بقلم هنري سيغمان *
في وجهة نظره (المنشورة في صحيفة نيويورك تايمز في التاسع من يونيو) يكشف رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الفكرة الجوهرية التي تحدد طريقته في فهم النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني· إنه نهج ينبغي أن تفتح تداعياته عيون الإسرائيليين والعرب وأولئك الذين لم يفهموا بعد في المجتمع الدولي، أن تفتح العيون على ما يخبئه شارون لمواطنيه وللفلسطينيين إن لم نقل القوى الخارجية ذات المصالح المهمة في المنطقة·
بجسارة تثير الذهول، قدم شارون صيغة جديدة كليا بشأن ما يشكل عماد جميع مبادرات السلام في الشرق الأوسط منذ حرب عام 1967 أي القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي الذي صودق عليه في العام نفسه· وعلى حساب التأكيد الواضح في نص هذا القرار على استحالة كسب الأراضي بالحرب يقول شارون إن القرار 242 يعطي لإسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة حقوقا مساوية للحقوق التي اعترفت بها الأمم المتحدة للفلسطينيين عام 1947·
فالقرار 242 يؤكد لإسرائيل الحق في “حدود آمنة ومعترف بها” أما قراءة شارون الضمنية فتقول إن غاية القرار هي أن يسمح لإسرائيل بأن تستنتج كيف تكون “حدودها الآمنة”، وأن القرار الذي لا يسمح بأي تغيير ولو بسيط لحدود كانت قائمة من قبل يعطي إسرائيل الحق في أن تطالب بالجزء الأعظم من الضفة الغربية وقطاع غزة إن لم يكن كلهما باسم الأمن والحدود·
والنتيجة حسب منطق شارون، أن الضفة الغربية وقطاع غزة لا يعودان أراضي محتلة عسكريا من إسرائيل، إنما أراض متنازعة· وهكذا يخبر شارون المجتمع الدولي أن مطالبة إسرائيل بالضفة الغربية وقطاع غزة مساوية في الشرعية لمطالبة الفلسطينيين· يجدر بالمجتمع الدولي أن يولي ذلك انتباها لأن عواقب هذه الفكرة خطيرة بقدر ما هي مرئية· فأخذا بالاعتبار السيطرة القسرية الإسرائيلية على جميع الأراضي، وأخذا بالاعتبار تفوق إسرائيل الساحق عسكريا على الفلسطينيين، فإن نتيجة هذا التنازع على “الحقوق” بين الإسرائيليين والفلسطينيين تكون معروفة·
يمكن الاعتقاد بأن رؤية شارون بشأن الحقوق الخاصة بإسرائيل حسب نص القرار 242 هي رؤية غريبة تماما إن لم نقل مؤذية، ذلك لأنها تحكم على شعب بكاملة بحرمانه من وطن·
وهذا يشكل ارتكاب خطأ فادح· وآخر النزوات الشارونية زمنيا ليست أقل غباء من اعتقاده أنه يمكن انتزاع وقف المقاومة العنيفة للاحتلال الإسرائيلي من دون أي إطار سياسي يحتوي وعدا مرضيا بالحد الأدنى للتطلعات الوطنية الفلسطينية مقابل وقف العنف· وفي حين أن هناك أمثلة كثيرة على إجراء محادثات سلام في وقت تتواصل المعارك بين الأطراف المتحاربة، كما حدث في البلقان أو في فيتنام، فإن الولايات المتحدة تبدو مقتنعة بنظرية شارون·
ثم يأتينا شارون بفكرة أخرى لا تقل غباء تقول إن دفع عملية السلام مع الفلسطينيين الى الأمام ينبغي أن ينتظر تحولات ديمقراطية في السلطة الفلسطينية تجعلها شفافة ومسؤولة· والله أعلم كم يلزم من وقت لإقامة مؤسسات مثل هذه، لكن شارون صبور· وليست الولايات المتحدة وحدها من غرق في هذه الخدعة الواضحة، بل معها المملكة العربية السعودية ومصر اللتين انعطفتا للضغط على عرفات حتى يغير أسلوبه·
