|
· غزة - أريحا أولاً·· ربط الضفة بالقطاع والمشرق بالمغرب وأبرز العمق التاريخي للوجود العربي في فلسطين
· اتفاقيات أوسلو كثفت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ونقلته إلى الداخل وحمت المنظمة نسبياً من ضغوط وتآمر الأنظمة العربية “المضيفة” لها
· الخطان المتوازيان المحيطان بالنجمة السداسية في العلم الإسرائيلي يرمزان إلى النيل والفرات··و ما بين النهرين أراض يهودية، شعار الصهيونية العالمية·· ومع ذلك يرفرف في أكثر من بلد عربي
· يخطئ الصهاينة إذا اعتقدوا أن العودة لمرحلة الصفر تحمي كيانهم· وإنما قد تمهد لتدميره فعالم اليوم غير الأمس·· والجماهير العربية أكثر وعياً وإصراراً على مواجهة الصهيونية مما كانت عليه
بقلم: دبي الحربي
أثار اتفاق “غزة - أريحا أولاً” واتفاقيات أوسلو الفلسطينية - الإسرائيلية الكثير من الجدل والخلاف الذي اختلط فيهما الجانب الديني والحقوق التاريخية بالجانب البرغماتي، إلا أن ذلك لم يمنع من أن يتوج ذلك الاتفاق باعتراف متبادل بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، نقل وثائقه وزير الخارجية النرويجي يوهان يورغن، بين تونس حيث كان مقر منظمة التحرير الفلسطينية وتل أبيب في 12 سبتمبر 1993، وقد نجحت الواقعية في السياسة الدولية، وسيادة الحلول الوسط بعد انهيار الكتلة الاشتراكية في وقف الصدام الفلسطيني - الإسرائيلي بشكله العنيف، وخلقت نوعاً من الهدنة، تراجعت معها احتمالات الصدام العربي الإسرائيلي المسلح طوال السنوات العشر الماضية·· خصوصاً بعد أن خرجت مصر من حسابات الحرب في اتفاقيات كامب ديفيد·· والشرخ الذي سببه الغزو العراقي للكويت وتبعاته في النظام العربي، وكانت تداعيات تلك الاتفاقات قد أدت إلى إلغاء شعار تحرير فلسطين “من البحر إلى النهر” من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية ومن مجمل الخطاب الرسمي العربي، بينما بقي شعار “أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات” هو الشعار الأبرز في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) كما يعبر عنه الخطان المتوازيان المحيطان بالنجمة السداسية في العلم الإسرائيلي، وكذلك لم تعلن “تل أبيب” تبرؤها من بروتوكولات “بني صهيون” أو تضع لها دستوراً بديلاً وتعلن عن حدود لها، في الوقت نفسه نجح الصهاينة بدعم من واشنطن ولندن وتراخ عربي ودولي في إلغاء قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية·· وكان اختيار الفلسطينيين لشعار “غزة - أريحا أولاً” لتسمية هذا الاتفاق خطوة ذكية لأنه يربط الضفة الغربية في قطاع غزة·· ومن ناحية أخرى يربط المشرق العربي بالمغرب العربي·· إضافة لما تمثله مدينة “أريحا” من عمق تاريخي·· يؤكد على عروبة فلسطين على مر التاريخ·· ويشكل بديلاً عملياً ومقبولاً لشعارهم التاريخي·
وعلى الرغم مما تقدم توقع المراقبون أن يصمد الاتفاق الذي حظي بتأييد عربي ودولي أمام ما يمكن أن يسببه المتطرفون من الجانبين من موجات عنف متبادل وقيل إن ذلك لن يهدد بشكل جدي مسيرة التسوية، وذلك على ضوء الملامح الأولية للنظام العالمي الجديد والتركيز على الوقائع لا الشعارات، والأساطير اللاهوتية·· على اعتبار أن الدور الوظيفي من إقامة الكيان الإسرائيلي في الأراضي العربية وفي قلب الأمة العربية قد تراجع نسبياً خصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وكتلته الأوروبية·· وإن إسرائيل أصبحت واقعاً لا مجال إلا القبول بوجودها واستيعابها في المنطقة في إطار الثقة المتبادلة·
