رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 18-24 ربيع الآخر 1423هـ الموافق 29يونيو-5يوليو 2002
العدد 1533

ومن العرفان ما قتل!!
قراءة لا كتابة في المظاهرة الشخصية الأخيرة لـ “صلاح دبشة” *

 

بقلم: عباس منصور

قال محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفـّري في موقف الكشف: “أوقفني·· وقال لي أتدري ما قلب عبدي الفارغ؟ قلبه بيني وبين الأسماء وذاك هو مقامه الأول الذي هو مهربه وفيه آتيه، فأنقله منه إلى رؤيتي فيراني ويرى الاسم والأسماء بين يدي كما يرى كل شيء بين يديّ، ويرى الاسم لا يملك من دوني حكما·· وقال لي: الواقف بحضرتي يرى المعرفة أصنافاً ويرى العلم أزلاماً لأنه واقف بين يديّ لا بين يديّ العلوم، فهو يرى العلم قائما بين يديّ أغرس فيه قلب من أشاء وأخرج منه قلب من أشاء، فذاك هو شأني في القلوب إلا قلوبي التي بنيتها لنظري لا لخبري، وإلا قلوبي التي صنعتها لحضرتي لا لأمري· تلك هي القلوب التي تسري أجسامها في أمري”·

ويقول صلاح دبشة في مظاهرته الشخصية:

“الزمن المندفع كالرصاص

يثقب أجسادهم

فيهيمون على وجوههم في الحياة

التي تمرر غبارهم علينا

لتوهم الزمن

بأن أجسادهم ·· غير مثقوبة”·

وأقول ما بين الأشياء “الأسماء” التي يترصدها صلاح دبشة وما بين المعرفة الناشبة في النص يتلاشى الزمن ·· أقصد لا ترى بصيصاً للخبرة القائمة على التاريخ وتوالي البشر والأحداث ·· عرفان مجرد عن غبار الأزمنة وسطوة الأحداث وما فيها من عقلانية مخادعة·

ويبدو لي أن الشاعر الذي هو صلاح دبشة في هذه الحالة قال لنفسه: لا أملك من أمري سوى غرائزي وخبرات خطاي في شوارع بني الإنسان منذ اختط الإنسان لنفسه ظلاً وخطوة·· وقال أيضا أبالقلب أم العقل أعرف؟! وأراه انحاز إلى الأول فيقول:

“قلتُ

سأستبيح الكون

وفتحتُ الأبواب للشيطان

لماذا لم يأتِ

···

كم باباً مغلقاً ؟

أود أن أعرف عدد الموتى

كم باباً مفتوحاً

لهذه الحياة ؟

أود أن أعرف ··· عدد الهاربين”

بلا شك عاين وعي الشاعر مظلمة الراهن وجهالته·· وبلا شك آثر ألا يستنزفه القبح فيصطاده في متاهة الثأر والولع بالمسبة والبوح الفاجر فآثر ألا يواجه مظلمة بمظلمة وقبحا بقبح فتأمل قلبه قائلا - على لساني طبعا -: أيها القبح ويا أيتها البذاءة أنا أعرفكما تماما وأكرهكما تماما لكن لا وقت لدي أضيعه في الشتم والمذمة·· أنا أعي أن أبناء الإنسان مهانون جدا وأن طهر المعاني محاصر وأن التحالف الأعمى بين قطاع الطرق وأعداء الحق شغال على أشده ولكن لا وقت لدي فأنا منشغل بي، أمد شعاعا للآتي، اتطلع قبالة ذاتي فقد أعرفها الآن:

“الجدار

المليء بعبارات اللصوص

والمجرمين والقتلة

أسمع دقات قلبه

و

البندقية الأثرية في هذا المتحف

تحلم بإصبع تضغط الزناد

في اتجاه ذلك الطائر

المرسوم في لوحة”

ويرى صلاح أن التناقض ناشب في مفاصل المعنى وأبعاد المشهد·· ناشب بدرجة قد تفوق إمكانات اللغة في حشد مواريثها في الطباق والضد والمقابلة وحاول بصورة مدهشة أن يجعل من هذا التناقض تأسيسا لعرفان جديد بعيدا عن فخاخ البلاغة ومسالك الفضح والزعيق بالصوت الحياني··نعم الحياني وليس الموتاني!!·