وباعتباري مديرا لهيئة دولية للمساعدة في إقامة المؤسسات الفلسطينية الممولة من الاتحاد الأوروبي والنرويج، اللذين هما أكبر جهتين مانحتين للمؤسسات الفلسطينية· فإنني أنضم الى الدعم الأمريكي المتأخر لإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، ذلك أن واشنطن كانت حتى فترة غير بعيدة تبدو غير مبالية بهذه المسألة·
إن جهود هذه الهيئة في الضغط على عرفات من أجل إصلاح السلطة الفلسطينية بإقامة سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وفصل السلطات كانت تعتبر من جانب جزء كبير من الإدارة الأمريكية السابقة عقبة أمام المحاولات الرامية الى جر عرفات الى التعامل مع الإرهابيين بجزم وفعالية·
وقبل فترة وجيزة أعلن مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية الأمريكية: “أنا أعتقد أن ليس لدينا أي اهتمام بالشرعية· فالشرعية تعني في غالب الأحيان أن تدع الأنذال يعملون”·
وعلى نقيض ذلك، كانت الولايات المتحدة تعني بفعالية السلطة الفلسطينية مقدار تضاؤل أو ازدياد إحساس الإسرائيليين بالأمن·
إن الاهتمام الذي يوليه شارون للسلطة الفلسطينية لا يتصل بطابعها الديمقراطي، إنما بفعاليتها في تصفية الإرهابيين والإرهاب ضد إسرائيل· وكلما كان هذا النوع من الجهد أقل شفافية، كانت فعاليته أعلى·
وحسب وجهة النظر هذه، يكون رجل مثل جنكيز خان أصلح لتولي رئاسة السلطة الفلسطينية من توماس جيفرسون·
غير أن شارون لم يجد أي صعوبة في الحصول على الدعم الأمريكي والدولي لوجهة نظره· وله كل الحق في الاعتقاد أنه موهوب في تعبئة الولايات المتحدة لمصلحة تفسيرة للقرار 242· التفسير الذي يلغي حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة·
أما القدرة الإبداعية لشارون في إقامة سلسلة من العقبات أمام إطلاق عملية سياسية فلا يعادلها اليوم في القوة غير سذاجة المجتمع الدولي· والملاحظ أيضا هو الوقاحة التي بها يعيد قراءة التاريخ حتى يعضد سياسته· واستنادا الى معارضته لمعاهدة السلام بين إسرائيل ومصر عام 1979، التي جعلته يؤكد أن زيارة السادات التاريخية للقدس لم تكن سوى حيلة لدفع إسرائيل لخفض حذرها، ومعارضته لمؤتمر سلام مدريد عام 1991، وأوسلو عام 1993 واتفاقية السلام مع الأردن عام 1994، وتفضيله في هذه الظروف مواصلة العنف بحق اتفاقات السلام “من دون ذكر حرب لبنان التي أشعلها بنفسه عندما خدع حكومته ورئيسه” يمكننا أن نتصور أن شارون لا يستحي في هذه اللحظات المحددة بأي شيء حتى يعترض على أي عملية سلام مع الفلسطينيين·
وإذا فعل شارون شيئا فلأنه يعتمد على جهل الناس للتاريخ، الجهل الذي يمنعهم من أن يطرحوا السؤال التالي: كيف يمكن أن تكون إسرائيل إذا اتبعت رأي شارون بكل الأمثلة المذكورة آنفا؟
هذا سؤال نأمل أن يطرحه جورج بوش ومستشاروه عندما يرسمون الخطوط العريضة للمبادرة الأمريكية الجديدة التي وعد رئيس الولايات المتحدة بإعلانها·
*مدير بحوث الشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية (نيويورك) والمدير السابق للمؤتمر اليهودي الأمريكي·
(لوموند)