(1- 2 ) الدكتور هيثم مناع *
كأي تعريفٍ سياسي الدوافع والأصول، يشكل الإرهاب مادة دسمة للخلاف· وإن توصلنا إلى تعريف مجرد للكلمة، فإن إلباس هذا العظم لحما يعيدنا للمشكلة نفسها· فالإرهاب مثل كلمة الحروب الصليبية أو كلمة الفتوح الإسلامية: تحدد العين التي تراها معالمها الأساسية· فالحروب الصليبية حتى عند رواد لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية تقيّم بشكل إيجابي، وكلمة الفتوح هي ما يقبله المسلم والعربي لوصف عملية بناء إمبراطورية توسعية لا تغيب عنها الشمس· ولا ندري هل من سوء طالع البشرية أم من حسن حظها، أننا لم نصل بعد لقاموس عالمي مشترك لكل المفاهيم·
لم يحرّم الإسلام ممارسة العنف، كما لم يحرّم ميثاق الأمم المتحدة هذا الاستعمال، وكلاهما لم يسمح بذلك إلا عند وقوع الظلم على الجماعة البشرية، وبعد فشل الطرق السلمية لرفع المظالم· وقد قيّد النبي محمد والخلفاء الأوائل استعمال العنف بقيود تحول دون ضرب المدنيين والمستضعفين· وينسب لأبي بكر الصديق وصاياه العشر في الصراعات المسلحة: " يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تعلوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكلة·"(انظر مادة حق التدخل، الجزء الثاني من موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، يصدر قريبا)·
وترتبط كلمة الإرهاب في التاريخ واللغة العربية بالخوف والفزع ومنه المثل "رهبوت خير من رحموت"، أي أن ترهب خير من أن ترحم· وقد ارتبطت أيضا بالخوف من الله ومنها الراهب، وفي الآية "ترهبون به عدو الله" أي تخيفونه·
في التاريخ العربي الإسلامي كانت الاغتيالات السياسية الفردية شائعة ولكن كان من العار والمحّرم قتل غير المعنيين بالصراع من القاعدين والنساء غير المقاتلين والأطفال والشيوخ· والمعاناة الأساسية للنساء كانت من قواعد السبي التي عرفها الشرق من قبل السبي البابلي وبقيت لقرون بعد الإسلام· الأمر الذي لا يعني استبعاد المقاتلات من النساء حيث كان الحجاج بن يوسف الثقفي يعرض جثث المقاتلات من الخوارج عارية في الأسواق لردع النساء عن الانضمام للخوارج· ولكن هذا الاستثناء الباثولوجي في التاريخ العربي الإسلامي لم يتّبعه إلا قلة· ومن المفارقات أن الفرق المعتبرة خارجية أو هرطقية كبعض فرق الخوارج وإسماعيلية الحسن بن الصباح (المعروفين بالحشاشين في أدبيات المستشرقين) هي التي كانت تقوم بعمليات اغتيال وتصفية تدرج اليوم في نطاق كلمة الإرهاب في حين استنكر أهل السنة والشيعة الاثنى عشرية هذا الأسلوب·
في الأزمنة المعاصرة، لجأت في نهاية القرن التاسع عشر عدة مجموعات فوضوية ويسارية أو يمينية متطرفة في أوروبا الغربية وروسيا وأمريكا اللاتينية لاستعمال العنف بشكل لا يميز بين العسكري والمدني· وفي القرن العشرين نالت الحركات اليسارية المتطرفة، مما عرف في الأوساط الراديكالية بالأممية الخامسة، حصة الأسد في الستينات والسبعينات· لكن لم تلبث هذه الحركات أن تراجعت لتترك المكان للتيارات الماوية والأصولية· كذلك نشأت حركات ممولة من كارتلات المخدرات والطوائف الألفية القائلة بنهاية العالم· مع تراجع الحركات الأصولية السياسية وبدء مرحلة "ما بعد الأصولية" الرافضة لمنطق الحزب الواحد والإمام المخلّص والمتبنية لمبدأ التعايش السلمي مع الآخر والتداول على السلطة وفق الإرادة الشعبية في النصف الثاني من التسعينات، بدت أكثر فأكثر عزلة الاتجاهات المتطرفة· وقد تحولت الأخيرة لتنظيمات صغيرة مجهزة وممولة بشكل جيد وقادرة على جعل العمليات العنيفة المشهدية سلاحا أساسيا للدعوة لخطها والتعريف بوجودها، كونها أصبحت تشبه الجذام، يخافها ويحذرها القريب والبعيد· ولعلها باختيار القوة العظمى