رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 22-28 صفر 1423هـ الموافق 4-10 مايو 2002
العدد 1525

ساما عويضة تنقل لـ “الطليعة” مشاهد حية من جنين في الرحلة الأولى لها إلى المخيم بعد الكارثة (2)

·        ما يحدث في جنين أبشع مما حدث في مجازر صبرا وشاتيلا

·        رائحة الموت تملأ المخيم·· ومخاوف من انتشار الأوبئة والأمراض

 يعيش الشعب الفلسطيني هذه الأيام وضعاً مأساوياً· فما يحدث في مخيم جنين هو بحق مأساة إنسانية فلا ماء ولا غذاء ولا كهرباء ولا هواتف ولا اتصال، فقط بيوت مهدمة وعمال يحاولون إصلاح ما هدمته همجية الإسرائيليين·

في هذه الرحلة تأخذنا ساما عويضة، وهي من مركز الدراسات النسوية في القدس· إلى المخيم لنتعرف عن قرب عن الوضع الذي يعيشه أهل المدينة·

داخل المخيم

ما إن دخلنا المخيم حتى بدأنا نتنفس رائحة الموت تلك الرائحة التي طالما كتبت عنها جدلا، والآن تملأ رئتي فعلا···أنظر أمامي فأرى أكواما من الإسمنت والحديد، تتدلى من بينها بقايا ملابس وبضع قطع أثاث بصعوبة تميزها، أتساءل "لمن كانت تلك الملابس، وأين أصحابها اليوم؟" وعندها لا أقوى على منع دموعي من الانهمار···يقترب "سامي" مني ويقول لي كان لا بد وأن يتم تزويدنا بالكمامات، وبعض المواد المعقمة، لقد بدأت الأمراض بالانتشار، وفرق الإنقاذ لم يتم إعطاؤها أي تطعيم···هناك حتى الآن ثلاث حالات جرب، وقد تنتشر الأوبئة سريعا، فلذلك علينا أن نستعد وبسرعة·

ألتفت شمالا، لأجد بيتا قد وقع نصفه، بينما مازال نصفه الآخر موجود، وبعض اللوحات ما زلت تزيّن النصف الموجود، وألمح من بين الأنقاض امرأة تقف متسمّرة دون حراك، حتى أنك لا تكاد تميز أنها على قيد الحياة لولا أنها تقف على أرجلها···يلتفت سامي نحوي ويقول···لم تري شيئا بعد، فلندخل إلى داخل المخيم·

نتجاوز مياه المجاري التي تملأ الأرض ونسير في الوحل، لنرى بأن ذاك البيت الذي رأيته ما هو إلا البداية كما قال سامي···وفجأة نرى عشرات الناس تتجمهر فوق تلة من الأنقاض، وصوت صياح···لقد انتشلوا للتو جثة طفل من بين الأنقاض···

نسير أكثر، ولم نعد نرى بيوتا في حارة الحواشين، بل أكواما من الركام···تنظر باتجاهنا امرأة من المخيم وتعلّق "لقد أصبح المخيم متنزها للسواح"···ألتفت نحوها وأقول لها "الحمد لله على السلامة"، فترد: وسلامتك يا أختي، أنا والله لم أقصد سوى أن الكلاب أحالونا إلى "فرجة"، أقدّر مجيئكم ولكن ماذا لو كنت مكاني؟!··لقد مكث الجنود في بيتنا خمسة أيام بلياليها، أصابوا زوج أختي وأخي بجراح، وفقدنا ابن أختي ولا نعرف الآن أين هو، لقد أرغمونا على نزع ملابسنا كما أرغموا رجالنا على ذلك، لقد كانوا يتلذذون في إهانتنا··قولي للأجانب كل ذلك، ترجمي لهم ما أقول·

وابدأ بالترجمة، ويلتف من حولنا الأطفال والشباب يطلبون مني أن أترجم كلماتهم، بينما تحاول "نادرة" أن تحاور الأطفال وتهدئهم···

