كتب المحرر الثقافي:
لا يهتم المفكرون العرب كثيرا بكتابة سيرهم الذاتية، بالرغم من أهميتها في سرد وتوثيق وتدوين مراحل سياسية وفكرية واجتماعية مهمة هي بالأساس جزء من نسيج المجتمعات أكثر من كونها ذكريات أو سير شخصية·
د· عبدالعظيم أنيس هو من هؤلاء المفكرين الذين عايشوا نصف القرن الماضي من تاريخ بلاده، والمنطقة العربية عن قرب، وعجنوا بمراحله، وساهموا بتوليف أحداثه، وتغيير مساراته، فكان مرآة صادقة لتطلعات شعب، وطموح أبنائه، لم يثنه الثمن الباهظ الذي دفعه من سنوات حياته لمعاناة، أو سجن، أو تضييق·
أراك قلقا؟
لازمه قلق المفكر، وحيرة المبدع، حتى أيامنا هذه وقد اقترب من الثمانين، ففي الاحتفالية التي أقيمت منذ أسابيع في القاهرة بمناسبة توزيع جوائز أحمد بهاء الدين السنوية، فاجأ الكاتب محمد حسنين هيكل “مدير الندوة” عبدالعظيم أنيس بسؤال: “أرى على وجهك ملامح القلق·· لماذا أنت قلق؟ فأجاب أنيس: “الحقيقة أنني لست متفائلا بالنسبة للأوضاع في مصر لسنوات مقبلة بل وبالنسبة للأوضاع العربية ككل، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية”·
أصدرت دار الهلال “لشهر يونيو 2002” كتابها الشهري “ذكريات من حياتي” للدكتور عبدالعظيم أنيس، ضم الكتاب بين غلافيه محطات متفرقة من حياته، رأى أهمية توثيقها، وإصدارها للقارئ العربي، بالرغم من عزوفه عن إصدار كتاب شامل يضم جميع ذكرياته، ويرجع ذلك في التقديم الى تردده في قبول تلك الفكرة لسببين: الأول أنه لم يتم جمع كل الذكريات المهمة في حياته، لذا هو يكتفي “ذكريات من حياتي”· وثانيهما: أنه يرى - بتواضع - أن حياته بالأحداث التي مرت بها لا تستحق كتابا للسيرة الذاتية من النوع الذي يصدره الغربيون، autobiography كما يقول أنيس في تقديمه للكتاب “واليوم وأنا أقترب من الثمانين، لست نادما على أي شيء·· فقد كان همي طوال حياتي الدفاع عن الفقراء والمظلومين وعن استقلال مصر، وحقها في حياة كريمة وعندما أتأمل هذا الشريط الطويل من حياتي من طفولتي في حي الأزهر، الى اليوم، أجدني راضيا عما قمت به، وضحيت من أجله مهما كانت قسوة الأيام”·
التكوين
في الباب الأول “التكوين” يسرد د· أنيس ذكريات نشأته الأولى في حي الأزهر، وظروف عائلته، والحرف التي زاولها أبناء العائلة في ذلك الحي، وميل عائلة والدته الى التعليم، وتأثره بأخواله في مواصلة تعليمه، ويروي أنيس أثر شقيقه الأكبر في إذكاء رغبة التعلم والتفوق، خصوصا بعد حصول شقيقه على بعثة الى بريطانيا عام 1934·
وفي التكوين الثقافي يروي أنيس ذكرياته في دار الكتب في ميدان باب الخلق، ومواظبته على الذهاب للدار للقراءة واستعارة الكتب، بالإضافة الى استفادته من مكتبة شقيقه الأكبر، ومساعدة الشاعر أحمد رامي له آنذاك، حيث كان رئيسا لقسم الفهارس الأجنبية، ثم انتقاله الى القراءات الفلسفية، اليونانية، والمعتزلة، واختياره بعد حصوله على شهادة الثقافة العامة، لتخصص الرياضيات بالرغم من حبه للأدب والفلسفة·