وكان الفلسطينيون قد نجحوا في مفاوضاتهم السرية في العاصمة النرويجية “أوسلو” في لعب لعبتهم بشكل صحيح وبجدارة في ظل محدودية أوراقهم التفاوضية خصوصاً وأنها تمت بعيداً عن الضغوط الخارجية والصيحات والإثارة الإعلامية، وضجيج التحليلات السياسية· إذ حرص كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على إضفاء السرية التامة على مفاوضات أوسلو حتى أنجزت·· وكان الهدف الفلسطيني يتلخص في أن نقل منظمتهم إلى فلسطين المحتلة على الرغم من كل المخاطر أفضل من بقائهم تحت رحمة دول أخرى وإن كانت عربية تتآمر عليهم وتحد من تحركاتهم وتعمل على ضربهم كما حصل في الأردن عام 1970 وكذلك في لبنان طوال فترة الحرب الأهلية·· إلخ·
ويعتبر اتفاق أوسلو (غزة - أريحا أولاً) محصلة للأوضاع القائمة على الأرض فعلياً، وبموجبه سيتمكن الفلسطينيون من تشكيل سلطتهم الانتقالية (سلطة حكم ذاتي معترف بها إسرائيلياً ودولياً) لمدة خمس سنوات على أن تودي بعد ذلك إلى تسوية نهائية مبنية على قراري مجلس الأمن رقمي 242، 338·
وكانت اتفاقات أوسلو قد نبعت أساساً من إدراك كل من الإسرائيليين والفلسطينيين الذين أنهكهم التصادم المستمر منذ أكثر من 50 عاماً بأن المشروعين الإسرائيلي والفلسطيني بصيغتهما السابقة قد فقد كل منهما جزءاً كبيراً من معطيات بقائه واحتمالات تحققه انتهاء الحرب الباردة وتراجع الأيديولوجيات كمحرك للأحداث وظهور نوع من الواقعية في السياسة الدولية تغلب الحلول الوسط وتعطي هامشاً معقولاً للشرعية الدولية والوقائع على الأرض·
هواجس وتناقضات
إلا أن حقيقة الأمر تشير إلى أن التقاطع البرغماتي بين المشروعين الفلسطيني والإسرائيلي ومنطق التعايش الذي ساد بين الفلسطينيين والإسرائيليين طوال السنوات العشر الماضية كان يخفي وراءه جملة من التناقضات، حيث يرى أنصار الاتفاق بين الفلسطينيين والعرب أن الزمن يعمل لصالحهم وأن في إمكانهم إقناع المعارضين لاتفاقات أوسلو وما تلاها أن في مقدورهم لاحقاً انتزاع كامل حقوقهم في فلسطين، لأن إسرائيل ما هي إلا جزء من مخلفات الحقبة الاستعمارية والحرب الباردة التي سيجري تفكيكها·
وعلى الرغم من إدراك دعاة السلام الإسرائيليين أو معظمهم لهذه النظرة العربية إلا أنه سئموا من استغلالهم من قبل الغرب الاستعماري والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، ورأوا في اتفاقات أوسلو الخطوة المضمونة لبقاء إسرائيل، إذ إن هذا البقاء يعتمد على انسجامها مع محيطها وأن انتزاع عدد من الالتزامات والاتفاقات الدولية مقابل بعض التنازلات عن ما في حوزتها من أراض فلسطينية وعربية أمر مهم لضمان بقاء إسرائيل إذ إن التخلي عن مثل هذه الالتزامات والاتفاقات في عصرنا الحالي بات أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً· فيما رآه المتطرفون من الصهاينة فرصة للتسلل الاقتصادي الى الوطن العربي دون أن يعطوا شيئا في الواقع·
وإذا كان من فائدة لاتفاقات أوسلو الآن فإنها أكدت عالمياً على أن القضية الفلسطينية هي قضية شعب محتلة أرضه وليست نزاعاً عربياً - إسرائيلياً بعموميته وأبرزتها كهوية شعب إلى القائمة الأولى للأخبار في وسائل الإعلام الغربية التي كانت تتجاهل ذلك في السابق·