- ثائر (13 سنة) لقد شاهدنا الجثث تملأ شوارع المخيم، تركنا بيتنا وهربنا إلى الحارة الشرقية إلى بيت جدي·

- أطفال ": بهستيريا"، نعم لقد شاهدنا الجثث، شاهدنا الجثث، عددها كبير، بعضهم نعرفه، وليد زميلي في المدرسة كان من بينهم، لقد رأيته بأم عيني ملقى على الأرض···وبالأمس فقط انفجر لغم "بأسد"، وأسد هو اسم طفل في العاشرة من عمره···

- أطفال آخرون: لم يكن "أسد" لوحده بل أيضا كان معه طفلان، لقد تطايرت أطرافهم···أنا رأيت ساق أسد، لقد أخذوها إلى المشفى·

- سامي: لو كنت هنا قبل أيام، لشاهدت كم ساق ويد ورأس وكتف جمعنا، لم نكن نعرف لأي جثة يعود كل عضو من تلك الأعضاء···كل ما كان بوسعنا هو نقلها إلى المستشفى·

وفجأة تظهر "شيماء"···طفلة في الحادية عشرة من العمر···جميلة جدا، وهادئة جدا، تنظر إلينا من بعيد، تناديها نادرة وتبدأ تتحدث معها، ولكنها لا تجيب، فبصعوبة أخبرتنا باسمها···أحسست بأن هما كبيرا يقف وراء صمتها···اقتربت منها، عانقتها···قبلتها، ومن ثم عرفنا منها أن بيتها قد هدم بالكامل، وأنها تأتي يوميا لتزور أنقاضه··· رغم صمتها فإنها لم تتركنا، كانت تسير مع نادرة، وتقترب منها أكثر، وفجأة أصبحت وكأنها طفلة نادرة، وكأنها كانت تبحث عن حب، عن أمان، عن عطف، عن دفء قد فقدته، تماما كما فقدت بيتها، فحتما أن أهلها قد فقدوا الأمن مع فقدان بيتهم، فكيف لهم أن يعطوه لشيماء!

تقترب منا امرأة، وتقول "ما رأيكم أن تعملوا شيئا مفيدا···ساعدونا في رفع الأنقاض علّنا نجد أطفالنا، وتلتفت لي وتطلب مني أن أقوم بترجمة ذلك فأفعل···يسأل أعضاء الوفد عمّا إذا وصلت وفود خبراء لذلك، والجواب أن فرق الخبراء الأجنبية منعت من إدخال معداتها للمخيم، فيعدوهم بأن يفعلوا شيئا تجاه ذلك·

تقترب مجموعة شباب، ويطلبون مني أن أترجم أقوالهم:

- نحن لا نريد مساعدات مادية، نريد مساعدات سياسية

- قولي لهم إننا فقدنا أحباءنا

- قولي لهم إن الإعلام الأوروبي والأمريكي متحيزان، وإن عليهم أن ينقلوا ما يرونه بصدق·

- قولي لهم إننا نعرف أن الصهاينة يسيطرون على عقول الغرب، ولكن آن الأوان لتغيير ذلك فليبدؤوا منذ اليوم·

- قولي لهم إننا لن نترك المخيم، وإننا سنعيد بناءه

- قولي لهم إن ما يرونه اليوم لا يمثل المأساة كاملة، فقد كان عليهم أن يأتوا قبل ذلك ليروا أكثر من ذلك

- قولي لهم إننا لسنا إرهابيين كما يظن العالم، وإننا قُتلنا هنا في بيوتنا

- قولي لهم إن الإرهابي هو من يقتل الناس ويهدم البيوت ويقتلع الشجر

- قولي لهم إن ما حصل في مخيمي صبرا وشاتيلا كان تقتيلا للناس، أما هنا فقد قتلوا حتى الحجر

- قولي لهم···قولي لهم···قولي لهم، حتى أنني لم أعد أذكر كل ما قالوه، ولكنني ترجمته كاملا وبكل أمانة·

