أبواب··
نشمي مهنا
يحب المرء أحيانا أن يمشي مخفوراً بالأسئلة، لا يبحث عن إجابات، كأنما يكتفي بمحاصرتها له، أويتمتع باستعصائها، وغموضها، ودورانها حول رأسه، أو قد يرى في الصمت الذي يلي علامات الاستفهام·· خير إجابة·
لو تدربنا قليلاً على هذا النوع من “التوهان” اللذيذ، وتلك الحيرة المبدعة، قد نصل للحقيقة عن طريق “الإجابة الخطأ”· فمتعة الدخول في أبواب الاحتمالات الخطأ قد تقودنا إلى الباب النوراني الباقي منها، والوحيد··
“الوحيد”!·· من قال إنه الوحيد؟
بالطبع سيكون هو “الصحيح” المؤدي إلى·· لكنه قد لا يكون الوحيد، فللبيت الذي نقصده أكثر من باب، ثلاثة·· سبعة·· تسعة أو أكثر، بل إن دهاليز هذا البيت مفتوحة على بعضها، وأغلب الداخلين سيصلون، بعضهم بعد عناء له مذاقه، بعضهم بعد التزوّد بالدهشة، بعضهم بألم، بعضهم الأخير (وقد لا يكون الأخير!) بلا حصيلة، وما دمنا قد فتحنا فضاء الاحتمالات·· فقد يكون من بين هؤلاء الحاثين خطاهم من لا يصل·· أبداً!!
هي رحلة، أمرّ وأقسى ما فيها الوصول، أو ما نعتقد أنه وصول، لأنه سيخدّر شراييننا بالراحة، والدعة، والقناعة، والمسلمات·· ومن ثم الانطفاء·
فالرأس المعبأ بالإجابات النهائية والحاسمة، هو رأس ثقيل، يحقن كل ما يقع أسفله من أعضاء الجسد بمائه الآسن، ويغطيها بدفء القناعات·
سُئل أحد متسلقي أعلى القمم الجبلية، بعد أن أنهى مهمته الشاقة في الوصول: والآن·· ماذا هناك؟؟
قال: هذا ما تبقى لي، سوف أمضي إلى الـ “هناك”!!
لذة الاستشكاف والسعي للانبهار بمرأى الجديد يعصماننا من انطفاءات الوصول، وصمت الإجابات، وجثث القناعات، فللفكر عش مليء بالفراشات اللانهائية، وللأسئلة طنين محبّب·· فلنعتده!
nashmi@taleea.com