رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 4-10 جمادى الأولى 1423هــ الموافق 13-19 يوليو 2002
العدد 1535

جذور الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.. * نشر من قبل منظمة"يهود من أجل العدالة في الشرق الأوسط"

الجزء (4)
الدولة والطرد 1948

في وقت يتواصل فيه حمام الدم المتكرر في الشرق الأوسط، ينبغي أن يصل البحث عن حل منصف الى الأسباب الجذرية للنزاع· وتقول الحكمة السائدة (ربما في إسرائيل) إنه حتى لو كان الطرفان على خطأ، فإن الفلسطينيين هم “إرهابيون” غير عقلانيين ليست لديهم وجهة نظر تستحق عناء الاستماع· غير أن موقفنا يتمثل في أن الفلسطينيين أصحاب مظلمة حقيقية، فقد تم الاستيلاء على أرضهم منذ أكثر من ألف سنة من دون موافقتهم إنما بالقوة في غالب الأحيان، عند إنشاء دولة إسرائيل· وكل الجرائم اللاحقة - في كلا الجانبين - تنبع حتما من هذا الظلم الأصلي·

حتى الورقة ترسم الخطوط العامة لتاريخ فلسطين لتظهر كيف حدثت هذه العملية وما ينبغي أن يحتويه أي حل أخلاقي لمشكلات المنطقة فإذا كنتم تهتمون بشعوب الشرق الأوسط، سواء أكانوا يهودا أم عربا، فأنتم مدينون لأنفسكم بقراءة هذه الرواية عن الجانب الآخر للسجل التاريخي·

يتمثل الموقف الصهيوني المعياري بالقول إن الصهاينة ظهروا في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر حتى يستعيدوا أراضي أسلافهم· واشترى اليهود الأرض وبدؤوا يبنون المجتمع اليهودي هناك·

وقد لاقوا مقاومة متزايدة العنف من العرب الفلسطينيين، ربما كانت تنبع من معاداة السامية الموروثة لدى العرب· وهكذا اضطر الصهاينة الى الدفاع عن أنفسهم، ويستمر هذا الوضع الى اليوم بشكل أو بآخر·

مشكلة هذا التفسير هي ببساطة أنه غير صحيح، على نحو ما تثبت الأدلة الوثائقية في هذا الكتيب·

فما حدث حقا هو أن الحركة الصهيونية كانت تسعى منذ البداية الى أن تنتزع عمليا كل أملاك العرب، أهل البلد حتى تكون إسرائيل دولة يهودية خالصة، أو يهودية بالقدر الممكن· فالأراضي التي اشتراها الصندوق القومي اليهودي، صارت مسجلة باسم الشعب اليهودي ولم يكن ممكنا أبدا أن تباع أو حتى أن تؤجر للعرب (هذا الوضع مستمر حتى اليوم)، وعندما صار العرب أكثر اطلاعا على نوايا الصهاينة فقد عارضوا بصلابة مزيدا من هجرة اليهود وشراء الأراضي لأن ذلك كان ينطوي على خطر وشيك يهدد وجود المجتمع العربي في فلسطين· وبسبب هذه المعارضة، ما كان للمشروع الصهيوني كله أن يتحقق أبدا من دون المساندة العسكرية البريطانية· فالغالبية العظمى لسكان فلسطين كانت بالمناسبة عربية منذ القرن السابع الميلادي·

باختصار، قامت الصهيونية على رؤية عالمية استعمارية غير صحيحة تقول إن حقوق السكان الأصليين غير ذات شأن· والمعارضة العربية للصهيونية لم تكن قائمة على معاداة السامية إنما على خوف حقيقي معقول من مصادرة حقوق العرب·

هناك نقطة أخرى، فلما كنا نحن يهودا، يكون الموقف الذي نتخذه من الصهيونية نقديا لكنه ليس بأي حال معاديا للسامية· فنحن لا نعتقد أن اليهود تصرفوا بأسوأ مما كان يمكن أن تفعل أي جماعة لو كانت مكانهم· والصهاينة (الذين كانوا أقلية متميزة في الشعب اليهودي بعد الحرب العالمية الثانية) كانت لهم رغبة مفهومة في تأسيس مكان يكون فيه اليهود أسياد مصيرهم، نظرا الى التاريخ القاسي لقمع اليهود· وقد كانت أعمال الصهاينة مدفوعة حقا بيأس حقيقي مع تبلور الخطر على يهود أوروبا في ثلاثينات القرن العشرين· لكن كانت هناك أعمال العرب أيضا· فالأرض الموعودة وفق شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” كانت في الواقع مأوى لـ 700 ألف فلسطيني عام 1919· هذا هو جذر المشكلة كما نرى لاحقا·