فوق تلة الركام

هناك فوق إحدى تلال الركام···كانت تجلس···امرأة في بداية الأربعينات وربما كانت أصغر من ذلك···تجلس بصمت، وتنظر حولها، وبيدها زجاجة ماء·

ما إن رأيتها، حتى صممت أن أصعد إليها، وفعلا صعدت إلى أن وصلتها، وجلست على حجر بقربها

- الحمد لله على السلامة

- الله يسلمك يا حبيبتي

- هل هذا بيتك

- كان بيتي، وكان بيت أخي، وكان بيت أخي الآخر···لقد كان مبنى من ثلاثة طوابق، أحرقوه ومن ثم أتوا بالبلدوزر وهدموه·

- إن شاء الله  تكونوا خرجتم منه بالسلامة

- الحمد لله···لقد خرجنا بالسلامة، كلنا على ما يرام، لقد أخذوا معهم إخوتي الثلاثة···لا نعلم عنهم شيئا···الحمد لله كلنا على ما يرام!

- والأطفال؟

- أخذتهم أمهاتهم وذهبوا إلى بيوت أهالي أمهاتهم

- وأنت؟

- كما ترين···أجلس فوق البيت كل يوم منذ الصباح وحتى المساء، ومن ثم أجد لي غرفة في أحد البيوت المجاورة الذي ما زال فيها غرفة غير مهدّمة فأنام فيها مع الجيران·

- ولكن لماذا تجلسين كل يوم هنا؟

- أحرس البيت

- ولكنه ركام

- ومع هذا فقد أجد فيه مالنا، أو أشياءنا···أنا الآن مسؤولة عن أطفال إخوتي، من أين لي أن أصرف عليهم، علي أن أجد مالنا حتى أقوم بواجبي تجاههم

- ولكن قلت إن البيت احترق

- قد أجد المال···سأنتظر حتى يأتون بجرافة لتساعدني في رفع الركام، ولكنهم لا يأتون بها أبدا، سأنتظر

- أتمنى لك كل التوفيق·

غرفة العروس

بينما كنت مع تلك المرأة التي تحرس بيتها، دخلت نادرة بقايا بيت، والتقت فيه مع عروس كانت قد زفت لعريسها قبل شهرين من الاجتياح···العروس تدخل نادرة إلى غرفة النوم لتريها بقايا الموبيليا، وملابسها الجديدة بما فيها ملابس النوم التي كوّمها الجنود وبالوا عليها جميعا·

العروس تعلّق لم أفرح بالموبيليا بعد ولا بملابسي···وصمتت···ولم أفرح حتى بعريسي فقد اقتادوه معهم·

أكاليل الزهور

تطالعنا بين فترة وأخرى أكاليل زهور، ونعلم أنها موضوعة حيث يعتقد بأن هناك جثثاً، وحيث وجدت جثث، فهذا كل ما أمكنهم عمله·

لقاء رانية

من بين الأنقاض، أشاهد نادرة تعانق صبية وتبكي···تجهشان بالبكاء المر، أقترب أكثر فأجد

"رانية السلعوس"···أنتظر لحظات حتى تراني···تعانقني وأجدها فرصة مناسبة لسكب بعض الدموع التي كنت قد حبستها رغما عني·

شيماء تبدأ بالحديث

أقترب من شيماء بعد أن ألاحظ بأن نادرة قد أخرجتها من صمتها، وأسالها:

- ماذا ستكونين عندما تكبرين؟

- لا أعرف··لم أفكر بذلك بعد

- ولكن عليك أن تفكري منذ الآن

- ولكن تعرفين أنني فكرت، وأنني قد سبق وقلت ذلك

- آسفة···لم أسمعك، هل لك أن تعيدي ذلك

- حسنا···سأكون استشهادية

- لا يا شيماء، أنت طفلة جميلة يجب أن تحيا
- ولماذا، وأين؟

- لماذا لأنهم هم يريدونك أن تموتي، ونحن نريدك أن تبقي، وأين؟ هنا حيث سيبنى بيتك من جديد، وسيكون أجمل من السابق·