وكان الفلسطينيون قد ركبوا قطار تسوية النزاع العربي الإسرائيلي الذي انطلق من مدريد (مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط) في أكتوبر عام 1991 من دون “هوية فلسطينية” ولا شرعية مستقلة لأنه الوحيد الذي كان ينتظرهم في المحطة وركبوا تحت مظلة المسار الأردني بعد أن لحس العرب اعترافاتهم بأي هوية مستقلة للفلسطينيين استجابة للمطالب الأمريكية والإسرائيلية كما لحسوا اعترافهم أيضاً بالدولة الفلسطينية التي أعلنها الفلسطينيون في الجزائر عام 1988·
أوسلو والسوق الشرق أوسطية
ومن هنا نرى أن الفلسطينيين برغم ما يتعرضون له اليوم من هجمة شرسة نجحوا في فرض أنفسهم ودولتهم على أي حلول مستقبلية·· وتجاوزوا قطار مدريد·
وإذا كانت التوقعات السابقة قد رجحت أن اتفاقات أوسلو ومسيرة السلام الإسرائيلي الفلسطيني ستصمد أمام ما يمكن أن يسببه المتطرفون من الجانبين العربي والإسرائيلي من موجات عنف متبادل، وأن ذلك لن يهدد بشكل جدي مسيرة التسوية·· إلا أن “الراعي” الأمريكي بدل أن يدعم هذه المسيرة بشكل جدي، كان يتحين الفرصة للانقلاب عليها، فواشنطن كانت تخفي وجهها القبيح وراء التطرف الإسرائيلي وهي من تحركه كلما كانت له مصلحة بذلك·
وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تظهر لدعاة السلام من العرب والإسرائيليين عكس ما تبطن وما تفعله وراء الكواليس، فالولايات المتحدة الأمريكية كانت تريد من السلام في الشرق الأوسط فرض هيمنتها الاقتصادية على المنطقة، من خلال الدور والذراع الإسرائيلي في ما أسمته “السوق الشرق أوسطية” وأن تكون إسرائيل حليفها الاستراتيجي مركز هذه السوق الشرق أوسطية، لضمان مصالحها الاستراتيجية أولاً وثانياً التخلص من عبء التمويل الإسرائيلي ورمي عبء ذلك على العرب والأوروبيين وإلا فلا سلام في المنطقة·· وهكذا عندما فشلت في فرض رؤيتها على العرب والأوروبيين، لجأت واشنطن إلى إبطاء عملية التسوية، إذ إن الرؤيا العربية الأوروبية لمشروع السوق الشرق أوسطية ترى أن إسرائيل يجب أن تكون شريكاً لا قائداً لهذه السوق أو وكيلاً مفوضاً لخدمة المصالح الأمريكية قبل كل شيء، وهكذا لم تكتف واشنطن بتجميد مساهمتها للدفع في اتجاه تسريع مساعي التسوية الشاملة للنزاع العربي الإسرائيلي بل وضعت أمامها العراقيل تمهيداً لإعادة توظيف وتأهيل إسرائيل مجدداً للعب دورها المرسوم لها منذ إنشائها كقاعدة عسكرية وذلك لخدمة مصالح واشنطن الاستراتيجية الجديدة بعيداً عن أوروبا الغربية، بل ولمواجهة التحدي الأوروبي الجديد متمثلاً في الوحدة الأوروبية، وتجلى ذلك في الهجمة الإسرائيلية على لبنان وتدمير بنيته الأساسية عندما ظهر كبديل أوروبي لإسرائيل في السوق الشرق أوسطية وذلك فيما سمي “بعناقيد الغضب” وزاد من أهمية إعادة جدولة الدور الوظيفي لإسرائيل ما أعقب أحداث 11 سبتمبر 2001، من تداعيات حيث استغلته واشنطن لترسيخ أقدامها في أفغانستان التي كانت تستخدم الأصولية فيها كاحتياطي استراتيجي لها في المنطقة· وعلى الرغم من التواجد الأمريكي المباشر في أفغانستان الآن إلا أن أفغانستان لا يمكن لها أن تقدم الخدمات المثلى للمصالح الأمريكية دون إضعاف المنطقة وإشغالها في دوامة الصراعات