بقلم: فرانك مازوار
في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التوتر في الشرق الأوسط، كان من السهل أن يفوت على المرء سماع تصريح وزيرة التعليم الإسرائيلية ليمور ليفنانت الأسبوع الماضي أن الأطفال الإسرائيليين سيتلقون تعليماً يهودياً - صهيونياً، وبالقول إن المدارس تشكل جزءاً من الأمن الداخلي للدولة، كانت الوزيرة تستجيب للإحساس على نطاق واسع في أوساط المحافظين في إسرائيل بأنه قد جرى إضعاف القيم الوطنية الأساسية·
وفي لب مبادرة الوزيرة، هناك محاولات لإعادة تأكيد صلاحية بعض الأساطير التي قامت عليها الدولة· فعلى مدى العقد المنصرم، بدأ جيل جديد من المؤرخين الإسرائيليين يثير التساؤلات حول فكرة أن حرب 1948 كانت حرب استقلال حقق فيها داود اليهودي نصراً مجيداً على جالوت العربي· وتشير بحوثهم إلى أن الجرائم ضد المدنيين العرب التي ميزت ذلك الانتصار، لم تكن دائماً التجاوزات العشوائية التي يرتكبها الجنود الإسرائيليون في ميدان المعركة، وأن بعض الصهاينة البارزين على الأقل رأوا في الحرب فرصة لإعادة رسم الخريطةالديمغرافية بشكل نهائي·
تفسير متناقض
ولكن حكومة شارون تحققت لهذه التقييمات بشكل كبير فقد أشار رئيس الوزراء أخيراً، بنفسه إلى حرب 1948 باعتبارها البداية فقط للصراع الذي لا يزال مستمراً· وفي الوقت الذي يحتفل فيه الإسرائيليون بذكرى نصر عام 1948، يشارك عرب 1948 إخوانهم الفلسطينيين إحياء ذكرى النكبة· وليس هناك أدل على هذا الانقسام القائم الآن في إسرائيل من هذا التفسير المتناقض بصورة صارخة لأحداث التاريخ الحديثة لهذه البلاد·
وإسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي يثور فيها الجدل بشأن أساطير الوجود· ففي جمهورية إيرلندا، تواجه الرواية الســــائدة لقــــيام الــدولة بعد الحرب الأهلية التي استمرت من 1922 - 1916، تحدياً بالطريقة ذاتها التي تواجه فيها الرواية الإسرائيلية الرسمية لقيام الدولة· فهناك أيضاً، سلط المؤرخون الضوء على جوانب من حرب الاستقلال تم تجاهلها أو إهمالها أو إخفاؤها من قبل الأجيال السابقة·
ففي إيطاليا، حيث يسود الجدل حول الأربعينات من تاريخ البلاد، من المحتمل أن تحاول حكومة سيلفيو برلسكوني التدخل في مسألة تعليم التاريخ الإيطالي الحديث في المدارس·
وفي قلب هذا الجدل حول الماضي يقع الفارق الذي يتفادى كثيرون الحديث فيه، بين أعمال عنف تُلحق العار بمرتكبها وأخرى تجلب له الفخار والإلهام· فمن جهة، هناك الطرد البطولي للعدو الغازي الذي تم تخليده بالنصب التذكارية وإطلاق أسماء الشوارع عليه، وفي النشيد الوطني والمهرجانات العامة· ومن جهة أخرى، هناك عمليات القتل ضد جيران عزل، وهي العمليات التي غالباً ما يسعى مرتكبوها لإخفاء معالمها وإبقائها طي النسيان·
استحضار الوحشية
والمشكلة أن قيام الدولة القومية عادة ما ينطوي على هذين النوعين من العنف· فالجمهورية التركية ولدت من رحم حرب استقلال مجيدة ضد الجيوش اليونانية الغازية، ولكن شملتها أيضاً، مجزرة سابقة لمئات الآلاف من الأرمن·
وتدين كل من الهند وباكستان لوجودهما إلى عملية تقسيم شبه القارة الهندية عام1947 والتي تم من خلالها تمزيق عدد من الأقاليم من خلال حرب أسفرت، خلال أسابيع قليلة، عن مقتل مليون شخص وتحول 10 ملايين شخص إلى لاجئين· وظلت هذه الأحداث حتى وقت قريب، بعيدة عن تناول المؤرخين في كلا البلدين، كما لو أن استحضار الوحشية التي جلبت الاستقلال الوطني، قد يلقي بالظلال على ما يأتي·
وهناك “تابوهات” مشابهة في أوروبا الشرقية أيضاً فالآن فقط، بدأ البولنديون والتشيكيون يعترفون بأن أحداث الأربعينات من القرن الماضي، التي قام الألمان أولاً بقتل مواطنيها اليهود قبل أن يتم طردهم، قادت إلى اختفاء اثنتين من أكبر وأهم الأقليات من المجتمع الوطني·
