غطرسة الجغرافيا
نشمي مهنا
الريح القادمة من الشمال تأتي دوما قارصة، وقاسية في لسعات عقاربها، تجلب معها الوحشة·· وكثيرا من كآبة الوحدة·
والشمال بعموميته هو الجزء المتكبر، والمتسلط في جزئنا الأعلى، على جزئنا الأسفل، فهذه “الآلة” الصغيرة التي تقبع شمالنا، وتحملها أجسادنا، هي المتحكمة في حركات الجسد، وسكناته، والآمرة والناهية، بل والمحرضة لأي عضو بالحركة، دون إرادة منه·· وإلا لعاقبنا أصابع الجناة منا·· بقطعها فقط!
والشمال في نصف كرتنا الأرضية هو جزؤنا الأغنى، والأكثر ثراء من بؤسائنا في الجنوب، وحده يمتلك المال، والقوة، ووسائل الحضارة، ولنا أساطيرها، وعلبها الفارغة التي تركلها الريح الشمالية في شوارع الكون الخلفية·
والشمال عواصم ناصعة البياض صباحا، متلألئات الأعين مساء، محاطة بالأسوار الدافئة، وأذرع الخضرة الملتفة حول أعناقها، وللجنوب “الغيطان”، وملاريا المستنقعات المتلهفة لأكباد الأولاد “الجنوبيين”، ولها الإهمال، والاحتساب الفائض عن الحد لجغرافية الوطن·
لم يكتف هذا الشمال المدلل، فجاء يحسد ذاك الجنوب على نقاوة هوائه، وطبيعية أشيائه·· ويقال إن أهله قد وقعوا مشروعا، تعار بموجبه “النقاوة” و”السكون” و”طيبة بنيه” لتعلق على الجداريات الإسمنتية الشاهقة في عنق العاصمة المكتظة بالفراغ!
الشمال هو الغطرسة، والبرد، والغنى، والمحاباة التي تتكئ على عصا القوة والجبروت··
ماذا لو تنازل شمال هذه المقالة (في الصفحة) وقبّل رأس جنوبه أو جرب أن يحل محله··
أي أن يأخذ “العنوان” مكان السطر الأخير·· فقد يجد في دوره هذا أهمية أخرى، إذ إن “النقطة” هي من يُنهي الحديث، ويعلن الخواتيم·
nashmi@taleeacom