التناقض في ذاكرة الخبرة التاريخية والتناقض في ذاكرة الغرائز المحتقرة على طول الخط تحت شمس الحياة وفوق تراب الوجود مما يجعل السري والمكبوت ضرورة من المستحيل تفاديها، المكبوت ليس على مستوى الآن أو ما فات بل على مستوى الحلم، على مستوى المستقبل، على مستوى الصيرورة·

“يصرخون

ويشتمون الأغراب

من أجل أن يمصوا دماءنا

لوحدهم

و

جسده الطاهر

لم يصعد مع روحه

الى السماء”

تصور!! الوعي قد يمتد الى نقض الذات، ونقض معرفة الجسد والعلم بنوافذ الغريزة·· فماذا تبقى؟! لا شيء سوى القلوب التي تسري أجسامها في أمري كما يقول ابن عبدالجبار النقري!! أو كما يقول صلاح دبشة:

“قال قلبي في الريح

سمعت الدموع في هذا العالم

تقول:

لم تتهيأ لنا

عيون حقيقية

و

ما زال لديك وقت

أيتها الفرحة

اهربي”·

وهكذا جاءت المجموعة الشعرية الثالثة لصلاح دبشة والثانية في إطار مشروع المظاهرات الشخصية·· جاءت في ثلاثة مقاطع·· أصاب في الأول والثالث أيما إصابة إذ انشغل المقطع الأول بتجليات الأنثى “الآخر” واستهله بترنيمة - قربان - ربما يصلح الطقس والنسك ما أفسدته العولمة وثقافة الغرف المغلقة إذ يقول في المفتتح الترنيمة للمقطع الأول:

“نحن

تربة خصبة

ينمو فيها كل شيء

ما عدا أنفسنا”

فهذا المقطع بترنيمته الباذخة بالتفجر والتناقض منشغل بتقديم الوعي بالأنثى في كل تجلياتها - الجنس، الهيام، الحلم، الاستلاب، القهر، الحكمة - وذلك في إطار يرزح بالعرفانية والهمس البليغ مثل:

“رسم امرأة عارية

على ورقة

تركها على الطاولة

وخرج

هواء المروحة

يدفعها·· نحو السرير”·

و··

“المرأة

التي دخلته كشارع

بأقصى سرعة

صدمت فيه عمود إنارة

فانطفأ

وعندما اعتذرت له

لم يرها·· من العتمة

وربما كان مزاجي نوعيا، أو ليس على ما يرام، فانزعجت من المقطع الثاني على الرغم من أن عنوانه الجانبي “لأنه مفتوح” أراه فضيحة كاملة لغياب الإرادة وتأبد البشر في حتمية مجهولة وسيرورة لا قرار فيها فهي: “مشية في شارع - فقط - لأنه مفتوح”، أقول على الرغم من ذلك فقد أزعجني فعلا ربما لأنه انشغل بتقرير مصير الأسماء والأشياء وطرح حالات يقينية عنها مما خرج بي عن دائرة الشعر الذي كما أراه لا يعنيه المصائر وقرار المآلات بقدر ما ينشغل بالطريق المؤدية إليها·· لا تنشب الشاعرية في محاصرة المصائر أو في متابعة الظلال في اتجاه مصبها الأخير لكنها تنشب من الظلال الممتدة في الطرق المؤدية، تنشب الشاعرية من تقديم الذات المتوهجة بحثا عن مآل وانخطافا تحت تأثير الأسئلة· فعندما يقول صلاح:

“المشي

سقوط منظم ومتتابع

لأقدامنا

على الأرض”

ومهما أفلح في مفارقة الوعي بطرح المفهوم والإيحاء الجديد·· مهما أفلح، فليس أمامه سوى فخ النمطية·· واستبدال منطق صارم مزعج بآخر أكثر صرامة وازعاجا·· ولن أطيل في هذا الموقف أكثر من ذلك·

·        عن مجلة أفق الالكترونية بالاتفاق

طباعة  

“البيان” في عدد قصصي خاص
 
صلاح عيسى وثورة يوليو··· في “العربي”
 
قصة قصيرة
 
وتد
 
المرصد الثقافي
 
خبر