ومنها بالطبع المنطقة العربية التي أدخلت مجدداً إلى دوامة الصراع مع الكيان الإسرائيلي وبالتالي إحكام ربط الأنظمة العربية مجدداً في العجلة الأمريكية والكيان الإسرائيلي·· وإعادة جدولة الاستعمار الجديد التي كانت إسرائيل وغيرها من القواعد الأمريكية نقاط الارتكاز لذلك الاستعمار المتجدد·· ولوعدنا بذاكرتنا التاريخية لتأكد لنا أن المشروع الصهيوني ما هو إلا فكرة وصناعة من قبل الدول الاستعمارية الرئيسية في القرنين الماضيين أي بريطانيا وفرنسا، وإن أوكلت المهمة لأشخاص من الطائفة اليهودية تحت الرعاية البريطانية المباشرة والإسناد الفرنسي·· ثم الرعاية الأمريكية المباشرة للمشروع الصهيوني وتجييره لخدمة أهدافها في المنطقة والعالم·
المشروع الصهيوني والإبقاء على الحالة الاستعمارية
وترجع جذور المشروع الصهيوني الذي نما وترعرع في كنف الرعاية الاستعمارية البريطانية إلى القرن الـ 18 عندما وضعت الحركة الصهيونية مخططاً للاستيلاء على فلسطين سار على نطاقين، فكري وتنظيمي، تمثل الأول في تقوية الشعور القومي لدى اليهود والترويج لمقولة مغلوطة تزعم أنهم شعب واحد وأما الثاني فقام على ربط يهود العالم ببعضهم بوساطة مؤسسات محلية ودولية وتنظيم هجرتهم إلى فلسطين - أرض الميعاد - على حد ادعاءاتهم وهكذا أنشأ قادة الحركة الصهيونية - المؤسسة العبرية اللندنية لاستعمار الأراضي المقدسة - والتحالف الإسرائيلي العالمي في عام 1861 إضافة إلى مؤسسات صهيونية مشابهة في الكثير من الدول الأوروبية في عام 1897 انعقد في مدينة بال السويسرية المؤتمر الصهيوني الأول وحدد غايته بخلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين - بتوصيات من المؤتمر ظهر المصرف اليهودي للمستعمرات ولجنة الاستيطان في عام 1898 والصندوق القومي في عام 1901، لتمويل وتنفيذ خطة التسلل إلى فلسطين والاستيلاء عليها التي ابتدأها التحالف الإسرائيلي العالمي بإنشاء مدرسة - إسرائيل الزراعية قرب يافا عام 1870 لاستقبال اليهود المهاجرين وتدريبهم على الأعمال الزراعية وتوطينهم على نطاق واسع بعد ذلك·
الاستيطان من 56 ألف يهودي إلى ملايين
وتشير الإحصاءات التاريخية الموثقة أنه لم يكن في فلسطين عام 1918 سوى 56 ألف يهودي من إجمالي عدد سكانها البالغ أكثر من 750 ألف نسمة ازدادوا إلى 174.6 ألف يهودي عام 1922 ولم يكن في حوزتهم من الأراضي سوى 594 كيلو متراً مربعاً ثم تضاعف عدد المهاجرين اليهود بشكل كبير وبمساعدة من سلطات الانتداب البريطاني·· واستغلت بريطانيا الظاهرة النازية لدفع اليهود للهجرة إلى فلسطين·
ورغم خرافة وعدم واقعية المشروع الصهيوني والسند التاريخي للحق اليهودي في فلسطين، إذ إن فلسطين بقيت منذ فجر التاريخ جزءاً من النسيج العربي والإسلامي للمنطقة· إلا أن فرنسا وبريطانيا أمعنتا في تسويق المشروع الصهيوني والترتيب لإنجازه، بهدف السيطرة على النهوض القومي العربي الذي برز من خلال حالة التململ العربي ضد هيمنة الأتراك·