 

·        كيف كانت ردة الفعل العربية على إعلان قيام دولة إسرائيل؟

“دخلت جيوش الدول العربية الحرب مباشرة بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في مايو، وتواصل القتال، وكله تقريبا في الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية· وفرّ نحو 700 ألف فلسطيني أو طردوا في نزاع عام 1948”· نعوم شومسكي، “المثلث المشؤوم”·

·        هل كان الجزء المخصص لدولة يهودية من فلسطين في خطر مميت من جانب الجيوش العربية؟

“دعت الجامعة العربية على عجل البلدان الأعضاء الى إرسال جيوشهم النظامية الى فلسطين· وقد أعطيت هذه الجيوش أوامر بالمحافظة على الأجزاء المعطاة للعرب فقط من فلسطين وفق خطة التقسيم· لكن هذه الجيوش النظامية كانت سيئة التسليح وتفتقر الى قيادة مركزية تنسق جهودها· وقيل إن ملك الأردن عبدالله الأول وعدهم (الإسرائيليين والبريطانيين) بأن قواته، الفيلق العربي، وهي القوة المقاتلة الحقيقية الوحيدة بين الجيوش العربية، ستتفادى مقاتلة المستوطنات اليهودية· وعلى الرغم من ذلك، يسجل المؤرخون الغربيون هذه اللحظة بأنها لحظة محاربة إسرائيل “لقطعان ساحقة” من خمسة جيوش عربية· في الحقيقة، اشتدت حدة الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين· “جذورنا ما زالت حية”·

Peoples Press Palestine Book Project

·        التطهير العرقي للسكان العرب في فلسطين·

“كان جوزيف وايتس مديرا للصندوق القومي اليهودي·· وفي 19 ديسمبر من عام 1940 كتب ما يلي: ينبغي أن يكون واضحا أن ليس هناك مجال لكلا الشعبين في هذه البلاد”· فالمشروع الصهيوني كان حتى الآن جيدا ولا بأس به، ويمكن أن يحقق شيئا بوساطة بيع الأراضي لكن هذا لن يعطينا دولة إسرائيل فالأمر ينبغي أن يحصل بضربة واحدة، بطريقة الإنقاذ (وهذه هي فكرة مسكونية عالمية) وليس هناك أي بديل من ترحيل العرب من هنا الى البلدان المجاورة، نقلهم جميعا· وربما باستثناء من في بيت لحم والناصرة والقدس القديمة، ينبغي علينا أن لا نترك قرية واحدة ولا قبيلة واحدة·· وقد صدر مئات مثل هذا التصريح الصهيوني”· إدوارد سعيد، “قضية فلسطين”·

·        تابع التطهير العرقي

“بعد انتفاضة 1936، لم يكن هناك أي قائد (صهيوني) بارز قادرا على تصور أي تعايش مقبل من دون الفصل الكامل بين الشعبين - الذي لا يمكن تنفيذه إلا بالترحيل والطرد· وعلانية، بقي هؤلاء يتحدثون عن التعايش وعلى إسناد مسؤولية العنف الى أقلية صغيرة من المتعصبين والفوضويين”· لكن هذا كان مجرد موقف علني· وقد لخصه بن غوريون بما يلي: “بالترحيل الإجباري نحصل على منطقة واسعة (للاستيطان) وأنا أساند الترحيل الإجباري· وأنا لا أرى فيه شيئا غير أخلاقي”· مؤرخ إسرائيل، بيني موريس· “الضحايا الحقيقيون”·

·        تابع التطهير العرقي

“كان بن غوريون يريد أقل قدر ممكن من العرب في الدولة اليهودية· وكان يأمل في أن يفروا· وقد أبلغ ذلك لزملائه ومساعديه في اجتماعات أغسطس وسبتمبر وأكتوبر 1948 لكن لم تظهر أي سياسة طرد، وقد امتنع بن غوريون عن إصدار أوامر طرد مكتوبة أو واضحة، كان يفضل أن يفهم جنرالاته ما ينبغي أن يحصل· فقد كان يرغب في أن يتفادى أن يذكره التاريخ باعتباره “الطارد العظيم” ولم يكن يرغب أن تتورط الحكومة الإسرائيلية في سياسة ذات أخلاقية مريبة· لكن في حين لم تكن هناك سياسة طرد، فقد غلب على هجمات يوليو وأكتوبر 1948 مزيد من عمليات الطرد والوحشية بحق العرب والمدنيين أكثر مما حصل في النصف الأول للحرب”· بيني موريس· “ظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين”· 1947-1948·

