رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 23-29 محرم 1423هـ الموافق 6-12 ابريل 2002
العدد 1521

في سبيل ثقافة كونية

التكريس ( 3-4 )

أحمد الخليفة

ندخل الآن في مرحلة متقدمة من مشاعية هادي العلوي، وقد اخترت أن أسميها بـ “التكريس” معتبرا إياها المقوم للمثقف الكوني المنشود، ذلك أنها تحوي في طياتها ما يكرس الإنسان ليبلغ مرتبة المثقف الكوني·· إن أسمى ما يقصده هادي العلوي في سفر المدارات هو إيقاظ الوجدان الشيوعي عند أبناء الشرق وقد كرس صفحاته لذلك القصد، إن لمثل هذه المرحلة من الأهمية في التكريس أن تساعد الأجيال الجديدة “في الخروج من حجاب العقيدة ولزعزعة المألوفات التي تعلموها من الثقافة المترجمة” وهنا نستشعر حمل العلوي على الغرب “والغرباويين” وما يقحمونه في الشرق من “وجد مفسد” - وهذا الاصطلاح قد اخترته كأيسر مقابلة لما يقصده العلوي رغم التماسات المفاهيم - ذلك أنه كما تقادم معنا بأن ديدن العلوي إذكاء الوجدان لا معالجة الفكر، فهو يقول “لكي يكون الإنسان شيوعيا جيدا يجب أن يكون له قلب شيوعي لا مجرد فكر شيوعي” وبعد ذلك يقرر أن “الشيوعية لا صلة لها بالفكر بل هي ليست من الثقافة في شيء بل إن أسوأ غرارات الشيوعيين هم المثقفون” وما خرجت به من بحث في مدارات العلوي أن الشيوعية التي يصبو إليها ليست شيوعية ماركسية، لينينية أو ماوية أو أي ضرب من الألوية الحمراء إنما هي مزاج من المبادئ الشيوعية الإنسانية والتراث المشاعي في الشرق واللقاحية العربية التي ترفض الخضوع والاستغلال·· تفنى في اللامتناهي كتجربة المتصوفين الأوائل·· تعيش تراثها بلا تنكر وفق رؤية ليست كالتي يغرر بها أدعياء التقدمية بأن كل ما هو تراثي فهو رجعي لا حركي ومدعاة للتخلف لأن مثل هذه الدعاوى جاءت للعرب في ظروف كانت ردة الفعل فيها عنيفة تجاه الاستعمار وما يدور في فلكه من حياة، فكان أن أخذ كل ما في تلك الحياة بالتهمة بقصد استبدال الناس بغير الناس·· وهذا المأزق الذي تورطنا فيه وأشكل علينا النظر·· ويبدو لي من بحث مقاصد العلوي أن هجمته تلك على الثقافة والفكر لا تنم عن نظرة قاصرة قد تظن فيه·· وإنما المتمعن يجد رؤية أرحب للثقافة والفكر فلم يتنكر لهما العلوي بل قصد في هجمته دعاة المركزية الفكرية والثقافية وبمعنى آخر أصحاب الثقافة الإقصائية·· وما يجر إليه ذلك من تركيب المزدوج ليصبح الوعي·· ذلك الذي ينظر إليه بازدراء عند الشعوب الفقيرة والتي اصطلح منظرو السياسة على تسميتها بالعالم الثالث·· والذي يساق بدوره من قبل التغريبيين الى نمذجة غربية ممسوخة·· مع ما يصاحب ذلك من تهكم على وعي تلك الشعوب بوصمه بالجهل والأمية، ويبقى رأي العلوي بإعادة هؤلاء الفقراء الى وعيهم ولو أنهم في الحقيقة لم يفقدوا ذلك الوعي وإنما فقدته الفئة القليلة التي تقرأ الحقائق المترجمة وتسمي ما تقرؤه علما وتنفصل عن علم الناس وتسميه جهلا في مصادرة على الأمية· والجهل عند العلوي قد يوجد لدى الأمي ولدى العالم سواء وليست الأمية رديفا للجهل بل قد يكون الجهل رديفا للعلم، وأود هنا أن أجري شيئا من المعالجة لما يبدو تطرفا عند العلوي لأقول بأن المراد هو وفق بنية سمت المقاصد، اغترار العلماء بعلمهم وضنهم على غيرهم بالحقيقة· من يستعرض استهلال المدارات للعلوي يلف سبل تكريس المثقف الكوني·· ذوو الوجدان الشيوعي من الثقافة والمعرفة “غير المدنسة·· تلك الثقافة المروحنة الخارجة عن صلابة العقيدة والمتمردة على مطالب الطبيعة” والسبيل الى هذا التكريس يراه العلوي في مصادر ثقافية واسعة ومتنوعة·· في الحكمة الصينية والتصوف الإسلامي وعند أفذاذ الحكماء الغربيين على قلتهم·· ويتوافر في تلك الثقافات حكماء وأئمة عد العلوي الحاجة إليهم حاجة القدوة والنبوة دون إشكال حال اختلاف المكرس مع عقائد هؤلاء الأنبياء، والمنهاج لهذا السبيل الشروع في قراءة التاو والتصوف والحكمة والعلوم الطبيعية وفق التحمل الاستيعابي حيث يكون المكرس بذلك قد استوفى ما يقوّم ثقافته ومعرفته ليبلغ مقام المثقف الكوني وما يتحصل من ذلك لتلافي أضرار الثقافة والمعرفة بما يعادلها من الوعي الاجتماعي والوجدان الشيوعي - العامي، غير عابئ - كما سبقت إشارتنا - الى اختلافه في بعض آرائه ومعتقداته مع هؤلاء الأنبياء لأن المعول هو الموقف لا العقيدة· ضمّن العلوي وأصداقه كما بدا·· قائمة منتقاة لأنبياء المشاعية، وفق معايير جلية للمتبصر فيها·· وعليها سأختار نبي آخر مطاف سبيلنا للثقافة الكونية·· وليسمح لي أصدقاء الراحل هادي العلوي بهذه الخطوة·· كما أعتذر لقارئي العزيز عن الاقتضاب حينا والإسهاب حينا آخر في المقالات، إذ أعترف بالتقصير في أوجه أتبين بعضها وقد يجد القارئ ما هو أبعد غورا·· وكما تقول الحكمة العربية “من اعترف بالتقصير خلا من التأنيب”، مع إشفاقي عليه إشفاقي على نفسي من الاضطراب والقلق في البحث والسعي لظاهرة المثقف الكوني·· وتفاعل هذا السعي مع أدبيات الراحل هادي العلوي·

طباعة  

بعد مشوار فني طويل تُوّج بجائزة الدولة التقديرية
باقر: هذا الزمن ليس زمني بل زمن المادة والإيقاع السريع وأنا لا انتمي إليه

 
محاضرة “الظواهر اللغوية المعاصرة” في الرابطة
د· السبعان: الشيوع والاطراد أكسبا بعض الاستعمالات اللغوية الخطأ صفة القاعدة المتبعة

 
نشوة
 
وتد
 
خبر ثقافي