وقد نجح البريطانيون والفرنسيون في تجيير حالة التململ العربي ضد الأتراك لصالحهم من خلال وقوف العرب بجانبهم في الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن هزيمة الدولة العثمانية عام 1917 في الوقت نفسه الذي خططوا فيه سراً لتقاسم التركة العثمانية من خلال اتفاقات سايكس بيكو في 16 مايو 1916 ووعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 بتمكين اليهود من إقامة دولتهم في فلسطين التي كانت ضمن الحصة البريطانية هي والأردن والعراق، بينما كانت سورية ولبنان ضمن الحصة الفرنسية طبقاً لاتفاقية سايكس بيكو نسبة إلى وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا في ذلك الحين·
كما نجحت بريطانيا من جهة أخرى في تفتيت منطقة الجزيرة والخليج العربي إلى دويلات وبذلك قضتا على مشروع الشريف حسين وطموحات الملك عبدالعزيز آل سعود في إقامة دولة عربية كبرى ودعمت الأخير ضد مشروع الدولة الهاشمية في الحجاز وفي الوقت نفسه وقفت لندن حائلاً بينه وبين ضم الإمارات “المحميات البريطانية” على ضفاف الخليج إلى دولته الجديدة (اتفاقية دارين عام 1917) وكذلك منعته من التمدد إلى اليمن··· وبالتالي نجحت بريطانيا في إخضاع المشروع التوحيدي “السعودي” في الجزيرة العربية وجعلته في إطار خارطة ودائرة مصالحها والمصالح الغربية عموماً·· وحل وعد بلفور عام 1917 محل وعد مكماهون في ما عرف بمباحثات الحسين - مكماهون فالغرب كان يكره وجود دولة قوية جغرافياً وسكانياً واقتصادياً في المشرق العربي ممكن أن تشكل تهديداً خطيراً لمصالحه·· كما هي الحال في المغرب العربي حيث الاستعمارين الفرنسي والإيطالي وهكذا قُسم العالم العربي إلى دويلات وأنظمة متناحرة، تعتمد على الأجنبي في بقائها·· دون أن تطور آلية عمل مشتركة لخدمة مصالحها مجتمعة·· كما كانت الحال في أوروبا حيث ساهمت المؤسسات الديمقراطية في الحفاظ على مصالحها الخاصة أمام جبروت العملاقين الأمريكي والسوفييتي·· بينما بقيت الأقطار العربية خاضعة لأمزجة ومصالح الأنظمة الحاكمة وحساباتها الداخلية·
وشهد العامان 1947 و1948 نجاحاً كبيراً في مخطط الحركة الصهيونية لإنشاء الوطن القومي لليهود، فقد صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين في 29 نوفمبر عام 1947 وأعطى لليهود أكثر من 56 في المئة من الأراضي مقابل 43 في المئة للفلسطينيين، 15 في المئة منها تم وضعها تحت الإدارة الدولية وفي 15 مايو عام 1948 أعلن اليهود إقامة دولتهم فوق أكثر من 76 في المئة من إجمالي مساحة فلسطين بعد هزيمة العرب في أول مواجهة جماعية بين العرب واليهود وكان العرب في حرب 1948 تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة من قبل بريطانيا وفرنسا بما في ذلك فلسطين بل إن من السخرية أن يكون قائد الجيش العربي في الجبهة الشرقية ضابط المخابرات البريطاني الشهير جون غلوب باشا، فكانت الهزيمة أمراً حتمياً ومخططاً له، ثم أحكم الصهاينة سيطرتهم فوق كامل التراب الوطني الفلسطيني وأراض عربية أخرى بعد حرب الخامس من يونيو عام 1967م·· حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت على خط المعركة كراع مباشر للمشروع الصهيوني وحمايته·· ضد ما شكلته الثورة المصرية بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر من تحد للنفوذ الغربي في العالم العربي·
وخلال الفترة بين بدء الهجرات اليهودية إلى فلسطين وإعلان قيام الدولة ظهرت عشرات المنظمات والتنظيمات السرية والعلنية، المدنية منها والعسكرية التي عملت بشكل جماعي أو منفرد على تنفيذ الهدف الذي ورد في بيان المؤتمر الصهيوني الأول في عام 1897م، وعندما تحقق غرض تلك المنظمات والتنظيمات في عام 1948م أنهت وجودها لصالح كيان الدولة، فانضمت التشكيلات العسكرية لجيش الدفاع الإسرائيلي وتحولت التنظيمات المدنية إلى أحزاب أو نقابات أو غير ذلك من المؤسسات المدنية·