- صمتت

تمسك بيد نادرة لتساعدها على تخطي أكوام الإسمنت والحديد···

في بيت فاتنة

هناك استدعتنا فاتنة لدخول ما تبقّى من بيتها، وأمها تحدثنا:

لقد جمعونا 36 شخصاً، ووضعونا في الطابق السفلي في  غرفة واحدة، ومنعونا من الخروج منها، وهددوا بإطلاق النار علينا لو خرجنا من الغرفة···لقد عشنا في تلك الغرفة عشرة أيام متواصلة نفترش الفراش ليلا ونهارا حتى أصبحت رائحته لا تطاق، فالأطفال بالوا أكثر من مرة بسبب الخوف، ناهيك عن رائحة العرق، حيث لم نتمكن من استبدال ملابسنا مرة واحدة، وكنا نطلب الإذن لإستخدام المرحاض، حيث يرافقنا أحد الجنود الذين تمركزوا في بيتنا، وكانوا حتى يفتشوا المرحاض بعد أن نستخدمه· وما إن سمعنا صوت البلدوزر تجرف المصطبة التي كنا نجلس عليها خارج الدار، حتى رفعنا الرايات البيضاء وخرجنا نستجديهم خوفا من أن يهدموا البيت علينا·

تأخذنا فاتنة إلى الطابق العلوي، وتزيح غطاء كان يغطي الحائط، لنرى خلفه فتحة كبيرة، علمنا بأن الجنود قاموا بفتحها ووضع الغطاء من خلفها، حيث تمركز القناصة خلفها ليشرفوا على المخيم·

فاتنة ترينا بقايا علب الأطفال التي كانوا يجمعون فيها أموالهم، وهو ما نطلق عليه الحواشّة أو الحصّالة، حيث فتحها الجنود وأخذوا القطع النقدية التي ادخرها الأطفال·

تضيف فاتنة، بأنه وما إن أحس الجنود بالخطر، حتى أمروها بحمل ابن شقيقها (4 أيام) والوقوف به باب المنزل، حيث استخدموها كدرع بشري منعا لإطلاق الرصاص باتجاههم لفترة من الزمن·

وبحسرة أكبر تضيف فاتنة، لم يخرجوا كما دخلوا بل أخذوا كل الشباب معهم· بينما يضيف والدها الكهل لا نعرف إن كانوا قد أخذوهم أم قتلوهم· نحن لا نعرف عنهم شيئا بعد، فأهالي المخيم قد شاهدوهم يقتلون الكثير من الشباب الذين كانوا يقتادونهم·

حارة الدمج

أما حارة الدمج، فلم يعد هناك ما يشير إلى أنها كانت حارة عامرة بالبيوت، فالبيوت كانت تشكّل عائقا أمام المجنزرات التي لم تستطع أن تتجول في أزقة المخيم الضيقة، فجرفوها وعملوا لهم شارعا كما ينبغي، دون أن ينذروا السكان، و ما إن عرفت أننا قد نكون فعلا نسير على الجثث حتى شعرت بالغثيان، فكيف لي أن أدوس جثة شهيد·

الأهالي منهمكون

المشهد العادي في المخيم هو انهماك الأهالي في البحث بين الأنقاض، عن الجثث وعن آخر ما تبقى من الممتلكات، أما المشهد غير العادي، فقد كان مشهد تلك المسنة التي كانت تروح وتجيء بحثا عن حفيدها، حيث ما زال عندها أمل بأنه قد يكون قد خرج من البيت قبل هدمه عليه وعلى أسرته ولعله يعود إلى هنا، فهو طفل لا يمكن له أن يذهب بعيدا، وحتما سيعود ليتفقد البيت، وستجده هي وتأخذه معها···هكذا تعتقد، وهكذا أتمنى أن يكون···