·        ألم يترك الفلسطينيون بيوتهم طوعا خلال حرب عام 1948؟

“غالبا ما بثت الدعاية الصهيونية على نطاق واسع أن الرحيل الفلسطيني في عام 1948 كان بدوافع ذاتية· وكانت الدوائر الرسمية تقر ضمنا أن السكان العرب هربوا نتيجة الأعمال الإسرائيلية سواء مباشرة كما حصل في اللد والرملة، أو بصورة غير مباشرة بفعل الذعر من أعمال مماثلة لمجزرة دير ياسين· لكن حتى من خلال السجل التاريخي الذي تم تقويمه بصورة مضنية، ما زالت المؤسسة الإسرائيلية ترفض قبول المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن مشكلة اللاجئين التي خلقتها هي أو أسلافها”· بيريتس كيدرون، كما نقل عنه “لوم الضحايا”· إدوارد سعيد وهيتشينز·

·        الأوامر العربية بالإخلاء غير موجودة

“كانت هيئة الإذاعة البريطانية تراقب جميع إذاعات الشرق الأوسط عام 1948· والتسجيلات، ومثلها تسجيلات وحدة المراقبة الأمريكية موجودة في المتحف البريطاني· ولم يكن هناك أي أمر أو دعوة بشأن إخلاء فلسطين من أي إذاعة عربية خارج فلسطين أو داخلها في عام 1948· بل هناك دعوات عربية مسجلة وحتى أوامر واضحة تدعو ضحايا فلسطين الى الصمود”· إرسكين تشايلدرز، باحث بريطاني كما نقل عنه سامي هداوي في “الحصاد المر”·

·        تابع التطهير العرقي

“لا يمكن الشك بغاية بن غوريون القصوى وهي إخلاء أكبر قدر ممكن من السكان العرب من الدولة اليهودية، على الأقل من خلال مجموعة الوسائل التي استعملها لتحقيق هذه الغاية، والأكثر حسما فيها هو تدمير القرى العربية بكاملها وطرد سكانها حتى لو لم يشاركوا في الحرب وحتى لو رغبوا في البقاء للعيش في إسرائيل بسلام ومساواة، على نحو ما هو وارد في إعلان الاستقلال”· الكاتب الإسرائيلي سيمحا فلابان، “مولد إسرائيل”·

·        التدمير المقصود للقرى العربية لمنع عودة الفلسطينيين

“خلال مايو 1948 بدأت تتبلور أفكار بشأن كيفية إدامة المنفى الفلسطيني وجعله نهائيا، وهكذا أدركوا (الصهاينة) أن تدمير القرى العربية هو الطريقة الأولى لتحقيق غايتهم· (وحتى قبل ذلك) في العاشر من إبريل، سيطرت عصابة الهاغانا على قرية أبو شوحة ودمرتها في الليل··· وفي 20 إبريل سوت الجرافات الإسرائيلية قرية الخلدة بالأرض، وجرفت قرية أبو زريق كلها، ومثلها قريتا المنسي والنغنغية الى الجنوب الشرقي، وفي أواسط عام 1949، كانت غالبية (القرى الـ 350 العربية المسكونة) إما مدمرة كليا أو جزئيا وإما خالية”· بيني موريس، “ولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين”·

·        بعد انتهاء القتال، لماذا لم يعد الفلسطينيون الى منازلهم؟

“تمت المصادقة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة - القرار 194 الأول الذي يؤكد حق اللاجئين في العودة الى منازلهم وممتلكاتهم في 11 ديسمبر من عام 1948· وقد تمت إعادة المصادقة عليه أكثر من عشرين مرة مذ ذاك· وفي حين يكون الحق الأخلاقي والسياسي لشخص معين في العودة الى مقر إقامته الدائمة معترفا به في كل مكان، فإن إسرائيل منعت حق العودة (و) جعلته غير ممكن منهجيا وقانونيا للفلسطينيين، في حين أنه يحق للفلسطينيين في أي حال أن يتلقوا تعويضات عن ممتلكاتهم أو أن يعيشوا في إسرائيل باعتبارهم مواطنين متساوين أمام القانون في إسرائيل اليهودية”· إدوارد سعيد، “قضية فلسطين”·