وهكذا أصبح المشروع الصهيوني أمرا واقعا خلال عقود قليلة ونجح الاستعماريون الذين كانوا يتوقعون خروجهم الحتمي من مستعمراتهم في وضع قاعدة دائمة لهم في الخارطة العربية أي خلق ورم سرطاني في الجسد العربي لا يمكن شفاؤه ينهك العرب ويجعلهم رهينة للغرب ومن ثم ربط بقاء الأنظمة “الحليفة لهم” والكيانات والدول القطرية العربية التي صنعوها في الخارطة السياسية العربية ببقاء إسرائيل، وهكذا تم لهم ما يريدون ببناء قاعدة بمسمى دولة أسموها إسرائيل لا يمكنها الاستغناء هي ومستوطنيها عن الدعم الأوروبي الغربي والأمريكي· وإن دخلت في حرب أو صدام مع جيرانها فقتلاها من المستوطنين ليسوا محسوبين على أي من الدول الغربية بل على أنفسهم أو الكيان الذي جلبوا لخدمة الغرض من وجوده، خصوصا وأن جلهم من أوروبا الشرقية واليهود العرب، ولو كان الأمر غير ذلك لانهارت القاعدة واندثرت مثل غيرها من القواعد الأخرى التي يعمل بها مواطنون من الدول الاستعمارية أمام ضربات القوى الوطنية·· وفي الوقت نفسه تم توظيف واستغلال الكيان الصهيوني لضرب الأقطار والأنظمة والجماعات السياسية العربية التي تتمرد على التبعية للإمبريالية الغربية·· هذه كانت الرؤية الاستراتيجية للمشروع الصهيوني وقد لقيت هوى لدى الرأسمالية اليهودية والكبيرة فجندوا أموالهم لدعم المشروع لخدمة أغراضهم ودولهم الأم، واستقدموا لهذا الكيان فقراء اليهود وغيرهم من البؤساء وجندوهم للهجرة الى ما زعموا أنه أرض الميعاد، بينما هم جنود للإمبريالية العالمية· وتبنتهم واشنطن لدرجة أن جميع وزراء خارجيتها وضعوا الدعوة الى هجرة اليهود من الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الشرقية الى الكيان الإسرائيلي المصطنع على رأس أولوياتهم في كل زيارة لموسكو وحلفائها في أوروبا الشرقية·· وحجة للابتزاز السياسي·
المشروع الفلسطيني
وبالنسبة إلى المشروع الفلسطيني وبعيدا عن الانتفاضات الشعبية الفلسطينية والحركات المسلحة التي قاتلت الحركة الصهيونية قبل مايو عام 1948 لمحاصرة خطرها والقضاء عليه فإن تاريخ الانطلاقة الحقيقية للمشروع الفلسطيني يرجع الى عام 1964 عندما تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من المؤتمر الفلسطيني الأول المنعقد في القدس بين 28 مايو و2 يونيو من تلك السنة·
واستهدف إنشاء المنظمة التي كان قد أوصى بها مؤتمر القمة العربي في يناير 1964، أن تكون الكيان الذي يعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني ويسعى لتحقيق أهدافه المتمثلة في تقرير مصيره وتحرير وطنه·
وأنشأت المنظمة دوائر ومكاتب وأجهزة سياسية وإعلامية ومالية وعسكرية، تشبه الى حد كبير تلك المؤسسات التي أنشأتها الحركة الصهيونية، وذلك لترجمة الأهداف الفلسطينية على أرض الواقع·· حيث بدأ صراع المشروعين الصهيوني الذي حمل شعار أرضك يا إسرائيل من “النيل الى الفرات” والمشروع الفلسطيني وهدفه تحرير فلسطين من “النهر الى البحر”·