دوّار الشهداء

على باب المخيم دمار من نوع آخر، فهنا وكما أخبرني سامي كان دوار الشهداء السبعة الذين استشهدوا في الاجتياح السابق، حيث دفنهم أهالي المخيم وبنوا لهم نصبا تذكاريا كتبت عليه أسماؤهم···همجية القرن الجديد لم يعجبهم ذلك فنسفوا الدوار وأخرجوا منه الجثث وألقوها، فما كان من الأهالي إلا أخذها ودفنها من جديد في مقبرة المخيم·

في مستشفى جنين

محطتنا الأخيرة كانت في المستشفى الحكومي المحاذي للمخيم···مستشفى تنقصه كل إمكانات المشافي الحديثة تقريبا، وتنقصه كل الإمكانات ما عدا تلك الإمكانات البشرية المخلصة، ولا سيما مدير المستشفى الذي قابلناه وهو الدكتور محمد أبو غالي·

الدكتور يحدثنا عن الكثير:

- لقد حاصروا المستشفى بشكل كامل، حتى منعوا وصول أي من الجرحى، ومنعوا طواقمنا من الخروج لإحضار الجرحى···دمروا سيارة الإسعاف التي كانت تقف أمام المستشفى، ضربوا المولد الكهربائي فانقطعت عنا الكهرباء عشرين ساعة حيث يمكن لكم ولكن أن تفكروا بعدها بأحوال المستشفى بدون كهرباء ولا سيما بنك الدم···حاصرونا بالدبابات، ضربوا خزانات المياه، والأكسجين وأنابيب الغاز الطبيعي· طلبنا مساعدة الصليب الأحمر الدولي، وخلال اجتماعنا معهم في هذه الغرفة أطلقوا علينا الرصاص (يشير إلى آثار ثلاث طلقات في السقف والجدار)···بعد جهد تمكنا من الحصول على إذن لإصلاح مولد الكهرباء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدم· هددونا لو خرجنا لإسعاف الجرحى فسيكون مصيرنا كمصير الدكتور خليل سليمان حيث أطلقوا الصواريخ على سيارة الإسعاف التي كانت تقله وثلاثة من الطاقم فتوفي على الفور في حين أصيب الثلاثة الآخرين بحروق بنسبة 70% وتم تحويلهم إلى مستشفى المقاصد في القدس لتلقي العلاج، والآن أطلقنا على المستشفى اسم ذاك الطبيب الشهيد البطل· أجرينا العمليات بأقل الإمكانات المتاحة، عملنا ليل نهار، دفنا بعض الجثث في باحة المستشفى (وعلى مكتبه كانت خارطة برسم اليد تشير إلى أماكن الجثث وأسمائها)·

“ كم جريح وصلكم

- 121 جريحا·

“ فقط؟!

- لم يكن هناك مجال لعلاج الجرحى، فقد قتلوا كل الجرحى قبل أن يصلوا إلى المستشفى، حتى أنهم قتلوا أحدهم بعدما وصل مدخل المستشفى وتحديدا على درجات الباب، ولم نتمكن من إدخاله حيث تواصل إطلاق الرصاص، وقد هدموا غرفتين من غرف المستشفى·

“ وماذا عن عدد الشهداء؟

- لا يمكن لنا الآن تحديدهما، فقد كنت أراقب من هنا من نافذتي ثلاجة الموتى التي كانت تحضر مرتين يوميا، وطولها 12 مترا، تحمّل الجثث وتأخذهم بعيدا، هذا بالإضافة إلى من دفن في مدافن جماعية داخل المخيم، ومن لا يزال تحت الأنقاض، الآن وصلتنا جثة طفل ولم نستطع تحديد الجنس أو العمر بعد· هناك الكثير من المفقودين لا نعرف إن كانوا في عداد الشهداء أم المعتقلين·

نادرة: تتحدث عن كل ذلك، هل رأيت الثلاجة بأم عينك؟

ورأيت الجثث؟

- نعم

“ وتعرفت على أي منهم من بعيد؟

- نعم

“ وما زلت قادرة على الحديث؟!