كخصم لها، قد وجدت التعاطف الذي افتقدته من تصلب وتخلف خطابها العقائدي· لقد استعملت اللغة الدنيوية لمناهضي دكتاتورية القطب الواحد في العالم (الولايات المتحدة) وأعداء التفاوت بين الشمال والجنوب والمدافعين عن المساواة بين الأفراد والشعوب بإعلان حرب على أهل الكفر "الأغنياء المسيطرين" من قبل أهل الإيمان "الفقراء المستضعفين"· هذا الخطاب السهل والمبسط في وجه خطاب جورج بوش السهل والمبسط أيضا، يظهر مدى فقر اللغة والأفكار عند أطراف الصراع الجديد الذين يلجؤون إلى منطق بدائي يقسم العالم لأهل الخير وأهل الشر ويجعل من هذه الثنائية التصنيف الوحيد الممكن للبشر· الأمر الذي يعيدنا إلى مرحلة ما قبل الحقوق في تغييب للأخلاق بتعريفها المضياف والدينامي ومحاصرة لمنطق العدل·
لقد شغلت قضية الإرهاب المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة منذ ولادتها· وكون الإرهاب، في إحدى صوره، وسيلة التعبير اليائسة والخرقاء لمن لا وسيلة متكافئة لديه للتعبير عن الذات، كانت الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية مجمعة على إدانته منذ الأربعينات· في حين اعتبرت دول العالم الثالث، مؤيدة من الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، العنف المسلح للدفاع عن أرض محتلة أو عدوان خارجي أو مناهضة الاستعمار قضية مشروعة·
يمكن استعمال تعريف الدكتور شفيق المصري للإرهاب بشكل عام باعتباره "استخدام غير شرعي للقوه أو العنف (أو التهديد باستخدامهما) بقصد تحقيق أهداف سياسية· والإرهاب في هذا الإطار، هو الذي يتعدى العمل المخالف للقوانين الداخلية للدولة، أو حتى ذلك الذي لا يخالفها، إلى كونه مخالفاً لمبادئ القانون الدولي وقواعده· ولهذا يعرف عادة بـ "الإرهاب الدولي " International Terrorism."
هو دولي أيضا، بمعنى أنه ظاهرة عالمية، وليس ظاهرة محصورة بشعب أو دين أو بلد أو لون سياسي· عندما حاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف الإرهاب بطريقة واسعة، اعتبرت أنه يشمل فيما يشمل الأعمال والوسائل والممارسات غير المبررة التي تستثير رعب الجمهور أو مجموعة من الأشخاص لأسباب سياسية بصرف النظر عن بواعثه المختلفة· لكن يمكن القول أن كل هذه التعاريف مازالت ضبابية وتسمح بهامش واسع للخطأ الحقوقي· لقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1996 لجنة محددة الزمان والمهمة خاصة بالإرهاب Ad hoc Committee on Terrorism مهمتها إعداد اتفاقية دولية ملزمة لمكافحة الإرهاب· وإن كان هناك ضغط اليوم لاستعجال استصدار هكذا معاهدة لأسباب سياسوية مباشرة، داخل أو خارج الأطر العادية لنقاشات الجمعية العامة، فإن تجربتنا مع المعاهدات الصادرة عن الجمعية العامة، وخاصة منها تلك المتعلقة بالحقوق الإنسانية وحماية الكائن البشري، كانت مرّة وقاسية· فقد حاربتنا الولايات المتحدة في أهم المواثيق وبشكل خاص العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وميثاق المحكمة الجنائية الدولية الذي صوتت ضده في روما ثم عادت ووقعت عليه آخر ليلة في التوقيعات، ولم تصدّق عليه بعد· كذلك الأمر بما يتعلق بمعاهدات حماية البيئة والطفولة التي لم تكن أكثر حظا· في حين أن منطق القوة كان فاعلا في الحصار المطبق على كوبا والعراق، ومنطق الفيتو حاسما في حماية جرائم الحرب الإسرائيلية· في الحالتين، كان منطق القوة يحطم الثقة بمنطق العدالة، ويجعل من العنف الأعمى حلا مقبولا عند الجماهير المظلومة·
يمكن القول إن أسس مكافحة الإرهاب قد زرعت في القانون الدولي وفي 12 إعلان ووثيقة صادرة عن الأمم المتحدة· حيث ثمة إدانة واضحة لأعمال الإرهاب الدولي ووجوب ملاحقتها، مع تركيز على موجبين أساسيين على الأقل يقتضي أن تلتزمهما جميع الدول هما:
1 - أن لا تشجع ولا تتورط على إقليمها أو خارجه بأي نشاط إرهابي ذي أغراض سياسية·
2 - أن تقوم بكل ما يساعد في منع أو معاقبة أي نشاط إرهابي يقع ضمن إقليمها أو يكون مرتكبا ضمن هذا الإقليم·
لعل القرار الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 9/12/1994 ( تحت رقم 60/49 ) أتى فاصلا محوريا في هذا الشأن· فقد دعت الجمعية العمومية بموجب هذا القرار جميع الدول ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والوكالات المتخصصة لتطبيق "الإعلان المتعلق بإجراءات إزالة الإرهاب الدولي" الملحق بقرارها ذاته· وفي هذا الإعلان:
- إدانة كاملة لأعمال الإرهاب بكل أشكاله ومظاهره، بما في ذلك الأعمال التي تكون الدولة متورطة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر·
- وجوب إحالة القائمين بالأعمال الإرهابية إلى العدالة من أجل وضع حد نهائي لها، سواء كان مرتكبوها أفرادا عاديين أو موظفين رسميين أو سياسيين·
- وجوب اتخاذ كل السياسات والتدابير اللازمة من أجل محاربة الإرهاب الدولي سواء كانت هذه التدابير فردية تتخذها الدولة ذاتها أو ثنائية أو متعددة الأطراف مع الدول الأخرى· وذلك من أجل محاربة الإرهاب الدولي ومنع قيامه ومعاقبة مرتكبيه·
- التعاون الكامل بين جميع الدول من أجل تعزيز مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها والتزام الاتفاقات الدولية الشارعة لجهة توفير السلام والأمن الدوليين وحماية الأبرياء والمحافظة على علاقات الصداقة والتعاون بين الشعوب·
- تعديل أو استحداث القوانين الداخلية للدول بما يتلاءم مع هذه الاتفاقات، لاسيما المتعلقة بحقوق الإنسان·
يمكن القول إن هناك ترسانة قانونية كافية لأهم ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في زمني الحرب والسلم والواقعة ضمن تعريف الإرهاب· فهي تشمل اتفاقية منع إبادة الجنس (1948)، اتفاقية طوكيو لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات (1963)، اتفاقية مونتريال لإدانة خطف الطائرات (1971)، الاتفاق القاضي بإدانة خطف الديبلوماسيين (1973)، اتفاق إدانة احتجاز الرهائن (1979)، اتفاقية مناهضة التعذيب (1987)، اتفاقية إدانة القرصنة البحرية (1988)··
لقد صدر في إطار القانون الدولي مجموعتان من الأحكام الدولية الملزمة التي تدين الإرهاب الدولي وتطالب بملاحقة مرتكبيه الأفراد ومحاسبة الدول التي ترعاه بشتى الوسائل أو تحرض عليه مباشرة أو بصورة غير مباشرة:
آ- المجموعة الأولى تشتمل على الاتفاقات الدولية المشرعة التي تشير إلى الأعمال الإرهابية الدولية· منها على سبيل المثال لا الحصر: اتفاقية منع إبادة الجنس للعام 1948، واتفاق طوكيو للعام 1963 لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات، إضافة إلى إعلان هلسنكي للعام 1975 الذي التزمت بموجبه الدول الأوروبية الامتناع عن مساعدة أي نشاط إرهابي في أي شكل كان، ثم القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن في إطار معاقبة الدول التي تخالف المبادئ الدولية وتهدد السلام والأمن الدوليين·
تجدر الإشارة إلى أن الجمعية العمومية للأمم المتحدة أرست هذه المبادئ القاضية بمكافحة الإرهاب الدولي منذ العام 1970، عندما أصدرت إعلانها الشهير عن "مبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة "، وطالبت "الجمعية"، بموجب هذا الإعلان، جميع الدول بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد أي دولة أخرى· كذلك طالبت "الجمعية" جميع الدول بالامتناع عن التنظيم والمساعدة والمشاركة في أي عمل إرهابي ···الخ·
· داعية حقوق الإنسان
الجمهورية العربية السورية