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يكون أكثر استجابة للمبادرة الأمريكية التي لا تهدف الى وقف العنف والإرهاب وحسب، بل الى إطلاق العملية السياسية أيضا· وهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن لشارون رجل الدولة أن يتغلب على شارون الجنرال· وهو السبيل الوحيد لشارون السياسي الذي من خلاله يظهر لشعبه أنه قادر على الدخول في عملية تحمل بعض الأمل بأن تجلب ليس الأمن فقط، بل أيضا السلام الذي وعدهم به·
* (كبير الباحثين في معهد بروكنغز والسفير السابق للولايات المتحدة في إسرائيل)