- لقد مات قلبي، وأنا الآن مجرد طبيبة تقوم بعملها·

أتطلع إليه وقد كنت قريبة منه بشكل كاف لأراقب كل تلك المشاعر التي كانت ترتسم على وجهه وودت لو أقول له "لا يا دكتور فقلبك لم يمت بعد، ومن يتفانى في العمل مثلك لا يمكن إلا أن يكون صاحب قلب حي"·

وفود أكثر تدخل المستشفى، مما يحتم انصرافنا

"أسد"

قبل الإنصراف، اسأل سامي لو كان بالإمكان أن نزور "أسد" في المستشفى··نذهب لزيارته في غرفة العيادة المكثفة، طفل صغير غائب عن الوعي، يده مقطوعة، أمّا وجهه···فهو ما لم أستطع أن أنظر له، لقد أعاد لي ذكرى أليمة، ذكرى حروق أطفالي (فايز وأحمد) في بداية الانتفاضة الناتجة عن انفجار ابسط···لا اختلاف بين الوجوه···التنفخ والسواد···و···نهاية التماسك···

لم أستطع أن أصمد أو أن أتماسك أكثر من ذلك، وخرجت باكية من الغرفة لأجد أمه أمامي···عانقتها···قبلتها···أكدت لها بأن لا أحد يفهمها في هذه اللحظات كما أفهمها···تمالكت وقلت لها بأن أطفالي كان لهم الوجه نفسه وبأنهم قد تعافوا الآن، فسألتني وماذا عن يده وأصابع قدميه···أطرقت ومشيت، إلى أن التقيت بوالده يبكي ويرجوني أن أساعده في نقل ابنه إلى مستشفى آخر، أو أن أطلب من الوفد مساعدته (لن يشفى هنا، ولن تكتب له النجاة) هذه كانت آخر كلماته، في حين وعدته ببذل كل جهد ممكن·

خرجت من المستشفى وهاتفت (تيري بلاطة) رئيسة مجلس مركز الدراسات على الفور، حدثتها عن أسد ورجوتها أن تتصل فورا بلجنة “كويتيون من أجل القدس”، علّهم يعالجونه في الكويت، وقالت لي بأنها ستفعل، وأن علي إحضار تقريره الطبي···التفت إلى سامي وأناشده بأن يعمل على متابعة التقرير فورا وإرساله لي عبر الفاكس، فيعدني بذلك·

رحلة العودة

أما رحلة العودة، فقد بدأت بعد أن استضافتنا لجان الإغاثة الطبية لأخذ قسط من الراحة ومقاسمتهم وجبة خفيفة قام الشباب بإعدادها بأنفسهم···ركبنا السيارات وتوجهنا إلى رمانة، فالطيبة، وقد تمكن السائقون من إيصالنا إلى آخر نقطة ممكنة قبل الطريق الترابي الذي يفصل ما بين الطيبة وأم الفحم المليء بالسواتر الترابية·

وما أن تجاوزنا ثاني ساتر ترابي، حتى وجدنا بعض الشباب ما بين الأشجار، وقالوا لنا بأنهم كانوا ينقلون حمولة شاحنة مساعدات وصلت من الأهل من وراء الخط الأخضر، فاكتشف أمرهم الجنود وأطلقوا الرصاص باتجاههم مما دفعهم لترك الحمولة على الأرض والهرب·

لحظات تفكير ونقاش قررنا بعدها أن نقوم نحن بنقل الحمولة من الساتر الترابي الثالث حتى الثاني، فمعظم الوفد أجانب، وبالفعل بدأنا وقمنا بنقل المعونات···وصل الشباب لأخذها وتمريرها عبر الساتر الثاني عندما تنبه الجنود وحضروا مسرعين···الشباب انسحبوا ونحن نقف·

جدال كبير دار بيننا وبين الجنود الذين أمرونا بترك المعونات على الأرض ومغادرة المكان فورا، نحن نناقش بالإنجليزية ويدور حول وقاحتهم في منع وصول مواد ضرورية لإنقاذ الناس، ولقد كان للون بشرتي وشعري الفاتحان وتمكني من اللغة الإنجليزية مزايا مكنتني من الظهور كأجنبية ضمن الوفد، ومن خوض النقاش معهم بشكل قوي·

يحتدم النقاش بيني وبين المجندة التي سألتها:

“ ما مشكلتك في أن يصل هذا الفراش إلى طفل لينام عليه الليلة؟!