كل هذه الحالات، توضح مدى الصعوبة التي تجدها الدول والشعوب في التخلي عن صورتهم كضحايا وأبطال تاريخيين، والاعتراف بدورهم كمرتكبي جرائم ومنتفعين أيضاً·
فالضحايا والجلادون قبل كل شيء ليسوا فئتين متضاربتين بشكل متبادل·
والحرب العالمية الثانية هي المسؤولة عن جعل فكرة ترحيل أعداد كبيرة من السكان غير المرغوب بهم عبر الحدود بقوة السلاح، أمراً مقبولاً لدى المجتمع الدولي· فالدرس الرئيسي من الحرب العالمية الثانية الذي تعلمه خصوم هتلر هو أن الدول المتجانسة عرقياً هي الوحيدة التي يمكن أن تقدم إسهاماً للاستقرار العالمي· لقد قرر السياسيون الأوروبيون الشرقيون سلفاً، أنهم سيطردون الأقليات الألمانية في بلادهم حال انتهاء الحرب· وفي نهاية الأمر طرد الملايين - بمن فيهم ألمان معادون للنازية وحتى يهود ناجين من النازيين - غرباً في حركة كانت تمثل أبكر تحرك للاجئين في أوروبا·
التباس تاريخي
والشيء غير المعروف على نطاق واسع هو أن زعماء صهاينة من أمثال ديفيد بنغوريون وحاييم وايزمان كانوا في عام 1941 يفكرون في مجالسهم السرية، بترحيل العرب من الدولة اليهودية المستقلة من أجل إفساح المجال للمهاجرين اليهود الجدد من أوروبا· ومن مفارقات التاريخ العظمى أنه بعد نصف قرن من قيام الأوروبيين بتمزيق قارتهم وكثيراً من دول العالم بحثاً عن النقاء العرقي، أظهرت قوى التغيير الاقتصادي والعولمة عدمية هذا البحث وسلطت الضوء على الحاجة لحركة العمالة والتجارة ورأس المال· ففي إسرائيل، كما في أماكن أخرى من العالم جلب الرخاء الاقتصادي معه الحاجة لاستجلاب العمالة غير اليهودية وليس من المحتمل أن يُغير هذا الاتجاه إلا انتشار الفقر· ومن الصعب تعايش الدينامية الاقتصادية مع العزلة الوطنية، ولكن علينا أن نتملك ما يكفي من السذاجة للافتراض أن المنتصر دائماً هو الدينامية الاقتصادية·
فالمواقف من الماضي تشهد على رؤية الدولة لذاتها في العالم· والتعاطي السياسي لدولة ما مع الخصوم والجيران يتطلب جهداً لفهم تجربتها ولتقبل التعقيدات الأخلاقية للماضي· وهكذا، فإن تحول إيرلندا إلى مجتمع أكثر علمانية وانفتاح وجد له انعكاساً في الرغبة التدريجية بالتخلي عن الأساطير الوطنية التي انتعشت ذات يوم، حول الحرب الأهلية· وبهذا المعنى، أُعيدت صياغة النظرة لعملية السلام من قبل الباحثين الإيرلنديين في اتجاه الاستعداد للقبول بالغموض والالتباس الذي يعتري سجل البلاد التاريخي·
رؤية جديدة
وبمقياس هذا الانفتاح، فإن مقترحات حكومة شارون التعليمية، تمثل تعارضاً مخيباً للآمال· فالمؤرخون لما بعد الصهيونية - كما يُطلق عليهم - الذين تمقتهم حكومة شارون يحاولون - من خلال التعاطي المنصف مع تجربة الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة - على الأقل، إرساء أسس سليمة لحوار جديد بين الدولة العبرية وجيرانها العرب· ولكن ما البديل لدى المؤسسة الحاكمة في إسرائيل؟ فهذه المؤسسة التي لاتزال ملتزمة بالاستيطان الاستعماري وتبرير مصادره والاستيلاء على الأراضي ليس على أساس سياسي، بل على أسس ثيولوجية فقط، وهي تنظر لما تقوم به في الأراضي المحتلة باعتباره رؤية جديدة لحرب 1948· فالمؤسسة الحاكمة في إسرائيل التي تعجز عن وعد جمهور ناخبين إسرائيليين يتملكه الخوف، بحروب مجيدة جديدة، تحاول أن تحيي في ذاكرته أمجاد حروب الماضي· وبرفضها الاعتراف بحقائق التاريخ، تكشف مؤسسة الحكم في إسرائيل عن إفلاس مريع لسياساتها المتعلقة بمستقبل الدولة اليهودية·
· أستاذ العلوم السياسية في كلية بيركبيك في لندن
“ عن الفايننشال تايمز “