·        هل هناك أي تبرير لمصادرة الأراضي؟

“إن حقيقة قرار العرب بفعل الرعب، أو خوفا من تكرار المجازر الصهيونية بحق العرب لا يجعل ذلك سببا لمصادرة منازلهم والحقول وأسباب الرزق، فالمدنيون العالقون في منطقة تشهد نشاطا حربيا يصابون عامة بالذعر· لكنهم يكونون عادة قادرين على العودة الى بيوتهم حالما يختفي الخطر· والغزو العسكري لا يقضي على الحق الشخصي في الملكية الخاصة، ولا يعطي المنتصر الحق في مصادرة المنازل والأملاك الخاصة والممتلكات الشخصية للمدنيين غير المحاربين· إن المصادرة الإسرائيلية للأملاك العربية كانت تعديا”·

سامي هداوي· “الحصاد المر”·

·        ماذا بشأن المفاوضات بعد حروب 1948-1949؟

(في لوزان) كانت مصر وسوريا ولبنان تحاول أن تنقذ بالمفاوضات ما خسرت بالحرب - دولة فلسطينية الى جانب دولة إسرائيل· لكن إسرائيل (فضلت) اتفاقات هدنة غامضة على سلام واضح يستدعي تنازلات في الأراضي وإعادة توزيع أعداد معينة من اللاجئين· وقد تبين بمرور السنين أن رفض إسرائيل الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وبإقامة دولة هو المصدر الأساسي للاضطرابات وحمامات الدم التي حدثت لاحقا· الكاتب الإسرائيلي سيمحا فلابان، “ولادة إسرائيل”·

·        إسرائيل انضمت الى الأمم المتحدة ثم تمردت على شروط انضمامها

“افتتح مؤتمر لوزان رسميا في 27 إبريل من عام 1949· وفي 12 مايو حصدت لجنة الأمم المتحدة بشأن فلسطين نجاحها الوحيد عندما حملت الأطراف على توقيع بروتوكول يقوم على إطار عام للسلام الشامل· وقد وافقت إسرائيل للمرة الأولى على مبدأ الإعادة (للاجئين العرب) وتدويل القدس (···) لكنها فعلت ذلك لمجرد كونه علاقات عامة ترمي الى تعزيز صورة إسرائيل دوليا· وقال آنذاك مندوب إسرائيل وولتر إيتان: إن غايتي الوحيدة كانت البدء بتقويض بروتوكول 12 مايو الذي وقعنا بفعل قساوة نضالنا من أجل الانضمام الى الأمم المتحدة· فرفض التوقيع كان يمكن أن يعرفه فورا الأمين العام والحكومات المختلفة” المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي “نشوء النزاع العربي - الإسرائيلي 1947-1951”·

·        انضمام إسرائيل الى الأمم المتحدة - تابع

“إن مقدمة قرار الانضمام تتضمن بندا ضامنا هو التالي: عطفا على قرارها الصادر (بشأن التقسيم المؤرخ في 29 نوفمبر من عام 1947، وقرارها المؤرخ في 11 ديسمبر 1948 (بشأن حق العودة والتعويض) وآخذا بالاعتبار بيانات وتوضيحات ممثلي حكومة إسرائيل أمام اللجنة العليا السياسية الخاصة بتنفيذ القرارات المذكورة تقرر الجمعية العامة ضم إسرائيل الى عضوية الأمم المتحدة”·

“هنا ينبغي أن نلاحظ أن هناك شرطا وتعهدا ينبغي الوفاء به وهو تنفيذ القرارات المذكورة· وليس هناك أي شرط يقضي بربط التنفيذ بإقامة سلام حسب الشروط الإسرائيلية على نحو ما ادعى الإسرائيليون لاحقا· سامي هداوي· “الحصاد المر”·

·        ما مصير الفلسطينيين الذين صاروا الآن لاجئين؟

“كان شتاء عام 1949، وهو أول شتاء في المنفى لأكثر من سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني باردا وقاسيا· فقد تجمعت العائلات في الكهوف والأكواخ المهجورة أو الخيام المنصوبة على عجل· وكان كثير من الجائعين يقيمون على بعد بضعة أميال من حقولهم المزروعة بالخضار وبساتينهم في فلسطين المحتلة - دولة إسرائيل الجديدة··· وفي نهاية عام 1949 بادرت الأمم المتحدة الى العمل أخيرا· فقد أنشأت منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حتى تتولى شؤون أكثر من 60 مخيما من منظمات طوعية· وقد استطاعت أن تبقي الناس على قيد الحياة إنما بصعوبة”· “جذورنا ما زالت حية”·

The Peopleصs Press Palestine Book Project

طباعة  

العالم العربي: إلى الوراء سِر
 
“حزب الله” و”القاعدة”: أي علاقة؟