وفي تلك المرحلة يروي أنيس عن تأثره بأفكار د· عبدالمعبود الجبيلي المعيد بقسم الكيمياء ووزير البحث العلمي في السبعينيات ومدير مؤسسة الطاقة الذرية، وعملهما المشترك في الخدمة التطوعية، وحث عبدالمعبود له على قراءة بعض الكتب الماركسية، حيث يكتشف لاحقا ارتباط الجبيلي بالتنظيمات الماركسية غير المعلنة·
الثورة هي الحل··
عن طريق تلك القراءات، والمناقشات المستمرة مع الجبيلي يقتنع أنيس بضرورة تغيير الأوضاع المتردية، حيث لا يرى حلا إلا بالثورة· ليرتبط بمنظمة “اسكرا” التي كان الجبيلي أحد قادتها والتي اتحدت مع “الحركة المصرية للتحرر الوطني” عام 1947 ليكونا معا منظمة “حدتو”، ثم يصبح أحد أعضائها الفعالين· ثم ينتقل الى فترة الرفض الشعبي (45-48) للاحتلال البريطاني، والنظام الملكي·
ويتحدث أنيس عن محاولات اعتقاله عام 46 بعد مظاهرات طلابية احتجاجية، بين طلاب جامعة الإسكندرية وقوات البوليس ومحاصرة مبنى الجامعة، وانتهت بحادثة مقتل ضابط من قوات الشرطة، مما أدى الى مصادمات أعنف واعتقالات عشوائية بين صفوف الطلاب·
بداية مرحلة جديدة
يقول عن هذه المرحلة “لقد كانت عودتي الى العمل في كلية العلوم بداية لمرحلة جديدة انتهيت فيها - بعد مراجعة فكرية طويلة - الى ضرورة اتخاذ موقف جديد من النشاط السياسي نتيجة ما استجد من ظروف، لقد تمزقت قوى اليسار الي كيانات صغيرة بلا وزن حقيقي، واتضح لي سذاجة تفكيرنا السياسي الذي كان يتوهم أن ثورة بقيادة قوى اليسار هي على الأبواب، ولقد كنا محقين في الوصول الى نتيجة أن نظام فاروق قد أصبح كالثمرة العفنة التي على وشك السقوط، لكن الخطأ كان في تصور أن اليسار كان قادرا على التصدي لقيادة التحول· ولقد ثبت تاريخيا أن ضباط الجيش بتوجههم الوطني العام (وإن ضموا عناصر تنتمي الى اليمين والوسط واليسار) هم الذين كانوا مؤهلين لقيادة معركة التحول في معركة سرعان ما تم التخلص فيها من عنصر اليسار الموجود في القيادة خالد محيي الدين”·
ثم يقرر أنيس ضرورة السفر الى الخارج للحصول على شهادة الدكتوراه، ليسافر الى لندن في سبتمبر 1950، ويروي لقاءه بوزير الداخلية في وزارة الوفد فؤاد سراج الدين حينما استدعاه ورفيقه محمد عجلان وحوارهما الصريح له بقضايا الإصلاح، ونفى تهمة الاستمرار في النشاط السياسي· ويروي كيف أن فترة البعثة من عام 1950 الى 1952 ثم من 1955-1959 كأستاذ زائر، في إحدى جامعات بريطانيا قد شكلت تكوينه العلمي والثقافي، حيث الانفتاح على الثقافة الغربية بمصادرها الأصلية، والمشاركة في الحياة السياسية البريطانية الصاخبة، مع فتور باهتماماته بالشأن المصري البعيد عن محل إقامته، مع إسهاماته في بعض المنتديات والمؤتمرات التي كانت تعقد في الغربة لمناقشة الشأن المصري والعربي مثل أحداث الهجوم البريطاني على محافظة الإسماعيلية وحريق القاهرة في 26 يناير سنة 1952·