غير أن مسار المشروع الفلسطيني سار في اتجاه مناقض لمسار المشروع الصهيوني وشهد على مدار السنوات الثلاثين “1964 و1993” تراجعا على المستويين النظري والتطبيقي بالرغم من التأييد القومي والعالمي الذي حظيت به القضية الفلسطينية وبلغ ذروته في الاعتراف الدولي بالمنظمة وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، القرار 2963 لعام 1972 والقرار 3070 في 1973 والقرار 3236 في 1974، ثم دعوة منظمة التحرير للاشتراك في أعمال الجمعية العامة بصفة مراقب، وقرار 3237 لعام 1974، ووقوف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات مخاطبا العالم كله من فوق منبر الأمم المتحدة·
ولا يعزى تراجع الأطروحات الفلسطينية الى ضعف القوى المؤيدة للحقوق الفلسطينية المشروعة وهشاشة مواقفها مقارنة بالقوى الداعمة للمشروع الصهيوني فحسب، بل لأن الكثير من الأقطار العربية بدل أن تدعمها أرادت احتواءها وعملت في أحيان كثيرة على ضربها وتقليم أظافرها·· إضافة الى ذلك يرجع تراجع المشروع الفلسطيني الى الصراع بين القوى التحررية العربية والى الصراع داخل منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تنجح في توحيد جهود الفلسطينيين في سبيل تحقيق هدفهم المعلن كما فعل المؤتمر اليهودي العالمي·
وكنتيجة طبيعية لعمليات الانقسام المستمر داخل قوى الثورة الفلسطينية وانصرافها الى تصفية الحسابات فيما بينها وانشغالها بشعارات بعيدة عن شعارها الرئيسي·· تراجع العمل الفدائي الذي كان قد بلغ ذروته بمعركة الكرامة في مارس عام 1968، وأصبحت العمليات الفدائية عملة نادرة ولا تتم إلا على مسافات زمنية متباعدة·· ومعظمها خارج فلسطين المحتلة·
إعادة خلط الأوراق
وإذا كانت اتفاقات أوسلو أو “غزة - أريحا أولا” وما تلاها من اتفاقات قد ساهمت في عودة القضية الفلسطينية كهوية شعب إلى القائمة الأولى في الأخبار·· فإن انتفاضتهم الأخيرة أثارت فلسطين مرة أخرى كقضية عربية بكل تداعياتها التاريخية والوجدانية أعادتها الى الضمير العربي والعالمي·
إن واشنطن وحكومة أرييل شارون قد وجدوا للكيان الصهيوني أدوارا جديدة في حرب واشنطن ضد ما يسمى بالإرهاب وتغلغلها في آسيا الوسطى وكذلك في حربها الاقتصادية ضد الاتحاد الأوروبي الوليد والطموحات العربية في إقامة سوق عربية مشتركة، مما أعاد الأمور الى مرحلة الصفر·· إلا أن الإسناد العربي والدولي بدا أكثر جدية مما سبق وإن كان يهدف الى تقاسم الحلم اليهودي والحلم العربي وقسمة فلسطين، وإن كانت قسمة غير عادلة بين المشروعين الإسرائيلي والفلسطيني الأمر الذي قد يسهم في إحباط الأفكار الأمريكية الإسرائيلية الجديدة· والعرب الآن مطالبون أكثر من أي وقت مضى برص صفوفهم واستخدام نفوذهم وعلاقاتهم الدولية لإحباط المخططات الهادفة لإعادة الأمور الى حالة الصفر، كما ظهرت على لسان الإرهابي أرييل شارون وعكستها سياسته والغطاء الأمريكي لهذه السياسة ولهذه الممارسات والتصريحات، وسيساهم دعاة السلام من اليهود في رفض مشروع “شارون - باول” ودعاة السلام في إسرائيل من أحفاد المغرر بهم وبعد أن انسلخوا عن مواطنهم الأصلية يدركون أن إعادة الأمور الى مرحلة الصفر·· ستقضي على أحلامهم في الاستقرار وقد تمهد لإزالة وتدمير كيانهم المصطنع فعالم اليوم غير الأمس والجماهير العربية اليوم أكثر وعيا واستعدادا لتحرير كامل التراب الفلسطيني·· فالسلام وحده من يضمن بقاء وسلامة الأجيال الجديدة من المستوطنين· |