- مشكلتي بأن هذا الطفل سيقوم بعملية انتحارية بعد ذلك تقتل العديد من الإسرائيليين

“ الأطفال لا يفجروا أنفسهم

- ألا تعلمي بأننا أمسكنا طفل قبل أسبوع حاول التسلل من هنا بحزام ناسف

“ كاذبة

- أنا لا أكذب

“ بل تحترفين الكذب···هل رأيت وضع الأطفال في مخيم جنين، وكيف يعيشون الآن حتى تمنعي مساعدات كهذه من الوصول إليهم؟!

- هل رأيت ضحايا التفجير في إسرائيل

“ لا يمكن إجراء المقارنة···أراهن بأنك لا تعرفين ماذا هناك في جنين؟

تثور وتبدأ بالصياح، فأقرر الانسحاب قبل أن تكتشف هويتي فيكون لها ما تحلم به، ويقترب أعضاء الوفد لمتابعة النقاش معها، أكاذيبها حاضرة، في حين تحاور نادرة الجندي الآخر بالعبرية، وتنهمك صبايا الوفد مستغلين الحوار في نقل المعونات للشباب بسرعة كبيرة·

يستمر النقاش، ويستمر نقل المعونات إلى أن ننجح في ذلك···المجندة تعجز عن الرد على الطبيب الأمريكي، تلتفت لي فتصب جام غضبها علي مدعية بأنني لا أحترم نقاشها، فأترك لها المجال وأنصرف مرة أخرى خوفا من أن تكتشف هويتي···

فجأة تصل تعزيزات عسكرية، وتأمرنا بإبراز جوازات السفر (وهذا ما لم أحسب له حساب) أحاول أن أتسلل بين الأجانب يلاحظني جندي ويأمرني بالعودة أؤكد له بالإنجليزية بأنني سأفعل ذلك حالا، تلهيه نادرة، وتنتبه العجوز الأمريكية فتقول لي وبصوت عال أنا عجوز غير قادرة على المشي ساعديني، أساعدها حتى أبتعد، وبعد ذلك أتركها تنتظر الباص، في حين أعود ماشية الى مدينة أم الفحم لانتظارهم هناك ولم يطل انتظاري·

لا داعي لمتابعة الإجراءات

تتصل "تيري" وتخبرني بأن لجنة “كويتيون من أجل القدس” أبدوا الاستعداد لاستقبال الطفل، وبأنهم سيبدؤون الإجراءات مع وزارة الصحة الكويتية فورا···أشعر بارتياح وأحاول أن أنام في الحافلة بعد هذا اليوم الشاق·

جرس الهاتف النقّال··· سامي على الخط الآخر

- سامي ···جيد أنك تحدثت لا تنس تقرير أسد فقد أخذنا الموافقة

- لا داعي لذلك يا ساما

- ماذا تقول يا سامي؟

- لقد استشهد الآن

وتنتهي الرحلة بالدموع، تماما كما بدأت، ولكنها حتما ما هي إلا البداية، وحتما سنعود وسنعمل مع شيماء ووليد وأنس وثائر، وكل النساء والشباب، وهذا عهد·

ملاحظة: هذا غيض من فيض مما رأيت، حاولت أن أشرككن وأشرككم به، ولا بد من أن أكتب المزيد وتباعا حتى تتضح الصورة أكثر، فاعذروني لو كنت قد أكثرت···

23/4/2002

ساما عويضة

مركز الدراسات النسوية-القدس

منتدى النساء العربيات -عايشه

طباعة