ثم يروي قرار فصله من العمل في جامعة القاهرة بعد توقيعه على العريضة التي طالبت بعودة الجيش الى ثكناته عام 1954، فيصدر مجلس الثورة قرارا بفصله مع 42 عضوا من هيئات التدريس مثل د· عبدالمنعم الشرقاوي ود· لويس عوض، ومحمود أمين العالم، ود· فوزي منصور وآخرين·
ثم سفره الى بيروت للعمل في معهد الإحصاء الدولي، ومن ثم الى بريطانيا كأستاذ محاضر في إحدى جامعاتها ويستذكر أنيس هنا مقالا شجاعا لإحسان عبدالقدوس بعنوان “الرجل الذي سرقه الإنجليز” يطالب به الثورة بتصحيح الخطأ (الفصل) وإعادة د· أنيس الى جامعة القاهرة·
أنيس·· والناصرية
وعن موقفه من الناصرية، ودفاعه عن منجزاتها، بالرغم من تعرضه للاضطهاد والاعتقال لسنوات في عهد عبدالناصر، يقول أنيس: “شيء واحد وأساسي كان محل خلافي مع المرحلة الناصرية وقادتها·· هو غياب الديمقراطية السياسية الحقيقية·· فقد كنت وما زلت أعتقد أن تلك هي نقطة الضعف الأساسية في المرحلة الناصرية، وهي التي غطت على السلبيات الأخرى التي وقعت آنذاك وكان هناك حرص على التستر عليها وهذه المسألة هي في رأيي المسؤولة عن التستر على الفساد داخل الجيش آنذاك، وهو الفساد في القيادات الذي اتضحت أبعاده عند وقوع كارثة سنة 1967، وهي أيضا المسؤولة عن هشاشة التنظيمات الشعبية التي بناها عبدالناصر وامتلأت مع الأسف بالعناصر الانتهازية التي تلعب دورا مهما اليوم في الردة التي صاحبت نظامي السادات ومبارك·
المثقفون والسلطة
في الباب الثاني “شخصيات في حياتي” يتوقف د· أنيس لصفحات راويا ذكريات جمعته مع شخصيات مهمة في تاريخ مصر الثقافي مثل طه حسين وثروت عكاشة وإحسان عبدالقدوس وجيفارا ومصطفى مشرّفة”·
وفي الباب الثالث “المثقفون والسلطة” يخصص د· أنيس هذا الباب لمجموعة من الرسائل التي كان يكتبها في سجنه الناصري، الى زوجته الصحافية المصرية عايدة ثابت وأخرى فيها، تحكي ظروف الاعتقال، ويختم د· أنيس الباب الأخير بمقابلة صحافية أجريت معه كانت قد نشرت منذ سنوات ضمنها رأيه في اليسار والناصرية والثقافة العربية والأزمات التي يمر بها العالم العربي·
************
مقاطع من رسالة د· أنيس الى زوجته
زوجتي الحبيبة: ها أنذا أرسل لك هذه الرسالة بعد غيبة طويلة منذ أن أرسلت لك خطابي خلال المحاكمة أيام المجلس العسكري بالإسكندرية في أكتوبر الماضي، ولقد مضى على خطابي هذا نحو عشرة شهور اجتزنا فيها تجربة طالت، وكأنها عشر سنوات! أعنى تجربة الأوردي بما تعنيه من تعذيب يومي، وإهدار لآدمية المعتقلين، وعمل كالسخرة في جبل أبو زعبل، ثم قتل لعدد من زملائنا، إنها باختصار تذكر بما صنعته النازية في خصومها السياسيين في معتقلات أوروبا المشهورة، ولم يكن لينقصها لتصبح الصورة مطابقة تماما غير غرف الغاز!
لقد انتهت هذه التجربة الآن، وعدنا الى أدميتنا من جديد·· ولعلك أدركت من خلال زيارتك لي في الشهور الأخيرة مبلغ السوء الذي وصلت إليه حالتي الصحية· غير أني اليوم أسترد صحتي بالتدريج فلا تقلقي· ولكن ما يقض مضجعي حتى اليوم أن شهدي عطية، بمصرعه الفاجع في الأوردي تحت سياط التعذيب، هو وحده الذي فدانا جميعا· ولولا مصرعه وما أثار من ضجة خارجية لاستمر التعذيب حتى اليوم·
وكانت مهزلة، وما أبشعها من مهزلة ومع ذلك فإن “حفلة الاستقبال” كما واجهناها لم تكن شيئا بالمقارنة بـ “حفلة الاستقبال” التي أعدت لدفعة شهدي عطية في يونيو الماضي، والتي مات فيها هذا الصديق العزيز·· فضلا عن الزملاء الآخرين الذين ظلوا في حالة خطرة لأيام عدة بعد ذلك· وفي اليوم التالي لوصولنا بدأ روتين الحياة المعدة لنا·
وقد طلبت أنا والدكتور إسماعيل صبري عبدالله سماع أقوالنا في مقتل شهدي، وأجابت النيابة طلبنا· وكان منظرا مخزيا للضابط حسن منير عندما أتوا به لتقوم النيابة بتجربة التعرف على صوته، وأنا داخل العنبر كما ذكرت في التحقيق، لقد رأيته كالفأر المتهالك، ولم يجرؤ على أن ينظر الي، بل كان مطرقا رأسه الى الأرض طوال الوقت وقد وضعتني النيابة في غرفة مقفلة وطلبت منه ومن ضباط آخرين أن يرفعوا صوتهم بجمل من التي كانوا يقولونها للمعتقلين في حفلة الاستقبال “وفي كل مرة تعرفت على صوته في يسر دون أن أراه وبطبيعة الحال نقل حسن منير في اليوم التالي لوفاة شهدي حتى لا يفتك به المعتقلون!
إن الضجة التي حدثت عند وفاة شهدي كانت أمرا طبيعيا ولكن الغريب أن الدكتور فريد حداد قد قتل داخل الأوردي قبل شهدي بشهور ولم تحدث وفاته ضجة ما!
إنك تذكرين بالطبع الدكتور فريد حداد، هذا الطبيب الشهم الذي تولى علاجي وعلاجك وعلاج عمتك قبل اعتقالي أكثر من مرة· كم كان وديعا، طيب القلب عظيم الإنسانية! تستطيعين أن تتصوري صدمتي عندما أخرجنا من العنبر ذات يوم عند الغروب لاستلام طعامنا ونحن نجري كالعادة، ولمحت أمام الزنزانة الإنفرادية رجلا في ملابس السجن ملقى على الأرض، وهو يبدو في حالة إغماء لم أتيقن في أول الأمر من هو هذا الإنسان، وإن كنت واثقا أنني أعرفه· ثم بدأت أعي أن هذا هو فريد حداد· ومع ذلك لم أتيقن آنذاك إن كان قد مات عندما رأيته أو أنه مغمى عليه فحسب· فلما سمعنا في اليوم التالي أن أحد المعتقلين قد مات· كانت الصدمة بالنسبة لي فظيعة وبقيت في حالة نفسية سيئة أياما عدة·· ولست أشك لحظة أن يونس مرعي هو المسؤول عن قتل فريد حداد·
أما مهانات العمل في جبل أبو زعبل فهي عديدة·· صفوة من مثقفي مصر مثل د· لويس عوض والدكتور عبدالرازق حسن، والكاتب المسرحي الفريد فرج، والرسام حسن فؤاد والناقد محمود أمين العالم، والدكتور فؤاد مرسي والدكتور فوزي منصور والدكتور إسماعيل صبري عبدالله·· إلخ، وغيرهم كثيرون يساقون كل يوم الى الجبل حفاة شبه عراة في أقسى أيام الشتاء لكسر حجارة أبو زعبل بالإضافة الى عشرات من القادة النقابيين وقيادات الطلاب.